فى دراسة للفقيه الدكتور محمد خفاجي عن بحيرة مريوط : النظرة إلى البيئة ليست ترفًا وإنما ضرورة حياة

فى دراسة للفقيه الدكتور محمد خفاجي عن بحيرة مريوط :  النظرة إلى البيئة ليست ترفًا وإنما ضرورة حياة
الثلاثاء, 15 يناير 2019 20:21

فى أول أبحاثه عن عام 2019 أعد الفقيه المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة، دراسة فى حماية البحيرات بعنوان: «التعدى على بحيرة مريوط أو تلويثها أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها، جريمة لا تسقط بالتقادم بقوة الدستور، وكلمات الرئيس عن عودة البحيرة أكبر مصالحة فى تاريخ مصر مع البيئة. دراسة تحليلية فى ضوء الحق فى البيئة والحفاظ على الثروة السمكية وصحة الإنسان». نشره على الصفحة الرئيسية لموقع نادى قضاة مجلس الدولة، جاءت الدراسة عقب زيارة السيد الرئيس لمدينة الإسكندرية لافتتاح عدد من المشروعات بمشروع «بشاير الخير 2» بغيط العنب. يواصل فيه الفقيه الكبير القاء الضوء على عدة حلول عملية حول اشكاليات قانونية واجتماعية لبحيرة مريوط.

ونعرض فيما يلى للجزء الثانى من تلك الدراسة الهامة فى العناصر التالية:

أولاً: البحيرات ثروة قومية مملوكة للدولة ملكية عامة، ولا يجوز تملكها بالتقادم مهما طال الزمان:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن المشرع الدستورى حرص فى المادة (45) من الدستور على التزام الدولة بحماية بحيراتها كما هو الشأن فى حماية بحارها وشواطئها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية، بل إن المشرع الدستورى وضع اللاءات الثلاث لحماية البحيرة بقوة الدستور ذاته، فحظر التعدى عليها أو تلويثها أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها، ولم يقف أمر المشرع الدستورى على الدولة بل خطاب كل مواطن وجعل حقه فى التمتع بها مكفولا شريطة حمايتها من الخطر والحفاظ على الثروة السمكية مثلها فى ذلك مثل الثروة الحيوانية والنباتية.

ويضيف الدكتور محمد خفاجى أن البحيرات قد أخضعت لإشراف الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية وخضعت لتحقيق المنفعة العامة التى تضطلع بها الهيئة المذكورة، وذلك لتنمية الاقتصاد القومى فى مجال الثروة السمكية، وأن هذه البحيرات، ثروة قومية مملوكة للدولة ملكية عامة، مما لا يجوز معه لأى جهة أيا كانت إجراء أية تصرفات تخرجها عن الغرض المخصصة له بحكم الطبيعة، وتسرى عليها كافة أوجه الحماية القانونية المقررة للمال المملوك للدولة ملكية عامة من حيث عدم جواز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم وإزالة ما يقع عليها من تعديات بكافة الطرق.

ثانيا: نص آمر بحظر تجفيف أى مساحة من البحيرات:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن المشرع تقديراً منه لأهمية البحيرات، بحسبانها أحد المعالم الطبيعية وجزءًا ركيزاً من النظام البيئى وأساسا للتنوع الحيوى الاقتصادى والاجتماعى والسياحى والترفيهى ومصدرا للثروة السمكية والدخل القومى للبلاد، قد حظر حظرا مطلقا على أية جهة حكومية أو هيئة أو شركة أو وحدة محلية أو جمعية تعاونية أو للأفراد، تجفيف أى مساحة من البحيرات، وهو نص أمر ينبغى احترامه من الجميع، بما فيها الدولة المختلفة تحقيقا لسيادة القانون وإعمالا للمشروعية.

ويضيف الدكتور محمد خفاجى، لم يُجز المشرع تجفيف أى مساحة من البحيرات إلا فى حالة استثنائية وحيدة، والاستثناء لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه تتمثل فى تقرير عدم صلاحية المساحة المجففة من البحيرة للاستغلال السمكى اقتصاديا، وهو أمر موكول للجنة التى خصها المشرع بذلك والتى تضم مندوبين من وزارات الزراعة واستصلاح الأراضى والرى والتخطيط والإدارة المحلية ومعهد علوم البحار والمصايد والهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، ومن ثم لا يجوز لأى جهة أخرى – غير تلك التى حددها المشرع حصرا – أن تقرر عدم صلاحية أى مساحة من البحيرات للاستغلال السمكى اقتصاديا، وإلا عد ذلك تعديا على اختصاصات تلك اللجنة المقررة قانونا لها وحدها دون غيرها.

ويشير الدكتور خفاجى إلى  أن الجهة الإدارية بذاتها حرمت على نفسها تجفيف أى مساحة من البحيرات بحسبانها ثروة قومية إلا بعد اتباع إجراءات معينة وبتقرير من اللجنة المشكلة من مندوبين لعدة وزارات وهيئات مختلفة حصرها المشرع فى ست جهات هى وزارات الزراعة واستصلاح الأراضى والرى والتخطيط والإدارة المحلية ومعهد علوم البحار والمصايد والهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، ولكل منهم شأن يغنيه برؤيته الخاصة للحفاظ على البحيرات، وتقرير أى جزء يكون غير صالح للاستغلال السمكى اقتصاديا، مما يمثل عملا ضروريا قاهرا لتجفيف أى مساحة من البحيرات واعتبارها أرضا مواتا للأحياء من الكائنات، بعد أن نعمت بالحياة فى مياهها الخيرات، وبما لا يعود بأى أذى أو ضرر على البحيرات، وينبنى على  ذلك أن أى تعد على البحيرة سواء اتخذ شكل تجفيف أى مساحة منها  على غير هدى من الأحكام والقواعد المقررة سالفة البيان، يصبح معدوما لا قيمة له.

ويوضح الدكتور «خفاجى» إمعانا من جانب المشرع، للحفاظ على البحيرات وهى من المكونات البيئية، جعل تجفيف أو ردم أى مساحة من البحيرات دون اتباع الإجراءات المقررة سلفا حراماً، ورفعه إلى مصاف الجرائم الجنائية، ورصد لفاعله عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألف جنيه، وتضاعف العقوبة فى حالة العود، على أن تزال المخالفة إدارياً على نفقة المخالف، وهى عقوبة ضئيلة للغاية لا تحقق الهدف من تقريرها.

ثالثا: السلطات الإدارية  ملزمة بجهود العلماء فى البحوث المائية لتلافى خطورة الاحتباس الحرارى بالبحيرة:

يقول الدكتور محمد خفاجى من المتعارف عليه أن الدراسات والأبحاث العلمية وما تتوصل إليه من نتائج بحسبانها ثمرة من ثمار قرائح الذهن، تظل خاضعة فى تطبيقها لتقدير السلطات الإدارية طواعية واختيارا، فليس لها من ثمة إلزام قانونى على جهات الإدارة التى إن شاءت طبقتها وإن رغبت منعتها، وهى بذلك لا تتمتع إلا بإلزام أدبى بيد أن المشرع أفرد نظاما خاصا للجهات العلمية والفنية والجهات المعنية بالبحوث المائية فيما تجريه من تجارب، وما تتوصل إليه من بحوثها من نتائج، وما تنتهى إليه من توصيات علمية تتعلق بالحفاظ على البحيرات، التى من المكونات الطبيعية للبيئة وما تضعه من الحلول العلمية المدروسة لما يعترضها من مشكلات تهدد بيئتها الطبيعية.

 ويضيف الدكتور «خفاجى» أن المشرع أوجب على الجمعيات التعاونية للثروة المائية والصيادين ورؤساء مراكب الصيد وتجار الأسماك تقديم جميع البيانات الإحصائية المتعلقة بعمليات الصيد والإنتاج السمكى لغرض البحوث أو التربية أو تغذية المزارع السمكية أو تعمير مناطق أخرى من مناطق الصيد، بالتنسيق مع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، ومن ثم فلم يترك المشرع أمر جهود على العلماء فى أبحاثهم العلمية ودراستهم الأكاديمية المتعلقة بالبحيرات سدى، ولم يذر ما ينطبق به من العلماء من نتائج بحثية وتوصيات علمية هباء، وإنما أسبغ على تلك الأبحاث والدراسات قيمة ينبغى أن تكون لها اعتبار لدى السلطات الإدارية التنفيذية، بحيث غدا للمتخصصين من العلماء دور فاعل بقصد خدمة البحيرات والمحافظة عليها وعلى الثروة السمكية، بما يقتضيه ذلك من تطبيق لما توصلت إليه تلك الدراسات والأبحاث من نتائج وتوصيات والتى لا تنفك عن الحفاظ على النظام البيئى بحال، للحيلولة دون تدهور البيئة نتيجة تدخل السلطات الإدارية الزائد عن الحد بما يفسد على البيئة نظامها الطبيعى المحكم الدقيق. وهذه الابحاث العلمية ملزمة لتلافى خطورة الاحتباس الحرارى.

رابعاً: حول أحواض الأنهار والبحيرات قامت الحضارات، وبُنيت المدن وعرف الإنسان معنى الاستقرار:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن مشرعى دول العالم المتقدم قد عملوا على الحفاظ على المكونات البيئية خاصة الأنهار والبحيرات، ولا مبالغة فى أن حقوق الناس فى بقاء مياه الأنهار والبحيرات نقية من غير سوء شغلت بال الدول منذ فجر التاريخ، بل إن الدول وتنظيماتها قامت خلال حقب تاريخية مضت، استنادا إلى تقرير الحقوق المائية، فحول أحواض الأنهار والبحيرات قامت الحضارات، وبُنيت المدن وعرف الإنسان معنى الاستقرار والاستمتاع بالطبيعة.

ويضيف الدكتور «خفاجى» بات المقياس الحقيقى للتقدم لا يتمثل فى وفرة الموارد المتاحة بقدر ما يتمثل فى تحقيق أفضل استخدام لها بما يخدم الأهداف القومية، ولا ريب أن البحيرات هى أغلى هذه الموارد جميعا، وأعلاها قيمة، ولذا أضحى الحفاظ على البحيرات نظيفة نقية صالحة للاستخدام واجبا قوميا، وهو ما يدعو إلى تعميق الإحساس لدى الجميع بأهميتها وضرورتها فى التوازن البيئى والتنبيه بالخطر فى حالة التهاون والتقصير فى رعايتها والحفاظ عليها.

خامساً: النظرة إلى البيئة ليست ترفاً وإنما ضرورة حياة، والبحيرة بين الإنماء أو الاسترخاء، وأى تساهل أو تراخٍ محفوف بالمخاطر ويهدد الأجيال القادمة:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن حدوث أى تساهل أو تراخ أو تجاوز أو تهاون فى الالتزام بالمحافظة على البحيرات نظيفة دون تلوث يكون محفوفا بالمخاطر، لأنه يمس مصدرا من مصادر البيئة، ويهدد الجيل الحاضر والأجيال القادمة، وقد أوضحت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 48 لسنة 1982 فى شأن حماية نهر النيل والمجارى المائية مدى القصور فى التشريعات السابقة التى كان معمولا بها فى تلك المجالات، حيث كانت توزع الاختصاصات والمسئوليات بين يدى أجهزة كثيرة مما ساعد على ضياع الالتزام والمسئولية وتهوين العقوبات، فلا تصبح رادعا قويا للمخالفين والمعتدين، ولذا أصدرت الدولة العديد من التشريعات لإعادة الانضباط فى التعامل مع البحيرات، بحسبانها من مكونات البيئة، مما يتعين معه على الأجهزة الإدارية العليا أن تتدارك التيار الجارف للتلوث، وتصد أسبابه، وتردع مرتكبيه، وتعيد للبحيرات نظافتها نقية مأمونة الاستخدام.

ويضيف الدكتور «خفاجى» والرأى عندى، أن النظرة إلى البيئة ليست ترفاً، وإنما هى ضرورة حياة، لذا فإن حدوث أى تساهل أو تراخ أو تجاوز أو تهاون فى الالتزام بالمحافظة على البحيرات نظيفة دون تلوث أو تعدٍ، له مردود دولى خطير، لأن الإخلال بها هو اخلال بالمواثيق الدولية نحو السعى إلى بناء نظام بيئى سليم، خاصة أن الالتزام الدستورى المصرى كان صريحا بحماية البحيرات وحظر التعدى عليها أو تلويثها أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها.

سادساً: تقييم التأثير البيئى للمنشآت المقامة على شواطئ البحيرات أمر لازم  لجهاز شئون البيئة:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن المشرع قد استحدث حكماً فى القانون رقم 4 لسنة 1994 فى شأن البيئة بمقتضاه ألزم الجهة الإدارية المختصة أو الجهة المانحة للترخيص بتقييم التأثير البيئى للمنشاة المطلوب الترخيص لها، وفقاً للعناصر والتصميمات والمواصفات والأسس التى يصدرها جهاز شئون البيئة بالاتفاق مع الجهات الإدارية المختصة، ويكون لجهاز شئون البيئة مراجعة ذلك كلما لزم الأمر، وقد أورد المشرع تحديدا للمنشآت الخاضعة لأحكام التأثير البيئى وفق ضوابط أساسية سردها تفصيلا، من بينها المنشآت الصناعية، وأية منشأة أخرى أو نشاط أو مشروع يحتمل أن يكون له تأثير ملحوظ على البيئة.

ويضيف الدكتور «خفاجى» كذلك تلك المنشآت الخاضعة لتقييم التأثير البيئى وفقا لموقعها، ومنها تلك التى تقام على شواطئ النيل وفرعيه والرياحات وعند شواطئ البحار والبحيرات، وكذلك تخضع لتقييم التأثير البيئى تلك المنشآت التى تستنزف الموارد الطبيعية، ومنها تلك التى تسبب تجريف الأرض الزراعية أو التصحر أو إزالة تجمعات الأشجار والنخيل أو تلوث موارد المياه وخاصة نهر النيل وفرعيه والبحيرات أو المياه الجوفية.

سابعاً: تجفيف أى مساحة من البحيرات يلزم له إجراءات من ست وزارات:

يقول الدكتور محمد خفاجى إن المادة (20) من القانون رقم 124 لسنة 1983 فى شأن صيد الأسماك والأحياء المائية وتنظيم المزارع السمكية لم تجز لأية جهة حكومية أو هيئة أو شركة أو وحدة محلية أو جمعية تعاونية أو للأفراد تجفيف أى مساحة من البحيرات، وألزمت للقيام بتجفيف أى مساحة من البحيرات اتباع إجراءات معينة عن طريق لجنة تضم مندوبين من وزارات الزراعة واستصلاح الأراضى والرى والتخطيط والإدارة المحلية ومعهد علوم البحار والمصايد والهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، وذلك بتقرير تلك اللجنة عدم صلاحية المساحة المراد تجفيفها للاستغلال السمكى اقتصاديا، كما حظرت المادة (14) من القانون المشار إليه تجفيف أية مساحة مائية من البحيرات إلا بترخيص من الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية.

ويضيف دكتور «خفاجى» أن الجهة المنوط بها قانونا فى مصر ولجميع البحيرات تقرير عدم صلاحية المساحة المراد تجفيفها للاستغلال السمكى اقتصاديا هى الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية واللجنة المشكلة طبقاً للمادة (20) المذكورة، وفقا للحكمة التى تغياها المشرع من القرار الجمهورى رقم 190 لسنة 1983 بإنشاء الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، والقانون رقم 124 لسنة 1983 فى شأن صيد الأسماك والأحياء المائية وتنظيم المزارع السمكية.

وغدا نعرض للجزء الثالث من هذا البحث المتفرد للحفاظ على بحيرة مريوط.