د. مراد مبروك : النقد.. صار مهنة وأكل عيش

د.  مراد  مبروك :  النقد..  صار مهنة وأكل عيش
الخميس, 25 يونيو 2020 20:09
حوار - صابر رمضان:

" الشللية"  تفرض نفسها على الساحة فأفرزت مبدعين نفعيين

الأدب فى العالم العربى عاجز عن مواكبة المستجدات

هناك فجوة بين "النقد"  و"الإبداع"  بسبب غياب المؤسسات المتخصصة

كثير من النقاد يكتبون من أجل المصالح المادية فانتشرت الأعمال الهزيلة

الجوائز حافز معنوى للكاتب فى الأوساط العلمية والثقافية

 

مرَّت مسيرة الدكتور مراد عبدالرحمن مبروك أستاذ النقد الأدبى بمحطاتٍ علميةٍ وأكاديميةٍ  فارقةٍ، فقد حصل على درجة الليسانس فى الآداب من جامعة المنيا بصعيد مصر، ثم الماجستير فى موضوع" الظواهر الفنية فى القصة القصيرة المعاصرة 1986 بتقدير امتياز ثم نال درجة الدكتوراه فى الآداب من الجامعة نفسها عن موضوع " الظواهر التراثية فى الرواية العربية" بتقدير مرتبة الشرف الأولى، وبدأ الرجل الذى أثرى مكتبة اللغة العربية وآدابها بعشرات الكتب النقدية والأبحاث والمؤلفات يميل نحو النقد المعرفى والثقافى الذى تنامى تياره واتسع لكنه رأى كناقدٍ أصيلٍ صاحب رؤية ووجهة نظر أنَّه لابد أن يأخذ ذلك التيار أبعادًا معيارية بديلًا عن التهويمات والأحكام الانطباعية، ومن ثم راح يؤسس منذ بداية التسعينيات لنظرياته الخاصة التى نشرت وتدارسها الباحثون وناقشوها وحصلوا فيها على رسائل ماجستير ودكتوراه، انطلق" مراد"  من التدريس كمدرس مساعد فى كلية التربية بجامعتى قناة السويس والقاهرة ومنها حلَّق نحو عدة جامعات عربية مختلفة حتى استقر بجامعة الملك عبد العزيز أستاذا للنقد الأدبى والنظرية بعد أن وضع عشرات الكتب النقدية فى الشعر والرواية والقصة أبرزها" الظاهر الفنية فى القصة القصيرة المعاصرة"  و"العناصر التراثية فى الرواية العربية" و" توظيف الشخصية الغجرية فى الرواية العربية المعاصرة" و" الدم وثنائية الدلالة فى القصيدة العربية المعاصرة" وصاغ ثلاث نظريات نقدية وناقش عشرات الرسائل العلمية لطلاب تتلمذوا على يديه.

نال الدكتور مراد مبروك أوسمة وتكريمات عديدة، كما حصل على جائزة النقد الأدبى فى محور نحو" إبداع عربى أصيل" وجائزة شومان للعلماء العرب فى فرع العلوم الإنسانية وجائزة الدولة التشجيعية فى الدراسات الأدبية والنقدية، وهو عضو اتحاد الكتاب وعضو هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة بالقاهرة، كما حصل على عضوية كثير من اللجان للمؤتمرات والفعاليات الثقافية الكبرى فى الوطن العربى، كما عمل مستشارًا ثقافيًا لعددٍ من الأندية والأكاديميات الثقافية العريقة ومنها مثلا نادى الجسرة الثقافى، ويقوم بتدريس مقررات النظرية الأدبية والأدب المقارن والنقد الحديث والقديم بكلية الآداب جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية.

"الوفد" التقت الدكتور مراد عبدالرحمن أحد أبرز وجوه النقد الأدبى فى العقود الأخيرة بالوطن العربي، وهذا نص الحوار.

• للنقد بمفهومه الواسع الذى يتجاوز حدود الأدب إلى كل ما ينتجه العقل الإنسانى دور كبير فى دفع الأمم إلى الأمام وانتخاب الأجمل والأصلح، فالنقد قاطرة حقيقية والناقد دائما فى المقدمة - أو هكذا يجب أن يكون الحال- فهل تعتقد أننا فى العالم العربى على وعى بذلك الدور وأن الناقد يقع فى مكانته الطبيعية؟

-  سؤالكم هذا يثير عدة أطروحات أولاها مدى تجاوز النقد الحدود التقليدية للأدب، وثانيتها دور النقد فى تقدم الأمم، وثالثتها مدى تقدير الدور الذى يقوم به الناقد عربيا، أما عن تجاوز النقد الحدود التقليدية للأدب فإن النقد الأدبى قطع شوطا كبيرا فى التطور الى درجة كبيرة، فلقد تطور النقد الأدبى من مرحلة النقد السياقي،  إلى مرحلة النقد النصى ثم إلى مرحلة النقد التأويلي  والاتصال الأدبى، وأخيرا استقر النقد فى العقود الأخيرة على ما يمكن أن نطلق عليه النقد المعرفي،  من حيث النقد الثقافى ، ونقد ما بعد الحداثة،  ونقد ما بعد الكولونيالية،  والنقد النسوي،  وكلها تيارات نقدية حديثة واكبت المتغيرات العصرية ، التى يعيشها النقد فى الآونة الأخيرة، وقد يتجاوز النقد العالمى النقد المعرفى السائد فى هذه الآونة الأخيرة إلى مرحلة نقدية أخرى وهى مرحلة النقد الرقمى - لوجاز لنا استخدام هذا التعبير - خاصة أن الأخير الرقمى لا يزال تتشكل إرهاصاته فى الدرس النقدى العالمى ولما تتشكل ملامحه الكلية بعد. 

ولعل أكثر الروافد النقدية المعرفية شيوعا فى العقود الأخيرة هى النقد الثقافى ونقد وما بعد الكولونيالية ( ما بعد الاستعمارية ) ونقد ما بعد الحداثة ، ويتربع على عرش الدرس النقدى المعاصر النقد الثقافى بداية من نشأته فى العقود الأخيرة فى المدرسة الأمريكية لاسيما مدرسة الاستشراق التى يعد إدوارد سعيد أحد روادها ومن أبرز دراساته فى مجال النقد الثقافى كتابه "الاستشراق" ، فقد تناول فيه الممارسات القمعية الثقافية التى يمارسها بعض المستشرقين على الثقافة الشرقية ، وكان بمثابة الإرهاصات التى شكلت اللبنات الأولى فى النقد الثقافى . وكذلك الأمر بالنسبة للمدارس النقدية الغربية الأخرى سواء مدرسة برمنجهام أو مدرسة فرانكفورت أو غيرها من المدراس التى ساهمت فى ازدهار النقد الثقافي، وأحدثت الدراسات الثقافية نقلة نوعية فى محيط الدرس النقدى العالمى على الرغم من وجود بعض المآخذ عليه.

أما عن دور النقد فى تقدم الأمم فيمكننا القول: إن النقد يتطور بتطور الأمم ويضعف بضعفها ويقوى بقوتها، والمتتبع لمسيرة تطور النقد العالمى يدرك هذه الحقيقة، ولا أبالغ حين القول إن العلاقة بين تطور وعى الشعوب والمجتمعات وتطور النقد الأدبى أو الثقافى علاقة طردية، فكلما تقدم الوعى الاجتماعي  تقدم تبعا لذلك النقد والعكس صحيح، وقل لي: درجة تقدم النقد؟ أقل لك : درجة تقدم الوعي، فكلاهما مقياس ومؤشر للآخر، والشواهد على ذلك كثيرة. 

• حدثنا عن نظرياتك النقدية التى عكفت على وضعها بداية من التسعينيات والتى كان لها أثر كبير فى الدرس النقدي؟

- إن الدراسات الأولى التى بدأتها فى مقتبل الحياة الجامعية، كانت علمية بحتة ولكنها لأسباب قد نذكرها فى موضع آخر، تحول الاهتمام إلى الدراسات الثقافية والمعرفية ، وكان لابد أن تأخذ الدراسات الأدبية والثقافية – من وجهة نظرى – أبعادا معيارية بدلا من الإنشائيات والتهويمات والأحكام الانطباعية غير الدقيق، لذلك عكفت فى بداية التسعينيات على وضع نظرية نقدية تبدأ بالصوت وتنتهى بالنص فى دراسة العمل الأدبى والثقافى وتبلورت فى دراستنا " من الصوت إلى النص نحو نسق منهجى لدراسة النص الأدبي" وطبعت عدة طبعات فى مصر وخارجها ونوقشت فيها عدة رسائل للماجستير والدكتوراه فى بعض الجامعات العربية.

ثم جاءت نظريتنا النقدية الثانية عن" جيوبولتيكا النص الأدبى "ولعلها أول نظرية وظفت مصطلحا جغرافيا هو" الجيوبولتيكا"  أو علم الجغرافية السياسية فى دراسة النص الأدبى والثقافي، وعنيت بالربط بين تضاريس النص الأدبى والتضاريس الجغرافية. 

ومنذ عقد والنصف تقريبا جاءت نظريتنا النقدية الثالثة عن نظرية الاتصال الأدبى وهى بمثابة تطوير لنظرية التلقى الألمانية وبدأت إرهاصات هذه النظرية عندما قدمنا فكرتها فى ندوة النص الأدبى بجدة عام 2006. وأخذت فكرتها فى التطور فى مقالنا (نظرية الاتصال الأدبى فى الخطاب النقدى دراسة فى المفهوم) الذى نشر فى مجلة "علامات فى النقد " 2013 ) وعندما أخذت هذه النظرية فى الشيوع والانتشار فى الأوساط النقدية ومنحت فيها بعض رسائل الماجستير والدكتوراه فى الجامعات العربية قمنا بترسيخ فكرة هذه المقال عربيا بإعادة نشره مع تطوير بعض أفكاره فى مقال(  الرؤية الإبستمولوجية لنظرية الاتصال الأدبى من التفسير إلى التأويل. مقاربة نقدية بينية) بمجلة الخطاب وتوالى نشر المؤلفات والدراسات النقدية حول هذه النظرية،  التى تأتى تتويجا لدراسة النص الأدبى والثقافى على أسس نقدية راسخة تبدأ بالمبدع والرؤية التكوينية مرورا بالخاصية النصية، ووسيلة الاتصال والقارئ واستراتيجية القراءة، ونهاية بالارتداد العكسي، معتمدين على الدراسات البينية والثقافية التى ساهمت فى تطوير هذه النظرية.

•  هل تعتقد أن نقاد الوطن العربى يقومون بدورهم فى فرز وتقديم الأدب الجيد من القبيح للمجتمع ويسعون إلى تنمية ذائقة العامة النقدية تجاه ما يقدم لهم؟

 -  للأسف أقولها بصدق النقد الأدبى فى العالم العربى وفى مصر عاجز عن مواكبة المستجدات فى الإبداع الأدبى الحديث أو المعاصر ، وما زال (النقد الشللي)- لو جاز لنا استخدام هذا التعبير- القائم على المصالح الضيقة والنفعية يفرض نفسه على الساحة النقدية العربية، الأمر الذى أفرز إبداعا هزيلا ومبدعين نفعيين انتهازيين يستندون إلى وسائل إعلامية عربية ضعيفة المستوى، وتكون أقرب إلى الاحتفاليات منها إلى النقد البناء، أو التشكيل الإبداعى الجيد،  وليس أدل على ذلك من الجوائز المؤدلجة والبرامج الموجهة السائدة فى الساحة العربية  وقد حذرت من هذه المزالق منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى ونشرته فى أكثر من وعاء ثقافى، وللأسف بعد مرور حوالى ثلث قرن ما زالت المشكلة موجودة بل تتفاقم للأسوأ، ما يدل على أن الحياة الأدبية والثقافية لاسيما النقدية فى انحدار متدرج . 

 •  وما الشروط الواجب توافرها فى الناقد الجاد من وجهة نظرك كأستاذ للنقد، وهل تكفيه الدراسة فقط أم لابد من تمتعه بذائقة خاصة؟

الناقد لابد أن يكون متمتعا بالنزاهة النقدية - لو جاز لنا استخدام هذا التعبير-  وهو الذى يتفاعل مع النصوص الأدبية والثقافية تفاعلا حياديا بعيدا عن العلاقات الشخصية أو الأدلجة الموجهة، ولابد أن يكون على اطلاع واسع بمجال الجنس الأدبى الذى يعالجه، وأن يكون مواكبا ومطلعا على أحدث النظريات والمناهج والتيارات والاتجاهات النقدية عربيا ودوليا. فضلا عن تمتعه بالذائقة النقدية الجمالية والثقافية والمعرفية.

 •  نسمع كثيرا مقولات مثل " أزمة النقد " وغيرها ،فهل هناك فعلا أزمة نقد فى المشهد الثقافى العربي؟

- لعلنا لا نبالغ  حين القول : إن النقد الأدبى والمعرفى بشتى أنواعه عاجز عجزا كبيرا عن مواكبة الإبداع العربى فى الشعر والقصة والرواية والمسرح وغيرها من الأجناس الأدبية، ويرجع هذا لأسباب ثقافية وفنية واجتماعية واقتصادية وغيرها ، فقد أصبح الناقد مهموما اقتصاديا ويتطلع للكتابات النقدية التى تحقق له نفعا ماديا أو مصلحيا، وهذا شائع بدرجة كبيرة فى النقد العربى بعامة والخليجى بخاصة حيث يلجأ كثير من النقاد للكتابات النقدية عن أعمال  ضعيفة أو متوسطة المستوى بغية تحقيق المصالح الضيقة كما ذكرت ، وهذا بدوره يؤدى إلى انزواء الأعمال الجيدة وظهور الأعمال الهزيلة على سطح الحياة النقدية، فضلا عن غياب النقد الجاد . يضاف إلى ذلك وجود سيل من الأعمال الإبداعية التى تصدرها المطابع ودور النشر يوميا فى العالم العربى وبعضها جيد وأغلبها دون ذلك، ولا توجد لدينا مراكز أو مؤسسات أو مدارس نقدية متخصصة لمواكبة هذه الإبداع، وهنا تحدث الفجوة الكبيرة بين النقد والإبداع.

  "الرؤية الإبداعية"

 •  كتبت العديد من الأبحاث والدراسات النقدية حول أعمال إبداعية متنوعة ( شعر / قصة/ رواية / مسرح ) لكن

ما اللون الأدبى الذى تشعر معه بالتماهى أكثر – إذا جاز التعبير- أم أن المعيار ليس النوع بقدر روعة العمل نفسه بصرف النظر عن نوعه؟

- لقد قدمت العديد من الدراسات النقدية فى مجالات نقد الشعر ونقد الرواية ونقد القصة القصيرة وفى نقد النظرية النقدية والأدبية وفى الأعمال الببليوجرافية الإبداعية فى أكثر من خمسة وعشرين مؤلفا نقديا فضلا عن عشرات الدراسات النقدية المحكمة فى دوريات دولية وأغلبها  عنى بالنقد التطبيقى ، لأنه النقد القادر على فض مغاليق النص الأدبى أو الثقافى وكشف أسراره ، فضلا عن كونه الكاشف لقدرات الناقد من حيث فهمه لكتاباته النقدية من عدمه، لأن كثيرا من النقاد يعتمدون على الترجمات الرديئة ولا يحسنون صياغة فقرة نقدية ذات معنى، بل يعجز أحيانا عن تفسير وفهم ما كتبه فى مؤلفاته. والعبرة ليست بنوع الجنس الأدبى ولكن بماهية النص وطريقة معالجته وفنيته وحبكته ورؤيته الفكرية والإبداعية، لذلك لا أفضل جنسا أدبيا على آخر إلا من خلال الجودة الفنية والرؤية الإبداعية والفكرية الواعية التى يحملها النص الأدبي. 

 • كيف ترى تطور الإبداع الأدبى فى الخليج بعد معايشتك له عن قرب لسنوات طويلة، فضلا عما قدمته من نقد جاد متنوع حوله ؟

- لاشك أن العامل الاقتصادى كان له دور كبير فى تطور الإبداع الخليجى فى الشعر والقصة والرواية والمسرح من حيث إتاحة الفرصة للكتاب فى نشر إبداعاتهم، وافتتاح منتديات ثقافية لصقل مواهبهم ، واستقطاب بعض النقاد للكتابة عن أعمالهم وإقامة ندوات ومؤتمرات ثقافية حول انتاجهم، وهذا بدوره ساعد فى ازدهار الأعمال الأدبية، ولكنه فى المقابل انتج إبداعات أدبية هزيلة وروج لها من خلال الإمكانات المادية التى يمتلكها أصحابها واستطاعوا استكتاب بعض النقاط فى المنابر الثقافية التى يشرفون عليها او ينتمون اليها للكتابة عن إبداعاتهم الضعيفة أحيانا والمتوسطة فى الحين الاخر، وللأسف هناك نقاد جاهزون لهذه المهمة والعملية النقدية عندهم عملية آلية يستطيع توجيهها كيفما يريد النص وصاحبه.  لكن هذا لا ينفى وجود مبدعين ونقاد خليجيين على مستوى عالٍ من الحرفية النقدية والإبداعية والرؤية الفكرية الواعية سواء فى السعودية أو الكويت أو البحرين أو غيرها ، لكن بعض الابداعات تقدم ظهورها عن الأخرى واختلفت من دولة خليجية إلى أخرى وفق عوامل عديدة ،  لكنهم يتفقون جميعا فى ظهور وازدهار القصيدة الشعرية العربية قبل غيرها من الفنون الأدبية الأخرى، وجاء فن الرواية بمختلف اتجاهاته الفنية فى المرتبة الثانية من حيث الظهور، وأخيرا ظهر فن المسرح الخليجى وفرض وجوده،  لكنه اختلف من دولة إلى أخرى من حيث النشأة والتكوين والازدهار.

• ما تقييمك لمناهج وطرق تدريس الأدب العربى والنقد فى جامعاتنا الآن؟

- من خلال تدريسى فى عدد كبير من الجامعات المصرية والعربية والخليجية أستطيع القول: إن كثيراً من أقسام اللغة العربية تفتقر فى كثير من الأحيان لتشكيل مجموعات أو فرق بحثية تكون معنية بالبحث العلمى لاسيما مجال الدرس النقدي، وتعنى هذه الأقسام فى كثير من اهتماماتها بالدرس التعليمى النمطى والدرس النقدى التقليدى دون الانفتاح على النصوص الإبداعية الحديثة والمعاصرة، وبعضها يلجأ لدراسة النصوص المعاصرة ، لكن اختياراتها لهذه النصوص أحيانا  تخضع  لآليات غير منهجية، حيث تقوم  فى أغلبها على المجاملات أو المصالح النفعية للمبدع والناقد دون الأخذ فى الحسبان جودة العمل وأهميته.

وأتصور أن رسالة هذه الأقسام العلمية المتخصصة فى اللغة العربية لابد أن  تقوم على ثلاثة أركان: الأول: الانفتاح على التدريس الأكاديمى الجاد للنصوص الأدبية والثقافية والمعرفية النوعية التى تثرى الحياة العلمية والثقافية والفكرية ، والثانى : خدمة المجتمع من خلال الاشتراك فى الفعاليات الثقافية المختلفة للنهوض بالمجتمع ومن بينها النهوض بالإبداع الأدبى والثقافى ، والثالث: البحث العلمى من خلال توجيه البحوث  العلمية المتخصصة  للموضوعات النقدية الجادة التى تقوم على معايير دقيقة.

 •  من واقع تجربتك العريضة لماذا يدور عدد كبير من النقاد فى دوائر العمل الأكاديمى متناسين دور الناقد فى الاشتباك مع الواقع خارج أسوار الجامعة؟ ثم ألا تتفق معى أن النقد صار مجرد مهنة " وأكل عيش " عند بعضهم لاسيما وأن كثيرا منهم لا يتمتع بذائقة تؤهله لدوره المنتظر؟

- هذا صحيح هناك من النقاد من يكتفى بدور الموظف المتمثل فى الاهتمام بترقيته العلمية فقط، من خلال بحوث هزيلة تعتمد على القص واللصق والمجاملات المخلة بالبحث العلمي، فضلا عن عدم تمتعه بذائقة نقدية تتيح له فض مغاليق النص الأدبى أو الثقافى وكشف أسراه، كما أن بعض النقاد يخشى الانفتاح على المجتمع، خشية أن تصيبه سهام الآخرين، الذين لا يعملون لخدمة المجتمع الأدبى والثقافي، ويضرهم أن يعمل الآخرون. والبعض يخشى التفاعل مع بعض الأوساط الأدبية التى لا تتسم بالموضوعية فتكيل له مكاييل القدح لأنه لم يمدح فى إبداعاتهم، وربما يرجع هذا لكون المناخ الثقافى والأكاديمى تشوبه بعض الشوائب التى تعرقل المسيرة الصحيحة لتفاعل أساتذة الجامعات لاسيما النقاد الجادين مع المجتمع الثقافى أو الأدبي. أى أن هناك عوامل عديدة تحول دون قيام الناقد الجاد بدوره. لكن هذا لا ينفى ضرورة سعى أقسام اللغة العربية وكل أقسام الجامعات المعنية بالدراسات الثقافية وغيرها لخلق منظومة ثقافية تقوم على التفاعل البناء مع كل مؤسسات المجتمع المعنية بالدرس الثقافى والأدبى .

 •   كيف ترى أهمية تمتع الناقد بذائقة متفردة إلى جانب البحث والدراسة والاطلاع بشكل عام ؟ وهل يمكن أن تنتج لنا الأبحاث ناقدا فذا بلا ذائقة؟

- أزعم أن المناخ الحالى قد لا يسهم فى تشكيل الذائقة النقدية لأسباب يطول شرحها وأهمها البحوث والمقالات الهزيلة التى يقدمها بعض أساتذة الجامعات للأوساط النقدية العربية، وأرى أن الزمن النقدى العالمى قد تجاوزهم كثيرا، وهم لايزالون خلف تقليد مشوه إما عن طريق الترجمة العرجاء، أو عن طريق المؤتمرات العلمية والثقافية المكرورة فى موضوعاتها وأوراقها، فضلا عن ضياع الملكة النقدية فى أغلب البحوث والأوراق الأدبية والثقافية. وأتصور لو أن الناقد تشكل وعيه المعرفى على أسس صحيحة من خلال اطلاعه على بحوث رصينة وأرضية فلسفية ومعرفية جادة وعميقة، فضلا عن المناخ العلمى والثقافى والأدبى الرصين والجاد، حينئذ يمكن أن تتشكل لديه ذائقة نقدية قوية تسهم فى بناء المجتمع معرفيا وأدبيا وثقافيا. 

•    حصلت على العديد من الجوائز  فما قيمة الجائزة للمبدع أو الباحث فى نظرك ؟  وكيف ترى انفجار جوائز الإبداع العربى فى السنوات الأخيرة لا سيما الرواية؟

- الجائزة هى حافز معنوى للباحث أو الناقد أو المبدع لو منحت بحقها دون مجاملات أو مصالح نفعية مشتركة حينها يشعر الفائز بتقدير الوسط العلمى أو الثقافى له، ولكنها لو منحت بالطرق الملتوية قد تحدث بريقا وقتيا لكن لا أظن أن صاحبها يشعر بمتعة الفوز أو لذته. وللأسف الشديد كثير من الجوائز العلمية والثقافية عربيا ودوليا فى العقود الأخيرة تقوم على معايير غير موضوعية، ما يفقدها مكانتها.