رحلة لمزرعة أبوالنمرس تكشف جشع تجار الطماطم

رحلة لمزرعة أبوالنمرس تكشف جشع تجار الطماطم
الاثنين, 18 مايو 2015 06:44
تحقيق - أحمد سراج: تصوير: أحمد حمدى

فى الأيام القليلة الماضية ضربت أسعار الطماطم الأرقام القياسية بين أسعار سائر الخضراوات الأخرى باستثناء «البامية» لتسجل الطماطم بجدارة

احتفاظها بلقب «المجنونة»، لأنها بين وقت وآخر تشعل أسعارها بصورة غير مبررة لتصل إلي عشرة جنيهات، وأحياناً أكثر، وهو ما يطرح تساؤلاً دائماً لدي المستهلك الذي يكتوى بنيران جنون الطماطم، عن السبب في ارتفاع سعرها علي هذا النحو، وعن التكلفة الحقيقية لكيلو الطماطم، وفارق هذه التكلفة مع سعر البيع، وهل المزارع والتاجر مظلوم ولا يقف جشعه أو رغبته في المزيد من المكسب وراء رفع السعر دون مبرر، أم أن التكلفة في الإنتاج والنقل هي السبب الوحيد لارتفاع سعرها؟
«الوفد» خاضت تجربة تتبع محصول الطماطم منذ «بذره» في الأرض وحتي لحظة حصاده، ونقله من المزارع إلي سوق الجملة، ثم تاجر التجزئة وحتي يصل ليد المستهلك، لنكشف للقارئ المتسبب الحقيقي في رفع سعر الطماطم والوصول بها إلي حالة «الجنون».
عندما قررت بدء الرحلة مع محصول الطماطم، سألت أكثر من جهة ومصدر عن السبب الحقيقي، لارتفاع سعر الطماطم في معظم المواسم، منهم من قال الأحوال الجوية تؤدى لتلف المحصول أحياناً فيقل الإنتاج وتزداد الأسعار، ومنهم من قال إن ارتفاع أسعار النقل وتكلفة الأيدى العاملة، ومنهم من قال: «إن السبب هو انتهاء العدوة الشتوية»، ومنهم من أكد أن الأسباب كلها تجتمع أحياناً لرفع السعر، والمثير للدهشة أنني بمراقبة أسواق البيع، وجدت السعر انخفض خلال أيام قليلة من عشرة جنيهات إلي ستة.. ثم أربعة الآن، والمستهلكون يراقبون عن قرب المزيد من الانخفاض في السعر، ومنهم من هرب لشراء علب «الصلصة» وانخفاض السعر بهذه الصورة وهذه السرعة وضع علامات استفهام كثيرة، فكيف تغيرت بهذه السرعة أسباب ارتفاع السعر للتحول من أيام إلي انخفاض في السعر لأقل من 50٪، وهل بالفعل موجة الحر الفجائية التي ضربت مصر وأثرت علي المزارع كانت السبب في نقص المحصول وارتفاع السعر؟
للإجابة عن كل هذه التساؤلات كانت الرحلة لرصد مراحل زراعة «المجنونة» من الشتلات، وحتي جمعها وبيعها.
بداية.. إنتاج مصر من الطماطم يبلغ حوالى 7 ملايين طن سنوياً، وتحتل مصر بذلك المركز الخامس عالمياً، ورغم هذا التصنيف، إلا أن إنتاجها يصبح «شحيحاً» في هذا التوقيت من كل عام، وتصل أسعارها في كثير من الأحيان لأعلى من سعر كيلو التفاح.
سارت بنا السيارة من قلب القاهرة إلى أبوالنمرس في الجيزة ساعة أو أكثر، لنصل إلي أول مزرعة للطماطم، عندما وصلنا، كانت هناك أعداد قليلة من الأشخاص متناثرين في قلب المزرعة، بعضهم يقوم بجمع الطماطم، وآخرون يقومون بوضعها في أقفاص تمهيداً لنقلها علي سيارات النقل إلي سوق تجار الجملة خارج أبوالنمرس، وكان أول من تحدثنا إليه هو الحاج غياض محمد -60 عاماً- والذي بدا عليه التعب بعد أن أنهي رش جانب من مزروعات الطماطم خشية أن تتلف من السوس، وعندما علم بمهمتنا، بادرنا بقوله: «والله المزارع مظلوم وهو أول من يتحمل الخسائر والمواطن لا يعلم شيئاً عن معاناة الفلاح في الزراعة، حيث نبدأ زراعة الطماطم منذ شهر نوفمبر، ونقوم بجمعها من 25 أبريل».
يتابع «غياض»: في بداية الأمر نشتري صينية تحتوي علي أعواد زراعة الطماطم سعر الصينية الواحدة 75 جنيهاً، والصينيتان تكفي لزراعة قيراط ونصف، ويحتاج الفدان معدل 36 صينية بما يعادل 2700 جنيه قيمة الشتلات فقط للفدان الواحد، ويحتاج شتل الفدان الواحد إلى 7 عمال، يتقاضى العامل 100 جنيه في اليوم الواحد، والفدان يحتاج ليوم كامل للشتل، بعد مرحلة الشتل يتم رش الفدان بما تحتاجه التربة للحفاظ علي النبات، وهو عبارة عن «ردة ودشيشة وسم فحار» وهذا لمنع تآكل الشتلة في بداية مرحلة النمو، وتتكلف هذه المرحلة 600 جنيه للفدان الواحد، بالإضافة لأجر العامل، بعد ذلك يتم «عزق» الأرض أي تقليب التربة وتهويتها وإزالة الحشائش والنباتات الضارة، وتحتاج هذه العملية إلي 8 عمال بتكلفة 800 جنيه للفدان الواحد وتتكرر تلك العملية مرة أخرى، وبعد ذلك يتم رش الزراعة بالمبيدات والمواد الزراعية كل 15 يوماً وهنا تكمن المشكلة الكبرى للفلاح كما يقول «غياض» خاصة في زراعة الطماطم.
ويتابع الحاج «غياض» موضحاً أن الزراعة تحتاج الطماطم إلى الكثير من المبيدات والأسمدة للحفاظ عليها من الآفات منها الكروجين وهو من أهم المواد اللازمة للحفاظ على الثمرة من السوس الذي يصيبها وسعر العلبة يبلغ 600 جنيه وتكفي لفدان واحد ومادة «فيرتميك» بسعر 65 جنيهاً ويستعمل لقتل حشرة «توتا ابسلوتا» وتكفي لنصف فدان، أي الفدان يحتاج إلى 130 جنيهاً، بجانب مواد أخرى وهى «أكتافوس وهمر» وعدد 2 شيكارة كبريت بسعر 260 جنيهاً للفدان الواحد، كل هذا يتكلفه الفلاح أثناء الزراعة وبعد نمو الطماطم يتم جمعها ويحتاج جمع محصول فدان واحد إلى 10 عمال ويجمع في يوم واحد.
وبحسبة بسيطة سنجد أن تكلفة زراعة فدان واحد من الطماطم ستتجاوز سبعة آلاف جنيه تقريباً، هذا إن لم يبالغ العمال في أجرة يدهم، وينتج الفدان الواحد قرابة 500 قفص، والقفص يحتوي علي 22 كيلو تقريباً أى إنتاج الفدان يبلغ 11 ألف كيلو، هذا بالطبع إن كان كل الإنتاج سليماً، ولم يتلف منه شيء، ووصل حتي مرحلة تحميله ونقله لتجار الجملة بصورة جيدة.
وبهذا نجد أن إنتاج 11 ألف كيلو طماطم يتكلف في زراعته فقط قرابة 7 آلاف جنيه، أي أن سعر إنتاج الكيلو الواحد يتكلف 63 قرشاً تقريباً، يضاف إليه النقل، والذي يصل إلى 200 جنيه لكل 2200 كيلو، أي ثمن نقل الكيلو الواحد يتكلف 0.009 قرش، أي ثمن الكيلو من الزراعة مع النقل حتي يصل إلى تاجر الجملة في الأوقات العادية لا يمكن أن يزيد على 64 قرشاً علي أقصى تقدير.

الفقر للمزارع والثراء للتاجر
ونتابع رصد تكلفة إنتاج الطماطم في تلك المزرعة، حيث يقول أحمد إبراهيم أحمد، وهو مزارع: لقد عانيت من خسارة كبيرة من المحصول هذا الموسم، بسبب المبيدات المغشوشة والتي تباع في السوق، ويتابع: المزارع يتحمل الخسائر، والتاجر يجنى الأرباح، فهذا العام كل المبيدات التي قمنا بشرائها مغشوشة ولم تقض علي الحشرات وخسرنا الكثير من المحصول.
وبسؤاله عن شراء المبيدات من وزارة الزراعة يقول: «لا يمكنني الشراء من الحكومة، فكل المبيدات غير متوفرة وحتي إن توفرت لا يمكنني قطع تلك المسافة، وخسارة يوم عمل من أجل شراء المبيدات، لذا نقوم بالشراء من أقرب مكان».
ويطالب أحمد الوزارة بتوفير أكشاك لبيع المبيدات في أماكن قريبة من المزارع لحل المشكلة والقضاء على الغش الذي يتعرض له المزارع من قبل تجار المواد الزراعية، وعن أسباب ارتفاع أسعار الطماطم يقول: «ارتفاع الأسعار يستمر لمدة 10 أيام فقط وما يحدث في الأسواق السبب وراءه البائعون وليس تجار الأسواق الكبار، فسعر قفص الطماطم أثناء الأزمة ونقص الإنتاج وارتفاع التكلفة وصل إلي 75 جنيهاً للقفص الواحد الذي يزن ما بين 22 أو 23 كيلو، أي سعر الكيلو في هذه الحالة سيكون علي التاجر بـ3.5 جنيه بما في ذلك النقل، ونجد البائع يبيع الكيلو بـ10 جنيهات.
ويشرح «أحمد» جشع التجار قائلاً: «تأتى العربات من الأسواق سواء العبور أو سوق أكتوبر وتحمل السيارة حوالى 100 قفص طماطم، ويأخذ السائق علي القفص الواحد سعر 2 جنيه، وقيمة النقل، أى نقل 100 قفص يكلف الفلاح 200 جنيه، وكما سبق القول القفص يحتوى علي 22 كيلو، أي نقل 2200 كيلو يتكلف 200 جنيه فقط. والمزارع هو الذي يتحمل تكلفة النقل إلي السوق بعدها يبدأ تاجر الجملة بعرض الطماطم علي تجار التجزئة في مزاد ولا يزيد سعر القفص علي 50 جنيهاً في وقت اشتعال الأسعار، أي سعر الكيلو يصل إلي اثنين جنيه وثلاثين قرشاً ونجد أن التاجر يبيع الكيلو بـ6 و7 جنيهات للكيلو، والمستهلك لا حول له ولا قوة فهو مجبر علي الشراء تماماً كما أن الفلاح مجبر علي البيع بأسعار متدنية.

تاجر وبائع
يقول محمد عاطف، سائق نقل: «أقوم بشراء الطماطم من المزارعين للحصول على هامش ربح كبير من بائعي الأسواق، وأكد أن ارتفاع سعر الطماطم أو أى منتجات زراعية يكون سببه أحياناً ارتفاع سعر النقل وارتفاع سعر البنزين، فكل مرحلة تمر بها يضاف هامش ربح علي الطماطم، لتصل للمستهلك بسعر مرتفع.
فيما قال محمود طه، تاجر: «البائع مظلوم مثل الفلاح فإذا كان نقل القفص الواحد يكلف 2 جنيه علي المزارع، فهو يكلف البائع أيضاً لنقله من التاجر إلي المحل الذي تباع فيه الطماطم للمستهلك نفس النسبة خلاف أن هناك تالفاً أثناء البيع وهذا أيضاً يتحمله البائع بمفرده.
أثناء تجول «الوفد» داخل الأراضى الزراعية وحديثها مع المزارعين رصدنا انخفاض سعر الكثير من الخضراوات، فبينما يبلغ سعر كيلو الملوخية بالأسواق 8 جنيهات، يباع في الحقول بـ2 جنيه، وهو ما يكشف جشع التاجر الذي يمارس جبروته بدون أي رقابة من قبل الدولة التي تبدو مؤسساتها المعنية بالدفاع عن المستهلك في حالة من الغيبوبة التامة ولأجل ذلك سوف تستمر شكاوي المواطنين واحتجاجاتهم التي تتعامل معها الحكومة بمزيد من التصريحات العنترية عن التصدى للمتاجرين بقوت البسطاء بدون أن يتغير أي شيء في الواقع فما يعرف بالأسعار الاسترشادية ليس سوى وهم لا يعلم عنه أحد شيئاً حتي أولئك الذين ابتكروا تلك الآلية والدليل علي ذلك تلك العشوائية التي تضرب الأسواق بدون أن تكون هناك حملات للتفتيش من أجل حماية المستهلك.