الرياضة ومنظومة العدالة الاجتماعية فى مصر

 

 

أتذكر أن الزعيم الليبى السابق معمر القذافى كان يقول فى كتابه الأخضر المزعوم عبارة لافتة نصها «إن الرياضة تُمارس ولا تُشاهد». وأنا أتصور أن هذا الكلام القاطع المانع الذى كان يصكه، وأمثاله من مقولات تناقض الطبيعة الإنسانية قد وصل به إلى ما وصل به من نهاية مؤسفة. فلا سبيل إلى الوقوف أمام رغبات الناس فى مشاهدة ومتابعة وتشجيع فريق والإعجاب بمهارة شخص والثناء عليها أو لوم آخر أو التعليق على المباريات.

وأنا ممن يرون أن الرياضة تمارس وتشاهد وتُتابع وتوظف للرقى بمجتمعات ونشر قيم أخلاقية حسنة ودعم أعمال خير ومشروعات تنمية.

وإذا كان البعض يستغرب أن يتحدث سياسى مثلى فى الرياضة أو عنها، فإننى لست ممن يرون الرياضة أمرا هامشيا أو مجالا فرعيا فى المجتمعات الحديثة، وإنما هو أساس للرقى ومدخل مباشر للتواصل مع الشعوب الأخرى، والتلاقى مع الثقافات المغايرة.

ومن البديهيات أن يتجاوز الاهتمام بالرياضة حدود الممارسة الفردية أو الجماعية أو حتى المشاهدة، وإنما يمتد الأمر إلى محاولة توظيفها كإحدى محددات القوى الناعمة لبعض الدول للتأثير فى الأمم الأخرى.

من هُنا، أثمن دعوى الرئيس السيسى للنهوض بالمنظومة الرياضية فى مصر اتساقًا مع استراتيجية الدولة لبناء الإنسان المصرى، فضلًا عما تمثله الرياضة من قيمة مضافة للمصريين، ودعما لنشر ممارسة الرياضة على مستوى واسع بين جموع الشعب.

ولاشك أن دعم الرياضة كإنشاءات وبُنى تحتية وملاعب أمر هام وضرورى وعظيم، ما يدفعنا إلى النظر بأهمية قصوى للمدينة الرياضية الجديدة فى شرق بورسعيد، ولتجديدات الاستادات الرياضية ونتابع باهتمام بالغ المشروع القومى لاكتشاف الموهوبين رياضيا، لكننا فى الوقت ذاته، نرى أن الأمر يحتاج لرؤى أكثر شمولا وبرامج عمل داعمة تجعل من الرياضة جزءا لا يتجزأ من منظومة العدالة الاجتماعية التى قطعت فيها الدولة أشواطا جيدة.

فمنظومة الرياضة فى مصر يجب أن تخضع لخطط التطوير الشامل الذى ينطلق بالفعل نحو معظم القطاعات.

وفى تصورى فإن الفكر السائد يجب أن يتغير، فلا ينبغى التركيز على كرة القدم وحدها باعتبارها الرياضة، أو قصر الاهتمام على النوادى الكبرى باعتبارها وحدها حاضنة الرياضيين.

ورغم أننى أهلاوى صميم، وسعيد أن تاريخ النادى الأهلى تقارب مع حزب الوفد أزمنة وشخصيات، فكان سعد باشا زغلول هو أول رئيس جمعية عمومية للنادى، وتولى فؤاد باشا سراج الدين منصب وكيل النادى، فإننى أرى أن النهوض بالرياضة يبدأ من مراكز الشباب فى القرى والنجوع، لتعود إليها وظيفتها الفعلية فى دعم وتشجيع المواهب الرياضية واستيعاب طاقات الشباب ودعمه.

إن من حق المواطن البسيط فى القرى النائية فى صعيد مصر ووجهها البحرى أن يجد فرصا مناسبة للعب كرة القدم، وكرة اليد والسلة والطائرة، وتعلم السباحة، و ممارسة الألعاب الفردية فى أماكن مجهزة وقريبة من معيشتهم. من حق الشباب أن يجد دعما حقيقيا لموهبته ومساندته ليصبح فاعلا فى ساحات الدورات الرياضية الدولية. إننى أعتقد أن تحويل مادة الرياضة إلى مادة نجاح ورسوب فى المدارس سيكون له آثار جيدة على المنظومة. وأتصور أن هناك حاجة ماسة لاستعادة الزخم الذى كانت عليه الرياضة قبل ثلاثين عاما. فمصر ولادة ومزدحمة بالمواهب وأصحاب الهمم والطموحات الجادة، وهناك دوما نماذج تستحق كل التقدير والمساندة سواء فى كرة القدم أو غيرها من الألعاب.

وسلامٌ على الأمة المصرية.