د. هانى سرى الدين يكتب : رب ضارة نافعة... نظم تعليم جديدة وفرص أكبر

د. هانى سرى الدين يكتب : رب ضارة نافعة... نظم تعليم جديدة وفرص أكبر
الأربعاء, 13 مايو 2020 21:34

تتغير سمات وسلوكيات الشعوب وفق ما تمر به من أحداث وما تواجهه من مشكلات وأزمات. ولا شك أن أزمة كوفيد 19 بدلت كثيرا من الأفكار والتصورات وأنماط العمل فى كافة أنحاء دول العالم، وأعادت رسم تصورات وخصائص قطاعات ومجالات بعينها على رأسها التعليم.

لقد شهد التعليم تغيرا تاريخيا فى أدواته ونظمه ليحتل «التعليم عن بُعد» المكانة المثلى ويفرض نفسه على العالم أجمع. وكانت من المصادفات الحسنة أننا قبل شهور قليلة من الوباء العالمى، كنا قد بدأنا نختبر الفكرة التى طرحها الدكتور طارق شوقى للتعليم عن بعد من خلال «التابلت»، ورغم ما تعرض له الرجل من هجوم قاس، إلا أنه واصل الدفاع عن مشروعه، مُصرا أن تحديث التعليم لن يتم دون اعتياد كُلى على وسائل التكنولوجيا الحديثة، واستغلال أمثل لها فى العملية التعليمية.

والآن أثبت الطرح فاعليته فى التعامل مع ما فرضه فيروس كورونا من إجراءات استلزمت بقاء غالبية الناس فى منازلهم.

وحتى بعد انقشاع الكارثة وتعافى العالم منها، أتصور أن العملية التعليمية ككل ستستفيد من اختبارها لفكرة التعليم عن بُعد، وستتركز طرق التعليم فى معظم الدول على برامج وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة مثل «زووم» وغيرها.

فأنا شخصيًا لم يكُن فى مخيلتى يوما ما أننى سأقوم بالتدريس لطلبتى بكلية الحقوق جامعة القاهرة عبر «زووم» أو من خلال محاضرات صوتية مسجلة يقوم الطلبة بالاستماع إليها وقتما يشاءون.

ويمكن القول إن أسلوب المعلم التقليدى الذى يقف فى فصل دراسى مزدحم أمام الطلبة ليشرح لهم درسا ما سينقرض تدريجيا، ليصبح المعلم شارحا للآلاف عبر تطبيق يصل عبر الفضاء الإلكترونى من طوكيو إلى القاهرة دون أن يلتزم بالحضور والسفر. وربما فإن منظومة التعليم المستقبلية لن تحتاج لمدارس بنظامها التقليدى، وربما لن تكون هناك حاجة ماسة لإنشاء أبنية تعليمية جديدة، لأنه يمكن استبدال ذلك بإنشاء المدارس على الفضاء الإلكترونى.

ولا شك أن ذلك سينعكس بشكل واضح على التكلفة التعليمية، وستوفر أموالا ضخمة كانت مخصصة لإنشاء الأبنية والمدارس وتجهيزها، ويمكن توجيهها إلى تنمية تطبيقات التعليم الإلكترونية وتطوير المحتوى.

أتخيل أن فكرة الغش ستختفى

رويداً، وستتراجع ظاهرة الدروس الخصوصية تدريجياً، وستنفتح مجالات أكثر عدالة للمفاضلة بين طالب وآخر، اعتمادا على قياس قدراته على الابتكار والتفكير.

ستتسع مناهج التعليم لتأخذ أشكالا عولمية، وستعلو قيم قبول الآخر والتسامح، وستنفتح فرص عديدة أمام النبغاء للدراسة فى الجامعات العالمية عن طريق برامج المنح التى لن تحتاج للسفر والإقامة وتحمل المصروفات والأعباء صعبة.

إن كل ذلك التغير، يُعيدنا للقضية الأهم التى سبق أن طرحناها مرارا، بشأن الاستثمارات الأولى والمشروعات الأعظم، فقضية التعليم من القضايا المحورية التى يمكن أن تغير وجه مصر، وتُحدثها بصورة مثالية إن أحسنا الاستعداد والتخطيط لها. قلنا مرارا إن التعليم هو المشروع الأهم، والأكبر، والأعظم، وتحقيقه سيخلف آثارا عظيمة تجنيها أجيال وأجيال.

لقد كتبت من قبل أن الاستثمار البشرى هو أهم صور الاستثمار، والاستثمار فى الإنسان المصرى هو الضمانة الحقيقية لنمو المجتمع، وأتصور أن التعليم يمثل ركنا عظيما من أركان الاستثمار البشرى، وحسبنا ما ذكره الكاتب الراحل جلال عامر من أن «الزراعة تسد الجوع، والصناعة توفر الاحتياجات، لكن التعليم يزرع ويصنع وطنا».

رُب ضارة نافعة، وكما قال الاقتصادى المصرى العالمى الدكتور محمود محيى الدين فإن أزمة الوباء تمثل فرصة سانحة لتغيير مجتمعات وتحديثها، فإننى أتصور أن محنة كوفيد 19 ستُغير المجتمع المصرى، وتطوره، وتدفعه أن يعيد تخطيط أولوياته وتوجهاته، ما يعنى أنها ستمثل منحة عظيمة.

وسلامٌ على الأمة المصرية.