القطاع الخاص شريك لا خصم

يُثار بين حين وآخر دعوات مُنفعلة لا تستند إلى واقع علمي، تنقض أسس البناء الاقتصادي، وتقوض أى فرص مستقبلية لتنميته.

ولما كانت أزمة تفشى كوفيد 19 أزمة جديدة، استثنائية، مُثيرة للحيرة وللأفكار غير المنتظرة، فقد وجدتها بعض قوى التخبط فرصة لضرب تجربة التنمية فى مصر فى مقتل، ربما بقصد أو بسوء فهم، مرتكزة فى ذلك على التحريض على القطاع الخاص بصورة غير مسبوقة، حتى إن الأمر وصل بالبعض إلى أن يطالب بعودة التأميم أو الإنهاء على القطاع الخاص تماما فى مصر.

ثمة قصة شائعة تماثل ذلك الطرح الغريب السطحى تقول إن فلاحا كانت لديه دجاجة تبيض كل يوم بيضة ذهب، وفى إحدى المرات مرضت الدجاجة فتأخرت بيضتها، فقام بذبحها اعتقادا أنه سيفوز بعدد كبير من البيضات الذهبية، لكنه فوجئ بلا شىء، وتحسر بعد فوات الأوان.

بالطبع ليس لدينا ذلك الفلاح المنفعل غير المدرك لطبيعة الآلية المنتجة للبيضة الذهبية. ذلك لأن الدولة المصرية فيها قيادات سياسية، وحكومة، ومسئولون، ومفكرون، واقتصاديون يدركون أن القطاع الخاص ركيزة النشاط الاقتصادي، وفى أكثر من مناسبة يخاطب رئيس الدولة القطاع الخاص باعتباره شريكا أساسيا فى التنمية، ويشجعه على العمل، ويوجه بإزالة كافة العقبات التى تعوق الاستثمار.

ولا شك أن أى طرح معادٍ لتجربة القطاع الخاص فى مصر، هو بالضرورة طرح معادٍ لأهداف التنمية، ولمصالح الوطن، ومستقبله، ومهما حاول بعض أعداء القطاع الخاص ادعاء مساندة الحكومة، أو استهداف العدالة الاجتماعية، فإن الدولة الواعية تدرك عدم منطقية الطرح، وتعى ضرورة أهمية الدور الذى يلعبه القطاع الخاص فى الاقتصاد، والاستثمار، وضرورات تفعيله.

إن نظرة بسيطة على مؤشرات النشاط الاقتصادى تفتح أمامنا فضاء الرؤية للتعرف على ما يعنيه القطاع الخاص لمصر، فوفقا لبيانات جهاز التعبئة والإحصاء فإن أحدث رقم لقيمة الانتاج التام فى مصر يقدر بنحو 3.9 تريليون جنيه، ونصيب القطاع الخاص منها يبلغ 84.5%.

كذلك فإذا كانت أرقام الإحصاء تقول إن إجمالى الأجور فى مصر يبلغ نحو 360 مليار جنيه، يدفع القطاع الخاص منها نحو 225 مليار جنيه بنسبة 74%.

فضلا عن ذلك، فإن القطاع الخاص يمثل نحو 99% من المنشآت الاقتصادية فى مصر، ولا يمكن توفير نحو مليون فرصة عمل جديدة تضاف كل عام إلى سوق العمل لتحقيق نمو سنوى بمعدل 7% بعيدا عن منشآت القطاع الخاص.

والحاصل أن القطاع الخاص المصرى كما فى العالم كله يعانى بدرجات متفاوتة جراء انكماش الأنشطة الاقتصادية، وهنا فإن هدم القطاع الخاص ليس حلا ولكن الحل مساندته، ليس من أجل عيون رجال الأعمال، وإنما لأن فى دعمه دعما للفقراء ومحدودى الدخل... فببساطة فإن إعادة تشغيل الاقتصاد، هو إعادة تشغيل للفقراء، فالعمالة الموسمية مثلا والمقدرة بأكثر من خمسة ملايين عامل، تعمل من خلال مشروعات القطاع الخاص، وعودة النشاط الاقتصادى تعنى عودة الحركة، والانتاج، والتصدير، والتشغيل، ما يصب فى نمو الناتج الإجمالي.

من هُنا فإن الإجراءات التى يمكن أن تتخذ لمساعدة القطاع الخاص، وتعمل على تشجيعه، وتراعى ظروفه، ضرورية لتجاوز المحنة والعبور من الأزمة بأقل الخسائر.

إن بعض الهجمات الإعلامية على مجتمع الأعمال تذكرنى بمثل شعبى ورد فى موسوعة الأمثال الشعبية للعلامة أحمد تيمور باشا، يقول "الإبريق المليان ما يلقلقش". فعندما نسمع ضوضاء بعض مَن يشعلون الدنيا ضجيجا وجدلا دون تقديم أفكار موضوعية بناءة، ندرك أنهم يعبرون عن إبريق فارغ لأن الإبريق المملوء بالماس لا يسمع صوت الماء فيه فلا يجعجع إلا قليل البضاعة ولا ينعر بالصوت العالى سوى الفارغين من الأفكار والبعيدين عن الابتكار.

وسلامٌ على الأمة المصرية.