ثوابت الوفد قيم تتجدد كل عصر (5ـ6)

الحرية الاقتصادية طريق آمن للتنمية والتقدم

 

ليس الهدف من هذه المقالات المسلسلة التذكرة بالماضى فحسب، ولكن التأكيد أيضاً على أن ثوابت حزب الوفد منذ أكثر من مائة عام لا تزال مستقرة، وراسخة، وصالحة للتطبيق برؤية معاصرة تتفق مع المستجدات المحيطة بنا.

منذ اليوم الأول كان الوفد مع الحريات كلها، الحرية السياسية، وحرية الفكر والتعبير، والحرية الاقتصادية. لقد كانت الأوضاع الاقتصادية أحد أسباب ثورة 1919، حيث عانى المصريون من استغلال بريطانيا وسيطرتها على موارد وإمكانات البلاد وتوجيهها لخدمة مصالحها خلال الحرب العالمية الأولى.

من هنا ولد إيمان سعد زغلول ورجال الوفد الأوائل بضرورة استقلال الاقتصاد الوطنى، والاعتماد على رؤوس أموال مصرية فى إدارة شئون الاقتصاد وتوليد المشروعات المتنوعة فى الصناعة والتجارة والخدمات. لذا لم يكن غريباً أن يشجع حزب الوفد حركة تمصير الاقتصاد التى أسهم فى قيادتها طلعت حرب بمشروع بنك مصر سنة 1920. ولم يكن مدهشاً أن يصدر الوفد بياناً بعد الثورة يدعو فيه المصريين إلى مقاطعة البنوك والشركات الإنجليزية والإقبال على شراء أسهم بنك مصر وهو ما أثار غضب الإنجليز ودفعهم إلى اعتقال الموقعين على البيان سنة 1921، وعددهم سبعة من قيادات الوفد والحكم عليهم بالإعدام.

لقد كان بنك مصر نواة لميلاد رأسمالية وطنية، تنتج وتؤسس المشروعات، توفر فرص العمل، تتوسع، تضخ الاستثمارات تلو الاستثمارات، وتنقل التكنولوجيات والخبرات، فضلاً عن بناء الاستقلالية فى القرار الاقتصادى، واكتساب القدرة على المشاركة فى حركة التنمية. وإذا كان رأس المال المبدئى للبنك سنة 1920 بلغ 80 ألف جنيه، فإنه لم تمر خمس سنوات حتى ارتفع إلى نصف مليون جنيه، ولم تمر عشر سنوات أخرى حتى خرجت من رحم البنك شركات مصر الكبرى التى غيرت وجه الاقتصاد بدءاً من مصر للطيران، مصر للنقل والملاحة، مصر للسينما، حتى مصر للغزل والنسيج، مصر للسياحة، مصر للمناجم، ومصر لبيع المصنوعات وغيرها.

ولم يكتف البنك بذلك بل أوفد إلى الخارج بعثات من العمال والخبراء لدراسة تطوير جميع أنواع الصناعات التى أسسها من صناعات الأدوية إلى الألبان إلى الكيماويات إلى الفنادق.

ففى ظل الحرية الاقتصادية، كان أعظم توسع استثمارى دفع المصريين إلى كل مجالات الصناعة والخدمات والاستثمار، وأمكن استيعاب أجيال من الخريجين فى وظائف مناسبة، كما أمكن تأهيل وتدريب أجيال أخرى فى مجالات ظلت سنوات طويلة حكراً على الأجانب.

وشجعت حكومات الوفد قبل 1952 التنمية الاقتصادية القائمة على الصناعة والمشروعات الإنتاجية والخدمية المختلفة فى ظل منظومة تشريعية تستهدف العدالة الاجتماعية وتحفظ للعمال حقوقهم، ما كان دافعاً لتبوؤ مصر الريادة فى صناعات كبرى مبكراً على المستوى الإقليمى.

وتلك الرأسمالية الوطنية ظلت منذ ميلادها حريصة على أداء دورها المنوط به تجاه المجتمع، وكان من الواضح أن تغييب الرأسمالية الوطنية عبر تجارب الستينيات كان خصماً من مسيرة التنمية.

وفى تصورى، فإن قرارات ثورة يوليو المعاكسة للحرية الاقتصادية فيما بعد، خلّفت تركة ثقيلة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التى مازلنا نعانى منها حتى يومنا.

ولاشك فى أن إيمان الوفد بالحرية الاقتصادية، بدءاً من حرية تأسيس المشروعات، وحفظ الملكية الخاصة، وتوسيع ملكية القطاع الخاص وتشجيعه على إنشاء المشروعات الجديدة والتوسع وخلق فرص عمل واستقرار التشريعات الحاكمة للمناخ الاستثمارى من ضرائب وجمارك ورسوم هو أحد ثوابت الوفد الراسخة.

إن التنمية المستهدفة لن تتحقق دون حرية اقتصادية مسئولة مضبوطة بتشريعات وقوانين رشيدة تراعى بث ثقافة المشاركة بين القطاع الخاص والدولة، وترسيخ فكرة الاطمئنان لدى مجتمع الأعمال، وخلق بيئة مواتية لضخ استثمارات واسعة.

وحسناً نص الدستور المصرى على احترام الملكية الخاصة، وحسناً تؤكد القيادة السياسية فى كل مناسبة أن القطاع الخاص شريك أساسى للتنمية، وأنه لا بديل عن الحرية الاقتصادية طريقاً للتنمية.

وسلام على الأمة المصرية.