حنان أبوالضياء تكتب: «الاختيار» نشّط «الذاكرة الوطنية».. وإعادة مكانة «الجندية المصرية»

حنان أبوالضياء تكتب: «الاختيار» نشّط «الذاكرة الوطنية».. وإعادة مكانة «الجندية المصرية»
الأحد, 24 مايو 2020 15:01

«الاختيار» قد يراه البعض حكاية شهيد، او شهادة تقدير لكل مقاتل عنيد ذى عزم وبأس شديد، ولكن الواقع يؤكد أنه خطوة فى طريق الالف ميل الذى يجب أن نبدأ فى السير فيه، فى اتجاه ليس فقط تأصيل بطولتنا وتسجيلها، ولكن استخدام قوتنا الناعمة فى بناء شخصية الاجيال الجديدة التى تركت لسنوات عدة أرضا خصبة للسيطرة عليها ونزع بذور الولاء والوطنية للوطن..وفى الحقيقة أن التعامل مع هذا العمل يخرج حاليا من إطار الرؤى النقدية ويتجاوزه، فما فعله من إعادة الوعى للكثيرين، وبذلك يغفر له عدة هفوات درامية، وخطوط إبداعية فرطت من يدى مبدعيه، فأخيرا عرف الناس ما يفعله الجيش المصرى فى سيناء وتعايش مع بطولات اولاده، وأصبح كل واحد فينا فى عنقه ثأر ممن غدروا بأبنائه.

و«الاختيار» يعد نقطة بداية للهيمنة المصرية والسيطرة على الصراع القائم فى دنيا أعلام الجيل الرابع من الحروب، واخيرا اصبح الفن جنديا مجندا فى وسائط الاعلام والاتصال الجماهيرية، ووسيلة قوية لفرض الأيديولوجيا المصرية الوطنية، فلم يعد ممكنا أن نبقى غير مبالين بالرهانات الأيديولوجية الكبرى أمامنا. إننا أمام عمل من المستحيل أن تبدو تجاهه حيادية، بل يجعلك أداة قوية للدعاية لجيشك ووطنك. وبذلك أصبح مسلسل «الاختيار» وأبطاله بمثابة سفراء يتجاوزون حدود العمل الدرامى ليصبحوا جزءا من واقعنا اليومى، والرائع حقا أن القائمين عليه وظفوه وسخروه بكل هدوء وبعقلانية لخدمة حقيقة الجندية المصرية بكل عظمتها وقوتها وأخلاقها وهذا أمر ثابت، حيث قدم بلغة يمكن فهمها من جميع طوائف الشعب، وبعده لا يمكن تشتيت انتباه الجمهور عن حقيقة ما يحدث فى سيناء كما كان يحدث من قبل.

إنك فى هذا العمل تجيب على العديد من الأسئلة التى تدور فى مخيلة المواطن العادى حول مكافحة الارهاب باختياراته الصعبة والمتشابكة من حماية المدنيين وسلامة القوات المشتركة فى العمليات، إلى جانب الهدف الأكبر بتصفية العناصر الارهابية والقضاء عليها، وتكمن الازمة دوما أن الارهابيين مندسون وسط الابرياء من اهالى سيناء، ولكنك دوما تستخدم عقيدة القوات المسلحة من حماية المدنيين وتصفية الارهابيين، فتكون النتيجة الحتمية سقوط شهداء وطول المدة الزمنية لتطهير سيناء من الارهاب، لذلك كان هاما عرض أفكار الارهابيين فى الاختلاط بالمدنيين، وجرهم للقتال المباشر، حتى يسقط الكثير من الأبرياء.

 والرائع ان طرح مسلسل «الاختيار» لا يجيء تحت ستار سياسى أو أيديولوجى فى أسلوب السرد، ولكنه بمثابة طرح لمصنع البطولة المصرية، ووظيفته الأساسية جعل المواطن العادى يتعايش مع أبطاله الذى ضحوا بأنفسهم، كأنه نوع من التأمل سيكون له تأثير خاص، أكثر من كونه إشارة لعرض قوة الجيش المصرى، أو التاريخ الوطنى له. وعلى هذا النحو يغدو المسلسل مثيرا للاهتمام لكونه كرس لفهم طبيعة الحرب التى تجرى فى سيناء. إنه عمل أيضا يتناول التفكير فى الإنسان وحالته إلى جانب التركيز على الحرب فى الواجهة الأمامية له، لنسلك نفس الممر والطريق لإعادة تنشيط الذاكرة الوطنية وإعادة الاعتبار لشخصية الجندى المصرى، وإظهار البلد كقوة منتصرة وعادلة.

ويبدو هذا جليا وواضحا فى مكالمة بين سالم ومسعد الذى يهدد سالم، والكثيرون كانوا لا يعلمون شيئا عن مسعد أبو فجر، الداعى إسرائيل إلى التدخل فى سيناء، وفصل سيناء عن الدولة المصرية، وضمها لدولة إسرائيل الكبرى.

ومعه عشنا من جديد تفاصيل الحادث الارهابى الواقع فى نوفمبر 2018 المستهدف حافلة تُقل أقباطًا من محافظة سوهاج على طريق دير الأنبا صموئيل فى المنيا، وفتحوا عليهم النيران، ليؤكد أن الحرب ممتدة ولم تنتهِ، بينما تخوض مصر معركتها بكل شرف ونضال حقيقى ضد صناع الموت ومن يمولون الإرهاب، ويوفرون لعناصره الدعم والتمويل والمأوى، ليعلم الجميع تورط الجماعات الإرهابية، وخاصة خلايا «داعش»، وبالأخص خلية ما يعرف بـ«خلية تفجير الكنائس»، وخلايا جماعة المرابطين التابعة لتنظيم «القاعدة»، الخاصة بالإرهابى هشام عشماوى.

وكان رائعا من الاختيار عرض احداث ابريل ٢٠١٧م عندما أصبح التكفيريون بين كماشة الجيش وقبائل سيناء، التى واجهت التكفيريين وخوض المعركة ضد التكفيريين، ومنع تسلل العناصر التكفيرية لأراضيها الكائنة برفح والشيخ زويد والحسنة ونخل، فتعرضوا لجرائم بشعة فى أبنائها بتهمة تعاونهم مع قوات الجيش والشرطة، وهذا الحراك يصب فى مصلحة حفظ الأمن فى سيناء ومطاردة عناصر محلية وأخرى وافدة من محافظات اخرى وعناصر أجنبية تتخذ من مناطق فى جنوب رفح والشيخ زويد ومحيط مدينة العريش أماكن اختباء لها وتقوم بتنفيذ أعمال إرهابية ضد المنشآت الأمنية والقوات أثناء تحركاتها واستهداف المدنيين.

 وكان جميلا مشهد الشيخ حسان فى مسلسل الاختيار عندما ردد: أشهد الله إنى عشت على دين الله وأموت على دينه أموت على يد فئة ضالة، بعد ما عشت عمرى كله ما ركعت إلا لله بدك تخلينى أركع!.. ومن المعروف أنه هو الشيخ سليمان ابو حراز الزاهد العابد، الذى تجاوز عمره المائة عام، والذى أعلن تنظيم «الرايات السوداء» داعش، ذبحه، وكان اللقاء الأول الذى جمع شيخ الزاهدين بالشهيد «منسى كما كان مسماه بين التكفيريين»، على أرض سيناء حينما اقترب عجوز «عرباوى» تخطى التسعين عامًا محنى الظهر بملامح سيناوية وخطوات بطيئة، من كتيبة 113، ليطلب مقابلة قائد الكتيبة، ويتقابل مع المنسى ويتبادلان أطراف الحديث عن حبهما لأرض سيناء، مبلغا عن ابن أخيه الذى أغواه الشيطان وكان اختياره خاطئا فاتبع هواه ليلتحق بالتكفيريين، فى مشهد من أجمل مشاهد مسلسل «الاختيار» الذى يوثق بطولة من بطولات شيخ الزاهدين الذى قتل غدرًا.

والمسلسل تناول بطولات عدة وعلى رأسها حكاية الشهيد العقيد «رامى حسنين» الذى قام بدوره احمد صلاح حسنى، فى مشهد من مسلسل «الاختيار»، كان الشهيد العقيد أحمد منسى، يتحدث مع المجموعة قبل ذهابه لتنفيذ المهمة، وهو يتقدمهم، وهو تقريبا ما حدث مع الشهيد رامى حسنين، حيث كان فى مهمة خطيرة للغاية، فقال لأحد ضباطه، «سأكون أنا فى المقدمة وكل الرجالة ورايا، علشان تاخذ قوتها منى»، ليستشهد يومها ضاربا المثل فى التضحية بالنفس فى سبيل الوطن. كان العقيد الشهيد رامى حسنين، أحد الأسماء المعروفة بشمال سيناء، فكان قادرا على حفر اسمه من ذهب، جعلته قائدا مميزا بشكل كبير فى العمليات ضد العناصر الإرهابية بشمال سيناء، حتى إنه كان متفوقا فى الرماية، فكانت العبوة الناسفة يتم تفجيرها بطلقة واحدة منه، وطوال عام قضاه فى محاربة العناصر الإرهابية قبل استشهاده كان بطلا مصريا ممثلا للعسكرية المصرية فى أكمل صورها، ليخلفه فى قيادة

الكتيبة بعد استشهاده الشهيد أحمد منسى.

ومن الذكاء أن يسبق حادث الفرافرة محاولة سعد إرضاء أخيه قبل للرجوع لوحدته فباع ارضه وارض ابيه من اجل فرح أخيه الصغير، ليجيء استقبال سعد للاتصال الذى عرف فيه استشهاد أخيه مليئا بشجن وكأنه يعبر عن تلك اللحظة التى عاشها كل بيت بعد حادث الفرافرة وقيام الإرهابى هشام العشماوى، بالرصد والاستطلاع ووضع مخطط استهداف وتنفيذ الهجوم الإرهابى على نقطة حرس حدود «الفرافرة» وقتل جميع ضباطها وأفرادها وتفجير مخرن الأسلحة والذخيرة.

يتناول المسلسل حياة أحمد صابر المنسى قائد الكتيبة 103 صاعقة، الذى استشهد فى كمين مربع البرث بمدينة رفح المصرية عام 2017 أثناء التصدى لهجوم إرهابى فى سيناء، وقصة خيانة الإرهابى ‏هشام العشماوى الذى انضم لتنظيم داعش. ‏وإذا كان المسلسل يقدم الجوانب الاجتماعية والإنسانية فى حياة البطل الراحل أحمد المنسى بجانب بطولاته فى القوات المسلحة المصرية، ويقوم ببطولته أمير كرارة وأحمد العوضى أحمد فؤاد سليم، ودينا فؤاد وسارة عادل وضياء عبدالخالق ومن تأليف باهر دويدار وإخراج بيتر ميمى، فهناك عدد كبير من نجوم الشرف وهم آسر ياسين، محمد إمام، كريم محمود عبدالعزيز، ماجد المصرى، محمد رجب، صلاح عبدالله، إياد نصار، أحمد وفيق، كريم عبدالخالق، عمرو سعد ونجوم آخرون.

والاحداث الدرامية فى البداية تقدم خطين متوازيين للوطنية والارهاب من خلال شخصية أمير كرارة فى المسلسل بدور الشهيد أحمد المنسى، بينما يجسد أحمد العوضى دور الإرهابى هشام عشماوى. إلى جانب شخصية الملازم أول محمد طلعت السباعى، والذى كان أحد المقاتلين فى معركة البرث عام 2017، وأحد أبطال كتيبة رقم 103 صاعقة، والذين نجوا من ذلك الهجوم الإرهابى.

وشخصية «الهرم» أحد أقرب العساكر إلى قلب الشهيد أحمد المنسى، والذى كان يعتبره بمثابة والده ويستشيره فى كل الأمور الخاصة، كما أنه هو الذى سلّم وصية الراحل إلى زوجته فى القاهرة قبل الاستشهاد بيومين فقط، كما أنه ضحى بنفسه ووقف صامدًا فى وجه الإرهاب، حتى لا يحصلوا على جثة المنسى، كما أن ذخيرته انتهت، فبدأ بإلقاء الحجارة عليهم وبعدها استشهد. وحكاية مجند فى الصاعقة يُدعى تايسون، ويؤدى خدمته العسكرية، ومن الأبطال الذين نجوا من الهجوم، وكان معروفًا بالمداهمات وأنه لا يخشى اقتحام العدو، وتربطه علاقة قوية بالشهيد المنسى. ونرى شخصية «ماسا»، وهو كان صف ضابط فى الكتيبة 103، والتى كان يقودها المنسى، ويعد وصلة التواصل بين الضباط والعساكر، كما عُرف بأنه بطل فى المعارك والمداهمات، واستشهد مع المنسى فى الكمين. والملازم أول عبدالرازق وهو أحد الضباط المقربين من الشهيد البطل أحمد المنسى فى سلاح الصاعقة. والشهيد البطل الملازم أحمد محمد حسنين، والذى كان يُعرف داخل الكتيبة 103 صاعق بـحسنين، والتى كان يقودها الشهيد المنسى، واستشهد ضمن شهداء معركة البرث، وكان من المقرر أن يحتفل بخطبته قبل استشهاده بأربعة أيام.

أما أكثر جدل أثير حول المسلسل وأعتقد أنه يحتاج إلى إعادة الحساب عند عرض المسلسل ثانية فهو ما أثير حول ابن تيمية طارحا فكرة أن الكفر يحمل شرطين، أولهما الكفر بالقول والعمل، مثل تمزيق المصحف، هذا عمل كفر، ولكن لا يمكن أن أصف صاحبه بأنه كافر، والشرط الثانى هو الشرط الجنائى، مثل قتل أصحاب الديانات الأخرى. واسترشد بسور الأنبياء والقصص والكافرون فى القرآن الكريم، وأنها تحمل وصايا من الله عز وجل لاحترام أهل الكتاب والمذاهب الأخرى، أما عن الجماعات التكفيرية «فهم يأخذون من الدين ما يخدم هواهم ومعتقداتهم فقط، وهذا أخطر من الكفر، لأنهم يلعبون بكلام الله». وقال الشيخ الأزهري: «ابن تيمية بريء منهم، وفتاواه صدرت فى وقت كان الهجوم فيه عنيفا على الإسلام، فكان يجب الدفاع عنه، ولكن عندما ذهب ابن تيمية إلى التتار لرد الأسرى، قال له زعيمهم ستأخذ الأسرى المسلمين، فقال له سآخذ الأسرى المسيحيين واليهود قبل المسلمين».

 وللأسف أن الطرح لم يكن فى مكانه وقد قامت بعض العناصر باستغلاله، وأعتقد أنه حان الوقت ليكون هناك طرح لقضية ابن تيمية من خلال عمل درامى محكم يظهر أفكاره وتاريخه وسر أن كل التكفيريين يتخذون منه إماما.

وأخيرا أعتقد أن نجاح الاختيار الجماهيرى بمثابة قوة دفع لإنتاج أعمال هادفة لأبطالنا فى جميع المجالات، لنستخدم القوة الناعمة للفن.