شوقى علام : موتى "كورونا" شهداء

شوقى علام : موتى
الخميس, 25 يونيو 2020 12:53
حوار: صابر رمضان - تصوير- محمد فوزى

الانضمام إلى «الإخوان» حرام شرعاً.. وتكفير الدولة والحاكم من الكبائر

قرار السعودية بحصر الحج فى المقيمين يتفق مع أحكام الشريعة

البلاء سنة كونية.. والابتلاء يصيب الأنبياء وليس حكراً على الظالمين

الرسول أول من اقترح الحجر الصحى والنظافة الشخصية لمقاومة الأوبئة

لا يجوز التنمر ضد مرضى «كورونا» أو التجمهر ضد دفن الجثمان

عنف الجماعة.. استراتيجية متجذرة لاستعادة الحكم الإسلامى

 

بهدوئه الرصين واستنارته المعهودة، قال فضيلة الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية إن نزول البلاء سنة كونية من أجل اختبار العباد، وأن ابتلاء الله تعالى للعباد ليس مخصوصاً بالظالمين والعصاة والمذنبين، بل يصيب الأنبياء والأولياء والصالحين، إلا أن ابتلاء الله للصالحين لا يعد هواناً بهم وظلما لهم وإنما هو علامة حبه لهم ورفعة فى درجاتهم.

فى مكتبه بدار الإفتاء استقبلنا فضيلة المفتى، مشيرا إلى أن الدار تعمل بكل السبل على مواكبة كافة الأحداث وتضطلع بدورها على الصعيد الوطنى والدينى فى المناسبات الدينية والظروف الطارئة، من منطلق مساندة الوطن وقت الشدائد، مؤكداً أن هذا واجب شرعى، وأن الدار استطاعت مواجهة الفراغ الدينى الذى نجم عن تعليق فتح المساجد بسبب «كورونا».

وأكد فضيلة المفتى أن الدولة بكافة مؤسساتها لم تدخر جهدا فى مواجهة الوباء من أجل الخروج من الأزمة. وأضاف أن الاجتهاد الفقهى مطلوب عند النوازل لحاجتنا إلى إعطاء حكم شرعى فى أى واقعة مستجدة. وطالب مفتى الجمهورية بالبعد عن التنمر ضد مصابى كورونا، مؤكدا أن المتوفى بهذا الفيروس يدخل فى حكم الشهداء.

وقال إن قرار المملكة العربية السعودية بإقامة الحج بأعداد محدودة هذا العام من مختلف الجنسيات والاقتصار على المقيمين داخلها لمواجهة انتشار الفيروس، يتفق مع أحكام ومقاصد الشريعة للحفاظ على أرواح الحجيج عملاً بالقاعدة الفقهية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».

وناشد «المفتى» من يحاولون استغلال الظروف لتحقيق مكاسب مادية سريعة بعدم استغلال هذه الظروف العصيبة، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية حرمت الاحتكار بكافة صوره وأشكاله وأن التضييق على الناس وحبس ما يحتاجونه يعد غشا واعتداء وإضراراً بهم، وأن من كان سببا فى تضييق معيشة الخلق يدخل فى زمرة المفسدين.

ووجه «علام» رسالة للمواطنين بالالتزام بالتدابير الوقائية التى أخذتها الدولة لمواجهة كورونا ويجب طاعة الدولة لأنها تحقق مصلحة الإنسان.

«الوفد» التقت فضيلة مفتى الجمهورية، فى هذا الحوار.

< بداية ما الخطط التى تعمل الدار على تنفيذها حاليا؟ وما استراتيجيتها لتحقيق أهدافها؟

<< تعمل دار الإفتاء على مواكبة كافة الأحداث، كما تضطلع بدور مهم على الصعيد الوطنى والدينى سواء فى المناسبات الدينية أو الظروف الطارئة أو الأحوال العادية، من منطلق أن الوقوف إلى جانب الوطن فى وقت الشدة واجب شرعى، وتضع الدار استراتيجية سنوية تعمل عليها طيلة العام، ومع انتشار جائحة كورونا استطاعت دار الإفتاء مواجهة الفراغ الدينى الناجم عن تعليق فتح المساجد بسبب كورونا، والإجراءات الاحترازية التى اتخذتها الدولة لحماية المواطنين وسلامة المجتمع، من خلال الحرص على زيادة التفاعل فى القضايا الوطنية والشرعية للنهوض بالوطن ومواجهة الجماعات المتطرفة من خلال الفتاوى المنضبطة وهو ما ظهر جليًا خاصة خلال شهر رمضان وأزمة مواجهة الفيروس، وكذلك من خلال ما حققته صفحات دار الإفتاء على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث حققت الصفحة 42 مليون مشاهدة خلال شهر رمضان، والتفاعل 36 مليونا، كما حققت زيادة فى عدد المتابعين نحو 260 ألف متابع، نتيجة تعاطيها مع أزمات الوطن والمواطنين.

< يرى البعض أن وباء كورونا عقاب من الله كما تروج لذلك الجماعات المتطرفة وهناك من يراها ابتلاء من الله عز وجل لتمحيص العباد، فما قولكم؟

<< نزول البلاء سنة كونية لتمحيص العباد، وابتلاء الله تعالى للعباد ليس مخصوصا بالظالمين والعصاة والمذنبين، بل يصيب أيضاً الأنبياء والأولياء والصالحين، وابتلاء الله للصالحين لا يعد هواناً بهم أو ظلما لهم، وإنّما هو علامة على حبه لهم، ورفعة فى درجاتهم، ما لم يقصروا فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والبلاء فى معهود كلام العرب يدور على معانٍ عدة، فيدل على: الاختبار والامتحان، وعلى الشيء إذا ما تلف وذهب رونقه، كما يدل أيضاً على الإخبار، وورد ذكر لفظ (البلاء) فى القرآن الكريم فى غير ما موضع؛ إذ جاء بصيغة المفرد النكرة فى 4 مواضع، وبصيغة المفرد المعرف بالألف واللام فى موضع واحد، والبلاء هو وجود الألم فى نفس المبتلى؛ وقد تكون هذه الآلام حسية تصيب المبتلى فى بدنه، ومن ثم يتعين شرعا على المبتلى بها: الصبر، والرضا، والتسليم؛ لجريان الأقدار عليه بذلك، أخرج البيهقى فى الآداب عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط).

 < ماذا عن منهج الإسلام فى مواجهة الابتلاءات التى تصاب بها البشرية؟

<< ورد فى السنة النبوية الشريفة ما يشير إلى البلاء العام وأسباب حصوله؛ ومن ذلك ما رواه ابن ماجه فى سننه، عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم».

والله عز وجل امتَنَّ على المسلمين بأن جعل ما يصيبهم من أذًى تكفيرًا لذنوبهم؛ ففى الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِى يَعُودُهُ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَقَالَ: «كَفَّارَةٌ وَطَهُور».

< ما أبرز الدروس التى يجب أن يتعلمها الناس وما المطلوب من المسلم فعله فى ظل الأزمة الراهنة؟

<< علينا جميعا الاعتبار من الأزمة والسعى نحو إغاثة المحتاجين وإنقاذ المصابين والمنكوبين وجعل تلك الأمور من الواجبات الأساسية؛ لأنها تعد أهم الضروريات المقاصدية الخمس التى قام على أساسها الشرع الشريف، وهى ضرورة حفظ النفس؛ حيث إنها تدخل دخولًا أساسيا فى حفظها وحمايتها، مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه»، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، كما علينا جميعا تحقيق التكاتف والتعاون التام بين أبناء المجتمع، والوقوف معًا فى صف الجهود التى تقوم بها الدولة فى علاج مصابى فيروس كورونا.

< ما تقييم فضيلتكم لجهود الدولة المصرية فى مواجهة تلك الجائحة التى أصابت العالم كله اليوم؟

<< الدولة لم تدخر جهدًا فى مواجهة وباء كورونا واتخذت مجموعة من الإجراءات والتدابير الاحترازية وفق معايير دولية أشاد بها الجميع، ولا شك أن تعاون كافة الجهات المسئولة فى الدولة ومؤسساتها نتج عنه تكامل كخلية نحل من أجل إدارة هذه الأزمة والخروج منها على خير بإذن الله، وعلى المواطنين الامتثال لكل القرارات الاحتياطية والإجراءات الوقائية التى تتخذها الدولة؛ للحد من انتشار هذا الفيروس الوبائى حتى تمر هذه المحنة بسلام.

< هناك بعض الوقائع المستجدة التى تتطلب أحكامًا شرعية لم تكن موجودة من قبل فماذا عن أهمية الاجتهاد فيها وماذا عن فقه النوازل وماذا يعني؟

<< الاجتهاد الفقهى مطلوب عند النوازل نظرا لحاجتنا إعطاء الحكم الشرعى فى واقعة مستجدة وملحة، حتى تستهدى به نفوس السائلين ويزايلهم ما يقلقهم، وقد يسلك الفقيه فى سبيل إعطاء الحكم مسالك عدة تحددها المسألة النازلة ذاتها وما يتبع ذلك من تصويرها وتكييفها والإجراءات العملية التى تنقدح فى ذهنه أثناء فتياه فى النازلة، وتأتى أهمية الاجتهاد فى بيان أحكام النوازل المعاصرة من كونها تبين صلاحية الشريعة لتقديم الحلول فى كل زمان ومكان، وموقف الشريعة من مستجدات العصر ومتغيرات المجتمع العالمى المؤثرة بالطبع فى أصول المجتمع وقيمه، وتوضيح مدى موافقة المستحدثات للدين فتحث الناس على التمسك بها أو العدول عنها إلى ما يوافق الشرع، وأخيرا تحقيق المرونة للشريعة وتجديدها بما يجعلها على قدر المسئولية إزاء كافة التغيرات.

< البعض يتهرب من مرضى كورونا الخاضعين للعزل وكذلك من يموتون بهذا الوباء حتى إننا نرى اليوم من ينفرون من دفن ذويهم خوفا من الجائحة فماذا تقول لهم وهل يدخل ذلك ضمن «التنمر»؟

<< لا يجوز بحال من الأحوال ارتكاب الأفعال المُشينة من التنمر الذى يعانى منه مرضى الكورونا -شفاهم الله- أو التجمهر الذى يعانى منه أهل الميت -رحمه الله- عند دفنه، ولا يجوز اتباع الأساليب الغوغائية -كالاعتراض على دفن شهداء فيروس كورونا- التى لا تمتُّ إلى ديننا ولا إلى قيمنا ولا إلى أخلاقنا بأدنى صلة، وقد شاع على ألسنتنا جميعًا قول إمام السلف أيوب السختيانى رضى الله عنه: (إكرام الميت دفنه) ويؤيده ما رواه البيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمر رضى الله عنهما قال سَمِعْتُ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا بِهِ إلى قَبْرِهِ»، وعلى ذلك فلا يجوز لأى إنسان أن يحرم أخاه الإنسان من هذا الحق الإلهى المتمثل فى الدفن الذى قال الله فيه: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}، ومن أهم مظاهر تكريم الإنسان بعد خروج روحه التعجيلُ بتغسيله والصلاة عليه وتشييع جنازته ثم دفنه، مع الأخذ بكافة التدابير والإجراءات الوقائية المتبعة فى مثل هذه الحالات، وهذا ما أجمعت عليه أمة الإسلام منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

< هل صحيح أن من يموت بمرض كورونا يدخل فى حكم الشهداء من الناحية الفقهية؟

<< نعم فمن يتوفى بسبب وباء كورونا يدخل ضمن أسباب الشهادة، فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا تَعُدُّونَ الشّهيدَ فِيكُم؟» قالوا: يا رسول الله من قُتِلَ فى سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شُهَدَاءَ أمتى إذا لَقَلِيلٌ»، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «مَنْ قُتِلَ فى سَبيلِ اللهِ فَهُو شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ فى سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ فى الطَّاعُونِ فَهُو شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ فى البَطنِ فَهُو شَهِيدٌ» قال ابن مقسمٍ: أشهد على أبيك فى هذا الحديث أنه قال: «وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ»، وعلى ذلك أخرجت دار الإفتاء المصرية فتواها حول حكم دخول المتوفى بكورونا فى باب الشهادة، وموت المسلم بسبب فيروس كورونا يدخل تحت أسباب الشهادة الواردة فى الشرع الشريف؛ بناءً على أن هذه الأسباب يجمعها معنى الألم لتحقق الموت بسبب خارجى، فليست هذه الأسباب مسوقة على سبيل الحصر، بل هى منبهة على ما فى معناها مما قد يطرأ على الناس من أمراض.

< فى ظل انتشار فيروس كورونا.. كيف ترى قرار المملكة العربية السعودية بإقامة حج هذا العام بأعداد محدودة؟

<< الشريعة الإسلامية تدعو إلى حفظ النفس وحمايتها كما حرَّم الله تعالى كل ما من شأنه أن يهلك الإنسان أو يلحق به ضررًا، والمحافظة على النفس مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، فقال المولى عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أن اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، والشريعة الإسلامية الغراء تدعو إلى حفظ الكليات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، وهذه الكليات هى التى اتفقت جميع الأديان السماوية وأصحاب العقول السليمة على احترامها، وقد أجمع أنبياء الله تعالى ورسله من عهد سيدنا آدم عليه السلام إلى النبى صلى الله عليه وسلم على وجوب حفظ كافة الأنفس، ومن ثم فقرار السعودية بإقامة الحج هذا العام بأعداد محدودة من مختلف الجنسيات واقتصارا على المقيمين داخل المملكة لمواجهة انتشار فيروس كورونا يتفق مع أحكام ومقاصد الشريعة للحفاظ على أرواح وسلامة الحجيج وضيوف الرحمن، ونحن نؤيد بكل قوة مواقف المملكة وحرصها الشديد على أمن واستقرار المشاعر الدينية وكل ما تتخذه من إجراءات لضمان تحقيق ذلك وسعيها الدؤوب للحفاظ على أرواح الحجاج والمعتمرين وضيوف الرحمن، وأن قرارها بإقامة الحج بأعداد محدودة يأتى استنادا للقاعدة الفقهية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» أما من عزم الحج هذا العام وحالت الظروف دون ذلك فهو مأجور بنيته ولا تسقط عنه الفريضة.

< كيف أرسى النبى صلى الله عليه وسلم الحجر الصحى والإجراءات الوقائية عند تفشى الوباء؟

<< يعد رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من اقترح الحجر الصحى والنظافة الشخصية فى حالات انتشار الوباء قبل 1400 عام، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم شجع بقوة البشر على الالتزام بالنظافة الشخصية التى ستبقى الناس فى مأمن من العدوى، وقد حث الرسول صحابته بضرورة الالتزام بالحجر وقت الأوبئة فى حديثه الشريف قائلا «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها»، كما أمر بإبقاء المصابين بأمراض معدية بعيدا عن الأصحاء.

< فى ظل الأزمة الراهنة هناك البعض ممن يحاولون استغلال الظروف لتحقيق مكاسب مادية سريعة سواء محتكرى السلع أو من يعتمدون إلى الغش فى المنتجات فما ردكم ونصيحتكم لهم؟

<< احتكار السلع خاصة وقت الأزمات سلوك غير إنسانى، واستغلال هذه الظروف العصيبة لتحقيق مكاسب مادية عن طريق احتكار السلع ورفع أسعارها حرام شرعًا وخيانة للأمانة، والشريعة الإسلامية حرمت الاحتكار بكل صوره وأشكاله، كما أن التضييق على الناس، وحبس ما يحتاجون إليه فى حياتهم من الطعام وغيره، من أجل زيادة الأسعار وتحصيل مكاسب مادية، يعد غشًا واعتداءً وإضرارًا بالناس وأكلًا لأموالهم بالباطل ومن كان سببًا فى تضييق معيشة الخلق يدخل فى زمرة المفسدين فى الأرض، ويندرج تحت قول الله عز وجل: «وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ»، ووعيده صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ دَخَلَ فِى شَيْءٍ مِنْ أسعار الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فإن حَقًّا عَلَى اللهِ أن يَقْذِفَهُ فِى مُعْظَمٍ مِنَ النَّار.ِ».

< ما الرسالة التى توجهها إلى الأطقم الطبية التى تتصدر مواجهة فيروس كورونا وهل من يسقط منهم جراء هذه المواجهة صريعا يعد شهيدا؟

<< الأطقم الطبية هم خط الدفاع الأول ضد فيروس كورونا، وعلينا جميعا ضرورة تقدير وتبجيل وتعظيم دور الأطباء، كما يجب أن يلتزم أهل المريض بضبط النَّفْس عند التعامل مع الأطقم الطبية، وعلى الطبيب أيضاً طمأنةُ أهل المريض والتخفيف عنهم ومراعاة الظَّرْف الاستثنائى الذى تمر به بلدنا الحبيب، وكذلك يحرم الاعتداء على الأطقم الطبية، ويأثم فاعله شرعًا، ولا يُعْذَر فى اعتدائه.

وبشأن المتوفى منهم خلال تأدية عمله فى مواجهة وباء كورونا فقد استقرت دار الإفتاء فى فتواها أن المتوفى بفيروس كورونا هو شهيد وذلك قياساً على المطعون فإن وباء كورونا يمثل وباء عاما لا يختص بمكان أو أشخاص دون أشخاص وينطبق عليه مثل ما ينطبق على أوبئة أخرى مثل الطاعون وكل من مات بهذا المرض هو شهيد بإذن الله سواء كان شخصا عاديا أو فردا فى منظومة الطب المواجهة للجائحة.

< وما الرسالة التى توجهها فضيلتكم لمخالفى قرارات الحكومة فى الظروف الراهنة؟

<< من الواجب شرعًا على المواطن الالتزام بالتدابير التى اتخذتها الدولة ضد مواجهة فيروس كورونا، والدراسات تؤكد أن الفيروس خطر يهدد حياة البشر، والإنسان محور التكاليف الشرعية والشرع جاء بكل أحكامه لأجل الإنسان، ومن ثم فكل نداء يخالف التدابير الوقائية ضد كورونا يؤدى إلى أرباك المشهد، والمخالف للتعليمات يأثم لأنه يعرض حياة الإنسان للخطر، ويجب طاعة الدولة لأنها تحقق مصلحة الإنسان.

< الانضمام لجماعة الإخوان حرام شرعا... تصريح لفضيلتكم... فماذا عن ردكم على فتاوى استحلال الدماء وتكفير الحاكم

والمجتمع؟

<< الإسلام حرم سفك دماء كافة البشر، وأكد حرمة قتل نفوس الأبرياء من المسلمين وغير المسلمين التى حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، وقد عظم الشرع الدماء ورهب ترهيبًا شديدًا من إراقته أو المساس به بلا حق، كما حرم الله قتل النفس مطلقًا بغير حق، فما تفعله هذه التنظيمات من أفعال التخريب والقتل التى أفرزتها مناهج الإرجاف الضالة التى تتبعها تلك التنظيمات ومنها الإخوان، حرام شرعًا، وهو من أشد أنواع البغى، ولا شك أن مسألة التكفير للحاكم أو للدولة أو لطوائف معينة من الناس، ومنها استحلال دماء المسلمين تحت دعوى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أو استحلال دماء غير المسلمين فى بلادهم، أو أولئك الذين دخلوا البلاد الإسلامية بدعوى أن دولهم تحارب الإسلام، وهذه الأفعال التى يفعلها المتطرفون باسم الجهاد والدعوة إليه تعد من كبائر الذنوب.

< ما زالت هناك اتهامات كثيرة توجه للتراث دون وعى أو قصد، فما مخاطر ذلك وهل التراث عقبة إلى هذا الحد فى تقدم الأمم؟

<< التراث الإسلامى نتاج فهم العقل المسلم المنضبط، والحرب على التراث مستمرة، ولا بد من بذل كل الجهود للتصدى لفكر هذه الجماعات، كما أن توسع جماعات التطرف والإرهاب على النحو الذى رأيناه فى السنوات الأخيرة يمثل مؤامرة على الإسلام ذاته، الذى أصبح ينظر إلى المسلمين فى العديد من بقاع العالم بأسره نظرة سلبية، رغم أن الدين الإسلامى براء من كل الممارسات المنحطة التى تمارسها الجماعات الإرهابية، والتنقيح بلا شك أصبح ضرورة ويؤسفنى اعتماد بعض الباحثين الأزهريين على مراجع الكتاب المتطرفين فى دراستهم العلمية، لأن هذا يهدم الرؤية الصحيحة للدين الإسلامى، ويكرس للتطرف الفكرى الذى يعانى منه المجتمع بأسره.

< يتخذ البعض أحاديث نبوية لمهاجمة كتب التراث وعلماء الحديث مثل «بعثت بالسيف بين يدى الساعة «وجئتكم بالذبح»، فما ردكم على هذا الطرح؟

 << الجماعات الإرهابية ستحاسب حسابًا عسيرًا مضاعفًا؛ لأنهم أفسدوا فى الأرض فسادًا مركبًا وأساءوا لسمعة الإسلام إساءة بالغة مسوغين بالفهم المنحرف لأنفسهم قطع الرقاب، وذبح الآدميين بصورة مفعمة بالبطش والفتك، لا يرضاها دين الله ولا يقرها، بل ينكرها أشد الإنكار، وفيما يخص الشبهة المثارة بأن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الذبح مسلكًا إسلاميًّا لإجبار الناس على الإسلام وترديد بعض الأحاديث الضعيفة فإن هذا الحديث الوارد بلفظ (تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ) لم يخرجه البخارى ولا مسلم بهذا اللفظ، فسند الحديث ضعيف ليس بالقوى، ولا يصلح للاستدلال به منفصلًا فى قضية خطيرة كهذه.

< بعض المفكرين والفلاسفة والكتاب يهاجمون تراث ابن تيمية وفتاواه بزعم أنها تحض على تكفير المجتمع وهى من أسباب الفتنة.. والبعض الآخر يؤكد أن الرجل ظلم كثيرا فى اجتهاداته فإلى أى الفريقين تميل؟

<< وقع اختلال فى الفهم بين البعض حول ابن تيمية حيث تعلقوا بفتوى ابن تيمية لأهل ماردين، دون الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص، ليبينوا فحوى هذه الفتوى ومعناها والسياق الذى قيلت فيه، والذى أدى إلى هذا الاختلال هو عدم الوقوف فضلًا عن الدربة والاستخدام للمنهج العلمى فى كيفية توثيق النصوص وفهمها لدى علماء المسلمين، وانتقى هؤلاء الأحداث وغير المتخصصين فتوى ابن تيمية بشكل مُحرف، فحرفوا كلمة: «ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام» بكلمة «ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام»، وبذلك برروا أعمال القتل والعنف والتخريب وترويع الآمنين من المسلمين وغير المسلمين.

وغياب التوثيق فى فتوى ابن تيمية أدى إلى تحريفها بشكل أهدر كثيرًا من دماء المسلمين وغيرهم، بل وأضر بمقاصد الشريعة وأهدافها، وتسبب فى تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ووصمهما بالتطرف والعنف والإرهاب وبخاصة أن ترجمة الفتوى إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية قد اعتمدت النص المُصَحَّف.

 < هل من الممكن أن نعتبر أن التأهيل العلمى والإفتائى للأئمة إحدى خطوات تجديد الخطاب الدينى ضمن مشروع دار الإفتاء للتجديد؟

 << تأهيل الأئمة من شأنه المساهمة فى إيجاد خطاب دينى واع بقضايا المجتمع، وخاصة قضايا التنمية، وتحفيز المجتمع بسائر فئاته وخاصة الشباب بشأن العمل والإنتاج والسلوك الإيجابى البنَّاء، وألا يقتصر هذا الخطاب على نطاق التوعية فى الداخل المصرى، ولكن عليه أن يمتدَّ إلى الخارج لاستعادة الريادة المصرية للفكر الإسلامى بل والإنسانى فى العالم كله من خلال تجديد معالم الدين الإسلامى، وتقديم رؤية متكاملة للإسلام الحضارى الساعى لنشر قيم الرحمة والخير والجمال والنور بين الإنسانية كلها بما يزيل الصورة الذهنية القبيحة التى رسمها دعاة الشر والشيطان الذى يدعون الانتساب للإسلام وهو من أفعالهم وشرهم براء، وسبق أن عقدنا مؤتمرًا عالميًّا فى هذا الشأن عام 2016 تحت عنوان «التكوين العلمى والتأهيل الإفتائى لأئمة المساجد للأقليات المسلمة».

 < مرصد الفتاوى التكفيرية بدار الإفتاء يقوم بدور كبير لتفنيد شبهات التيارات التكفيرية والرد عليها.. هل تترجم هذه الردود للغات العالم خاصة فى أوروبا فى ظل علاقة دار الإفتاء بالاتحاد الأوروبى؟

 << بكل تأكيد.. فقد قمنا بترجمة العديد من الإصدارات والردود على الجماعات المتطرفة والشبهات التى يثيرونها إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، فنحن نسعى إلى القيام بدور وقائى فى المقام الأول لمعالجة ظاهرة التكفير المنفلت والفتاوى الشاذة والغريبة، التى كانت سببًا فى تمزيق المجتمعات الإسلامية وإحلال التنازع فيها بدل التعاون، وهدم الدول القائمة وخلق الكيانات البديلة لتحل محل الدول والحكومات، استنادًا إلى فتاوى غريبة وتبريرات شرعية مضللة، ونبوءات دينية مجتزأة. ومرصد الفتاوى التكفيرية بمثابة سبق مصرى على مستوى العالم الإسلامى فى إنشاء وتأسيس أول جهة علمية وبحثية ذات ظهير إفتائى رصين وعريق؛ لذا كان من الأهمية بمكان الوقوف عند هذه الظاهرة لاستجلاء أسبابها والعوامل التى ساهمت فى نشأتها، وهو الأمر الذى يأخذ أولوية قصوى من قِبل فريق عمل المرصد الذى يتألف من نخبة من الباحثين من مختلف التخصصات، الدينية والإعلامية والسياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، إضافة إلى الجوانب الشرعية والإفتائية، ومتخصصين فى رصد ومتابعة مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعى بالإضافة إلى متخصصين فى الجرافيك والفيديو والتصوير، ومترجمين بعشر لغات مختلفة مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية والسواحيلية والأوردو، والمرصد يصدر العديد من الإصدارات الورقية والإلكترونية، ولديه صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى تناهض الفكر المتطرف، ويتم ترجمة كافة إصدارات المرصد إلى أكثر من 11 لغة. كما أن دور المرصد لا يقتصر على الداخل فقط بل لديه نشاطات فى الخارج، كما يتم ترجمة مخرجات كافة المراكز البحثية بالدار وعرضها عن طريق حسابات الدار المترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية بهدف إطلاع كافة المهتمين فى مشارق الأرض ومغاربها.

< ما جهود دار الإفتاء فى مراجعة مؤلفات فكر سيد قطب وحسن البنا وغيرها من المؤلفات التى تحمل تطرفًا وشططًا فكريًا؟

<< عملنا على ذلك كثيرًا ورددنا وفندنا الكثير من أفكارهم ومنهجهم المنحرف بطرق عدة، سواء باللغة العربية أو اللغة الإنجليزية.

وقد سعينا من خلال مرصد الفتاوى التكفيرية إلى كشف جذور التطرف والعنف فى نصوص مؤسسى وقيادات الجماعة الإرهابية، مع دراسة واقع العنف عند الجماعة عبر التنظيمات المسلحة السرية والمعلنة، مع التركيز على مراحل تطور العنف لدى الجماعة على مستوى التنظير والممارسة.

وأصدرنا من خلال المرصد دراسة أكدت أن العنف لدى «الإخوان» لم يكن وليد اللحظة الراهنة، بل يعتبر استراتيجية متجذرة وضعها مؤسس الجماعة حسن البنا فى العديد من كتاباته ورسائله الموجهة إلى أنصاره، وسار على نهجها من بعده قيادات ومنظرو الجماعة كافة، وعلى رأسهم سيد قطب.

وتوصلت الدراسة كذلك إلى أن «حسن البنا» سعى إلى شرعنة العنف من خلال إضفاء صبغة دينية عليه تحت دعاوى الجهاد لاستعادة الحكم الإسلامى، واعتبر العنف وسيلة لا غنى عنها فى استعادة الحكم الإسلامى.

< تلاعبت التيارات المتطرفة بمشاعر العديد من البسطاء بمصطلح عودة الخلافة أو الإمامة العظمى فهل هذا مصطلح شرعي؟

 << الخلافة ليست من أصول الاعتقاد، فهى مسألة كلامية كما قال الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الجمهورية الأسبق 1926 فى مؤتمر الأزهر، ونحن بحاجة ماسة أن نبقى على شكل الدولة الحالى، ودولة الخلافة نشأت فى عهدها عدة دول وحافظت فيها على هذه الدول لأنها تحافظ على الجزء من باب الحفاظ على الكل.

وعبد الرزاق باشا السنهورى وهو أكبر مشرع، تناول الخلافة كطريقة للإدارة كعصبة أمم شرقية لقيت ترحيبًا كبيرًا بعدها لفهم الكاتب وهو موفد مصرى إلى فرنسا ضمن بعثاتها كمشرع تأثر به الكثيرون.

أما قول حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب اللذين يريان المرحلة الحالية مرحلة جاهلية وقف الإسلام عندها، ويأتيان بعدها بالتبريرات والحجج الضعيفة، بتلقائية تبين غيبة عن الرشد، وتبعية وفكر أربك الواقع التعليمى وأرقنا كثيرًا، يرى أن الإسلام غير موجود إلا حيث تتمركز الجماعات الإرهابية، فى فكر يدرس عبر الكتب لديهم ويستدعى كل حين.

ولا شك أن التجربة المصرية لها خصوصية واجتهادات فى المسائل الفقهية والإفتائية، حيث اجتهدت مصر فى التوفيق بين الشريعة والقانون المدنى بداية من عصر محمد على باشا، ثم فترة دخول الاحتلال الفرنسى وفرض قانون المحتل.

< هل حققت دار الإفتاء نجاحًا ملموسا فى مواجهة الفكر المتطرف إلكترونيًّا؟ وكيف ترى تأثير وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعى فى تضليل فكر الشباب؟

 << تطور حضور دار الإفتاء المصرية عبر منصات «السوشيال ميديا» بشكل ملحوظ بهدف مواجهة الفكر المتطرف عبر الفضاء الإلكترونى، وكذلك مواجهة المتشددين من أعضاء التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، والتى تعمل بكثافة ولديها القدرة على اختراق مواقع السوشيال ميديا نظرًا لسرعتها فى محاولات التجنيد والاستقطاب لعدد من الفئات العمرية التى توجد بكثرة عبر هذه الوسائل وخاصة الشباب. ودار الإفتاء كانت سباقة فى اختراق منصات التواصل الاجتماعى، وتعد صفحة دار الإفتاء المصرية «العربية» على الفيس بوك، هى النافذة الأكبر والأهم لدار الإفتاء المصرية، والتى أطلقت فى عام 2010 حيث تحظى بمتابعة أكثر 8 ملايين ونصف متابع وحاصلة على علامة التوثيق الزرقاء من فيس بوك، هذا إلى جانب إطلاق الدار لحسابين آخرين بالإنجليزية والفرنسية، والحسابان معنيان بنشر محتويات الدار باللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ بهدف الوصول لكافة المسلمين الناطقين باللغات الأجنبية.

 < أخيراً.. كلمة لفضيلتكم فماذا تقول؟

<< نحن أمام نازلة تحتاج إلى فقه آخر يتوافق مع الواقع والحاجة، ودار الإفتاء واكبت الحدث بفتاواها لحظة بلحظة وسخرت طاقتها لتقف مع الوطن وأبنائه فى هذه المحنة، ومن ثم علينا اتباع الأساليب الحكيمة فى الإنفاق وأن نستعين بالمؤسسات القوية ونلتزم بكافة ما يصدر عن مؤسسات الدولة من تعليمات من شأنها الحفاظ على النفس والوقوف مع جهود الدولة جنبا إلى جنب.