«الاختيار» نموذج فعال لمواجهة الإرهاب بالفن

 

القوة الناعمة هى الأداة الأهم والأعمق فى التأثير الإيجابى أو السلبى على الجماهير. والدور القيادى الذى لعبته مصر فى العالم العربى كان مدعوما بقواها الناعمة من غناء وسينما ومسرح ونحت وكافة صور الفنون والثقافة، فتأثير كلمة أو فيلم أو مسلسل يفوق سنوات طويلة من العمل السياسى وربما العسكري.

وقد أثبت مُسلسل «الاختيار» أننا نمتلك حلولا فاعلة أعمق، وأقوى تأثيرا من خلال قوانا الناعمة.

لقد بات تحلُق الناس كُل يوم أمام المُسلسل المتميز فنيا، دليلا على حاجة الناس لأعمال فنية عظيمة تطرح قضايا الوطن بعمق وجمال. كما دلل المُسلسل على إمكانية نشر رسائل التوعية بشأن خطط الاستقطاب الظلامى للجماعات المتطرفة، ومدى الخطر الذى تمثله على الحضارة والتقدم، فالفكر لا يهزمه إلا الفكر.

إن فضح مُخططات المتشددين، وكشف خواء الخطاب الذى يتبنونه، وتعريف الناس بتضحيات أبطال قواتنا المسلحة، والشرطة دفاعا عن أمان الناس واستقرارهم، يُمثل انتصارا حقيقيا على قوى الشر وداعميها فى الداخل والخارج.

فى يقيني، فإن مشهد أو محاورة داخل المسلسل، ربما تترك آثارا راسخة فى أذهان الناس أكثر من بيان رسمى أو مناشدة أو حتى مقال فى صحيفة . إن أغنية جميلة يُرددها العامة بإعجاب قد تكون حائط صد أمام استهداف شباب غض ما زال يخطو خطواته الأولى فى الحياة العملية، وربما تبقى قصيدة شعر فى وجدان المستمعين عقودا وعقودا، وحسبنا أننا ما زلنا نردد حتى يومنا الحالى أبيات شعر لأمير الشعراء أحمد شوقى من أمثلة «قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلمُ أن يكون رسولا»، أو «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا».

إننى أتذكر قبل أكثر من عام كيف قدم فيلم «الضيف» للكاتب إبراهيم عيسى، والمخرج هادى الباجورى قراءة ناضجة لعقلية الإرهابى وتصوراته بشأن المجتمع، وموقفه من الآخر ليُلمح لنا أن الفكر والثقافة أدوات ضرورية فى الحد من التطرف والحرب على الإرهاب. إن عقلية الإرهابى لا تحتمل المواجهة الفكرية، لا تصمد أمام الحجج العقلية، لذا فإنه غالبا ما يهرب من الحوار، ويرفض المناقشة، ويُصادر على الآخر. وهذا ما يجعله يخسر معارك الفكر والإبداع قبل أن يدخلها.

لقد قلت مرارا إن مواجهة كافة مشكلاتنا بالحلول الأمنية وحدها هو توجه غير واقعي، وغير عملي، وأننا نمتلك بطاقاتنا وإمكاناتنا الإنسانية وقوانا الناعمة أدوات أفضل، وأسرع، وأعمق تأثيرا، بل وأقدر على إحداث تغيرات جوهرية فى بُنية المجتمع.

إننى أذكر أننى كتبت قبل  سنوات فى إحدى مقالاتى المنشورة فى الصحف أن إسناد معالجة التطرف الدينى للمؤسسة الأمنية ومؤسسة الأزهر دون تطوير دور المؤسسات الثقافية والتعليم ومراكز الفكر ومؤسسات المجتمع المدنى لن يحد من التطرف، وقد أثبتت الأيام صحة ذلك.

 إنه من الظلم الشديد أن تحارب الأجهزة الأمنية وحدها فى معارك شاملة، شرسة، وطويلة الأمد، وأعتقد أنه ينبغى أن نطرح دائما حلولا غير أمنية تضاف إلى الجهود الأمنية فى الحرب على الإرهاب.

 ولا بد أن تكون لدينا حلول غير أمنية لمواجهة الإرهاب والتطرف والفساد وغيرها من المشكلات والتحديات الصعبة.

إن الفن، والإبداع، والثقافة، أدوات حيوية يُمكن أن تلعب أدوارا عديدة، ليس فى قضية مواجهة الإرهاب وحدها، وإنما فى كثير من قضايانا وتحدياتنا المجتمعية المصيرية الأخرى.

 وأتصور أن  مصر على وجه الخصوص لديها رصيد تاريخى عظيم فى الفن والثقافة والأدب، يجعلها أكثر تميزا من دول أخرى رصيدها الإبداعى ضئيل.

لقد بدأ فن السينما بالعالم العربى فى مصر نهاية العشرينيات، وشهدت القاهرة تأسيس أول إذاعة عربية، وكُنا أسبق بلدان الشرق إنشاء للصحف ونشرا للأدب والمعارف، واحتضنت مصر على مدى تاريخها الحديث أساطين وعمالقة الفن والأدب والفكر سواء من المصريين أو من العرب.

إن لدينا أجيالا جديدة واعية وقادرة تجيد لغة العصر، فدعوهم ينطلقوا فهم الأقدر على التأثير فى أبناء جيلهم.

أقول بكل صدق إن الفن سلاح وطنى عظيم، يُمكن أن يُحقق نتائج ملموسة فى كل معاركنا الفكرية والثقافية والسياسية دون استثناء، وتحية من القلب لكل مَن شارك وساهم فى إنتاج الدراما المتميزة «الاختيار»، فهو مسلسل على الطريق الصحيح يؤكد أن الفن رسالة خالدة.

وسلامٌ على الأمة المصرية.