اللواء محمد إبراهيم : مصر تتعامل بحكمة وحنكة مع كافة القضايا

اللواء محمد إبراهيم : مصر تتعامل بحكمة وحنكة مع كافة القضايا
السبت, 15 أغسطس 2020 16:10

 أكد اللواء محمد إبراهيم الدويري نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن الدولة المصرية العظيمة لم تتعود أن تنفصل عن محيطَيْها الإقليمي والدولي بحكم حضارتها وتاريخها وموقعها الاستراتيجي وعناصر القوة الشاملة التي تتمتع بها، خاصة في ضوء امتلاكها أحد أقوى جيوش العالم.

وقال إبراهيم – في مقال له نشره المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية اليوم /السبت/ - إن مصر لم تتوانَ في أن تسلك مسارًا شائكًا وناجحًا للإصلاح الاقتصادي بدأ يؤتي ثماره الإيجابية، ثم سارت في طريق تنمية شاملة غير مسبوقة سينقل مصر إلى مرحلة أفضل في كافة المجالات.
وأشار إلى أن مصر لم تكتفِ مصر بأن تمتلك فقط تلك المقومات وإنما كانت دافعًا قويًّا لها لتقوم بدورها دون أن تتخلى عن هذا الدور في أي وقت مهما كانت الصعاب والعقبات التي تواجهها على المستويين الداخلي والخارجي.

ومن المؤكد أن مصر لم تكن هي الساعية لهذا الدور، بل كان المجتمع الدولي بأطرافه المختلفة هو الحريص على تأكيد أهمية هذا الدور لقناعته بأن مصر قادرة على أن تؤدي دورًا مؤثرًا ومساعدًا في تسوية كافة القضايا التي تشارك فيها.
وتابع قائلا: "وبالقدر الذي تفاعلت فيه مصر بحكمة وإيجابية مع القضايا التي شاركت فيها، كان لزامًا عليها أن يكون دورها أكثر قوة وصلابة في المشكلات التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على أمنها القومي، خاصة أن هذه القضايا لا تزال قائمة وتُلقي بظلالها على أمن المنطقة، وأعني بذلك مشكلتي السد الإثيوبي والأزمة الليبية، حيث إن لكلٍّ منهما تداعيات ليس فقط على مصر ولكن على استقرار الشرق الأوسط بأكمله".
وقال اللواء محمد إبراهيم: "وفي هذا الشأن، يبدو من الأهمية أن نركز على الأسس التي حددتها مصر للتعامل مع هاتين القضيتين، حيث أستطيع هنا أن أحدد خمسة مبادئ مشتركة في تعامل مصر مع أهم قضيتين لا تزال تواجههما. وقد نجح الرئيس عبدالفتاح السيسي في طرح هذه المبادئ بوضوح كامل في كافة المحافل".
واستعرض إبراهيم المبادئ الخمسة التي تعاملت بها مصر مع قضيتي السد الإثيوبي والأزمة الليبية، وهي أن الحل السياسي يعد هو الحل الأمثل والرئيسي لمثل هذه المشكلات، فلا مجال للحديث عن حل عسكري كحل نهائي، وأن هناك تحديدًا واضحًا لطبيعة الخط الأحمر الذي لا يمكن لمصر أن تقبل تجاوزه، وهو في الأزمة الليبية خط سرت-الجفرة، الذي لن نسمح لأية قوة بأن تجتازه. أما في قضية السد الإثيوبي فإن مصر لن تقبل لأحد أيًّا كان بأن يقوم بتعطيشها لأننا نتعامل مع قضية حياة ووجود وبقاء.
وأشار إلى أن المبدأ الثالث يتمثل في التفاعل بإيجابية مع جهود حل هذه الأزمات، حيث طرحت مصر (إعلان القاهرة) لحل الأزمة الليبية في السادس من يونيو الماضي، وهو مبادرة ليبية-ليبية كفيلة بإنهاء الأزمة تمامًا، خاصة أنها تماشت مع كافة المبادرات والمقررات الدولية الصادرة لحل هذه الأزمة.. أما بالنسبة للسد الإثيوبي فلم تتوانَ مصر عن تقديم كافة أوجه المرونة للتوصل إلى حل عادل ومنصف لجميع الأطراف، وللأسف، لا تزال إثيوبيا تتشدد وترفض كافة الحلول المصرية والسودانية.
ولفت إلى أن المبدأ الرابع، هو فتح المجال أمام الوساطة الدولية التي يمكن أن تساعد في حل هذه الأزمات، حيث شاركت مصر بإيجابية في مؤتمر برلين الذي عقد في يناير الماضي لحل الأزمة الليبية، وشاركت أيضًا في بعض مخرجاته. كما دعت ورحبت بالمشاركة الأمريكية والدولية والإفريقية في قضية السد الإثيوبي.
أما المبدأ الخامس فهو منح الفترة الزمنية الكافية لكل الأطراف أملًا في إعطاء الفرصة للجميع، سواء للتحرك الفعال أو التأثير على الأطراف المتشددة، أو حتى أن يراجع بعض الأطراف مواقفهم التي لا تساهم إلا في تعقيد وتصعيد الموقف.
ونوه بالتحركات المصرية الفاعلة في التعامل مع أهم القضايا التي تهدد الأمن القومي المصري التي تمثل أولوية في اهتمامات القيادة السياسية، "حيث لا يمكن لأحد أن ينازعنا في أن نتعامل معها بالشكل الذي نراه مناسبًا، ولكن في إطار واضح من المبادئ التي حددناها بكل قوة وصراحة وشفافية وعلانية، ودون مواربة أو خشية من أحد، فمصر تعرف كيف ومتى تدافع عن أمنها القومي، ولا يمكن لأية قوة أن تدفعها إلى معركة ليست معركتها".
وقال نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية: "وارتباطًا بالسياق نفسه، تحركت مصر ووقعت في السادس من أغسطس الجاري اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع اليونان حتى تحقق أقصى استفادة من الثروات الطبيعية في منطقة شرق المتوسط، وذلك بعد أن وقعنا اتفاقية مماثلة مع قبرص، وهي كلها اتفاقات تتماشى مع القانون الدولي. ولا شك أن من أهم إيجابيات هذه الاتفاقية أنها تغلق المجال أمام أية أطراف تحاول أن تحصل على حقوق غير شرعية، ولا سيما في ظل الاتفاقية غير الشرعية التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019. وهنا أيضًا كان الموقف المصري قاطعًا وحاسمًا وواضحًا".
وأضاف: "كما كانت الجبهة الجنوبية أحد محاور التحرك المصري النشط خلال الفترة الأخيرة، حيث تزايد معدل التنسيق بين مصر والسودان في بعض المجالات، خاصة فيما يتعلق بقضية السد الإثيوبي. كما قام السيد رئيس المخابرات العامة بزيارة إلى جنوب السودان في الحادي عشر من أغسطس الحالي، حيث التقى بالرئيس سيلفا كير، وسلمه رسالة من الرئيس السيسي، كما عقد اجتماعات مهمة مع نائبه رياك مشار، ثم مع قادة وأعضاء الجبهة الثورية السودانية؛ للوقوف على الترتيبات النهائية للعملية السلمية بين الفصائل المسلحة ودولة السودان الشقيق. كما افتتح رئيس المخابرات مع وزيرة الصحة المصرية المركز الطبي المصري الجديد في جوبا من أجل تقديم الخدمات الطبية لشعب جنوب السودان الشقيق".
وأكد أن مصر لم تكتفِ بالاهتمام بقضايا أمنها القومي، لكن تظل مصر بحضارتها وقيمها تحمل الهم العربي، حيث سارعت إلى دعم لبنان الشقيق في محنته التي تعرض لها بعد حادث مرفأ بيروت الذي وقع مؤخرًا.

وكانت تعليمات الرئيس السيسي منذ اللحظة الأول تتمثل في فتح جسر جوي بين القاهرة وبيروت لتقديم كل ما يمكن تقديمه من مساعدات يحتاجها الشعب اللبناني في أزمته الحالية. وتم إيفاد وزير الخارجية سامح شكري، في مهمة عاجلة يوم الحادي عشر من أغسطس، حيث اجتمع مع القيادات اللبنانية لتأكيد وقوف مصر بجانب لبنان، ودعم كل الجهود الحثيثة من أجل استقرار ووحدة لبنان بعيدًا عن أية تجاذبات إقليمية.
وأشار إلى أنه في الوقت نفسه، كان الدور المصري مهمًّا وحاضرًا في الأزمات الحالية في كل من سوريا واليمن والعراق وأمن البحر الأحمر، ومواصلة التنسيق مع تجمع دول الساحل والصحراء، فضلًا عن تقديم الدعم المصري الكامل للأمن القومي الخليجي، وكذا التوحد مع دول الخليج العربي في مواجهة الإرهاب والدول الداعمة له، ورفض أية محاولات لزعزعة استقرار هذه المنطقة الحيوية. ومن الملاحظ أن التطور الكبير في علاقات مصر مع كل من السعودية والإمارات كان أحد أهم العوامل لدعم أطر التفاهم والتنسيق

المصري-الخليجي بصفة عامة.
وتابع إبراهيم قائلا: "وفي خضمّ كافة هذه التحديات كان الدور المصري في القضية الفلسطينية –ولا يزال- دورًا مميزًا، حيث تؤكد القيادة السياسية المصرية في كافة المحافل أن هذه القضية تمثل القضية العربية المركزية، وأنه لا استقرار في المنطقة دون أن يتم حلها طبقًا لمقررات الشرعية الدولية، وحصول الفلسطينيين على حقهم في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مع التأكيد على أن الحل لا بد أن يتم من خلال المفاوضات".
وشدد على أن مصر أكدت معارضتها ورفضها التام لكافة الإجراءات أحادية الجانب التي تتخذها إسرائيل في القدس والضفة الغربية، بما في ذلك محاولتها ضم منطقة غور الأردن. وقد أوفد الرئيس السيسي وزيرَ الخارجية سامح شكري في زيارة إلى رام الله يوم 22 يوليو عقب زيارة للأردن لتأكيد وقوف مصر بقوة مع القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس "أبو مازن" ومع الشعب الفلسطيني. ومن المؤكد أن مصر بما تملكه من علاقات متميزة مع جميع الأطراف لن تألو جهدًا في التحرك من أجل استئناف جهود المصالحة الفلسطينية، كما لا تمانع في التحرك لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني استنادًا إلى مرجعيات مقبولة تُحقق في النهاية طموحات الشعب الفلسطيني.
وتابع قائلا: "وعلى المستوى الدولي، لا شك أن مصر تشهد فترة غير مسبوقة في إطار تعدد علاقاتها المميزة مع كافة القوى الدولية، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو الهند أو فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية والآسيوية وبالطبع الإفريقية، وهي كلها علاقات تحقق المصالح المشتركة لمصر مع هذه الدول، بالإضافة إلى الدور المصري الفاعل مع المنظمات والمؤسسات الدولية.
واختتم اللواء محمد إبراهيم مقاله بالتأكيد على أن هناك العديد من الملفات المهمة التي تتعامل معها مصر بجدية مطلقة وحسابات دقيقة ورؤية موضوعية، ليس فقط فيما يتعلق بأمنها القومي المباشر، ولكن أيضًا ما يرتبط بعلاقاتها الإقليمية والدولية ككل.. متابعا: "وهنا نستطيع أن نحدد أهم الملفات المفتوحة التي تسعى فيها مصر إلى استخدام كافة الأساليب المتاحة من أجل الوصول إلى أقصى قدر من النجاح فيها وتحقيق أهدافها. وفي رأيي أنها ملفات شديدة الأهمية، وستظل مفتوحة لفترة قادمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ومن الضروري أن نتعامل معها في إطار مبدأ رئيسي وهو تحقيق المصالح المصرية".
واستعرض اللواء محمد إبراهيم أهم الملفات الأساسية على المستوى الداخلي، وهي: ملف التنمية الشاملة بكافة جوانبه، واستكمال النجاحات التي تحققت في مجال المشروعات القومية، وملف محاربة الإرهاب من أجل القضاء على ما تبقى من فلول هاربة تتمركز في منطقة شمال سيناء، وملف استكمال الاستحقاقات التشريعية بعد انتهاء انتخابات مجلس الشيوخ والاستعداد لانتخابات الغرفة الثانية (مجلس النواب) حتى تكون لدينا مؤسسات قادرة بالفعل على مساعدة القيادة السياسية في جهودها الرائعة للنهوض بالبلاد.
أما على المستوى الخارجي، فهناك ستة ملفات أساسية، هي:ملف الأزمة الليبية وترقب ما يمكن أن تحمله المرحلة القادمة من نجاح لجهود وقف إطلاق النار وبدء العملية السياسية وتفعيل إعلان القاهرة، حتى يمكن تحجيم الأوضاع المتوترة ومنع اتجاهها لتصعيد غير مرغوب أو محسوب، وملف السد الإثيوبي الذي لا تزال مصر في إطاره متمسكة بالحل السياسي العادل والمنصف الذي يحقق مصالح كل من إثيوبيا والسودان ومصر. وفي النهاية، لن تقبل مصر التوقيع على أي اتفاق لا يحقق مصالحها.
وتابع مستعرضا أبرز الملفات الخارجية، بالإشارة إلى ملف القضية الفلسطينية، وكيف يمكن أن تكون الفترة القادمة بداية لحل عادل يمنح الفلسطينيين كافة حقوقهم المشروعة في إطار حل الدولتين، أي دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في سلام واستقرار، وملف العمل العربي، وكيف يمكن إعادة اللحمة العربية والحفاظ على الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، حيث إن استمرار الموقف العربي الراهن وتفاقم الصراعات والأزمات المتصاعدة دون وجود أفق لحلها، لن يخدم سوى القوى الأخرى التي لديها مشروعات توسعية وأحلام استعمارية بدأت في تنفيذها على أرض الواقع، وللأسف على الأراضي العربية.
وأوضح أن الملف الخامس هو ملف منطقة شرق المتوسط، وكيف يمكن أن تحافظ مصر على مصالحها عقب توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان، والتصدي لمحاولات تركيا تصعيد الموقف في هذه المنطقة، أما السادس فهو ملف العلاقات مع الولايات المتحدة في ضوء اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية. وفي تقديري، سواء استمر دونالد ترامب في الحكم أو نجح "بايدن" فمن المؤكد أن العلاقات المصرية الأمريكية هي علاقات استراتيجية يحرص الطرفان -أيًّا كانت طبيعة الحكم- على الحفاظ عليها، بل ودعمها وتطويرها.