زوجة تطالب بالنفقة: بيصرف فلوسه على الستات

زوجة تطالب بالنفقة: بيصرف فلوسه على الستات
السبت, 25 يناير 2020 19:33
كتبت- هدى أيمن:

سعت شرقًا وغربًا فلم تجد أمامها سبيلًا آخر بعد أن تركها زوجها بلا مال ولا سند ولا نفقة تعينها على مواكبة الحياة سوى طرق باب محكمة الأسرة لعلها تنصفها، لكنها اصطدمت ببطء إجراءات التقاضي في دعوى النفقة وصعوبة الحصول على تحريات عن دخل زوجها خاصة وأنه من أصحاب الأعمال الحرة، وبات أقصى أمانيها أن يحكم لها حتى بحد الكفاية حتى تتمكن من البقاء هي وصغيريها على قيد الحياة، فاضطرت إلى الخدمة في بيوت العباد والتسول والتنقل بين المصانع كي تصرف على صغيريها لحين الفصل في قضيتها، إنها "هبة" صاحبة الثلاثين ربيعًا، والتي تعد نموذجًا بسيطًا لآلاف السيدات التي تعاني بسبب بطء إجراءات التقاضي في دعاوي النفقات.

 

جلست "هبة" على كرسي خشبي رابض بالقرب من إحدى قاعات الجلسات بمحكمة أسرة زنانيري، برفقة طفليها "محمد وريناد"، وتنتقل بعينيها البائستين بين ملامحهما وورقة بيضاء صغيرة، مدون عليها رقم دعوى نفقة صغار، فتعصف بذهنها مشاهد توسلاتها لزوجها الذي لا يعنيه في الحياة سوى اهتماماته الشخصية ونزواته والهلث وراء النساء -حسبما روت- لتبحث عن عمل تنقذ به الصغيرين من حياة التيه والتشرد، وتسد مصروفاتهما الدراسية.

 

"زوجي بتاع ستات وفلوسه رايحة عليهم".. بهذه الكلمات بدأت الزوجة الثلاثينية رواية تفاصيل حكايتها قائلة:"ظننت أنه سيريح جسدي من عناء العمل بالمحال التجارية والمصانع، ويعوضني عن سنوات الشقاء والحرمان التي عشتها بعد وفاة والدي، قبلت الزواج منه، ولم تمر سوى أشهر معدودة حتى انكشف وجهه القبيح، رجل نسوانجي أناني لا يفعل شيئًا فى الحياة سوى اهتماماته الشخصية والهلث وراء النساء، أما زوجته وأولاده فيتذيلون قائمة اهتماماته، تحملت تلك الحياة من أجل الطفلين، وحاولت أن أصلح من حاله لكن دون جدوى".

 

تعتدل السيدة الثلاثينية في جلستها وترتب ملابسها الرثة وحجابها الأبيض المطرز لتردف: "ظننت أنه سيوفر لي حياة كريمة وبيت آدمي، فماله الذي يجنيه من عمله كصاحب مصنع وفير، يا لخيبة الأمل! فلم أجد سوى بيت متهالك لا يختلف كثيرًا عن بيت أهلي الذي ظننت أنني تركته بلا عودة، ورجل يبات ليلة في شدَّ الأنفاس والتنقل بين أحضان الساقطات، تراكمت علينا الديون، وصار الجوع لا يغادر منزلنا البائس، واضطررت للخدمة فى بيوت العباد كي أسد جوع الطفلين، وصل بي الحال لجمع القمامة من الشوارع لأدفع المصروفات المدرسية للطفلين".

 

تتسارع أنفاس الزوجة الثلاثينية وهي تحكي عن تفاصيل زواجها البائس الذي دام لأكثر من 17 عامًا "وياليته اكتفى بما فعل بي، بل بات يستولى على أموالي كي ينفقها على ساقطاته ولحظات انتشائه الزائفة، وعندما كنت أعلن رفضي عن منحه ما جنيته كان ينهال على جسدي الهزيل بالضرب المبرح ويصفعني باللكمات، وفي النهاية يطردني من البيت، ورغم ذلك كنت أعود إليه صاغرة، فمن سيتحمل أعباء الطفلين، حتى ساءت حالتي النفسية، وتسلل المرض إلى جسدي، ولم أعد

أقوى على العمل حينها قرر التخلي عني وطلقني وألقاني في الشارع أنا والطفلين، وتركنا للجوع والمرض ينهش في لحمنا، وقررَّ البحث عن بديلة تنفق عليه، فأنا في نظره أصبحت امرأة بلا فائدة، بعد أن فرغت حافظة نقودي".

 

تزيح السيدة الثلاثينية زفرات الدموع بطرف أكمام ملابسها السوداء الرثة وهي تتابع حديثها: "أكثر ما آلمنى أنه تخلى عني وعن فلذات كبده بعد عشرة 17 عامًا وصبر على حاله المائل، أفلت يديه وأزاح عن عاتقه همنا بمجرد أن وجد "نومة ولقمة تانية"، أكثر من سنة تمر ولم يسأل على طفليه أو يرسل لهما مليمًا واحدًا، حاولت معه بالحسنى لكنه رفض، فأرسلت له الوسطاء لمساومته في دفع مبلغ مالي يكفيني للعيش حياة كريمة مع الطفلين لكنه ضرب بكلامهم عرض الحائط، شهور تمر وأنا والطفلين بلا مال".

 

تختتم الزوجة الثلاثينية روايتها وهي ترتكن إلى جدار متهالك يقاوم السقوط كجسدها وهيئتها: "وبعد أن اشتد عليَّ المرض وزاد الحمل عليَّ، لم أجد أمامي سبيلًا آخر سوى اللجوء إلى محكمة الأسرة، وأقمت ضده دعوى طالبت فيها بنفقة للصغرين، لا أعرف أي أب هذا الذي لا يريد أن يصرف على أطفاله، وينفق على المحامين كي يحرَّموه من بضعة جنيهات يمكن أن تبقي أطفاله على قيد الحياة، أيحارب صغيرين لا ذنب لهما، ألهذا الحد هو رجل فظ القلب، ولا أعلم لماذا يستغرق الفصل في دعاوى النفقات سنوات، وحتى إن صدر الحكم يصعب تنفيذه، ولماذا لا تقضي المحكمة بنفقة مؤقتة للسيدة، ثم تلقون عليها اللوم إذا أخطأت أو باعت نفسها في سبيل إطعام أطفالها، أين العدل يا أهل العدل؟ كل ما أتمناه أن يتم إيجاد آلية فعَّالة للتسريع بصرف النفقات، حبال المحاكم طويلة ولم يعد لي أنفاس للصبر، وها أنا أعمل في بيوت العباد رغم هلاك صحتي وأتسول من المساجد من أجل سد جوع الصغيرين".