المخلفات الإلكترونية.. قنابل «ديجيتال»

المخلفات الإلكترونية.. قنابل «ديجيتال»
الثلاثاء, 14 يناير 2020 20:34
تحقيق ـ محمود إسماعيل

 

 

70٪ منها معادن ثقيلة.. وكل بوردة كمبيوتر تحوى 2 جرام ذهب!

مركز الناسرية بالإسكندرية أحد مشروعات التخلص الآمن من المخلفات الخطرة

 

 

ملايين الأطنان من الأجهزة الإلكترونية ذات التقنية العالية، بفضل التغيرات السريعة في التكنولوجيا وانخفاض الأسعار باتت تشكل أزمة فى التخلص منها، ما يجعل النفايات الإلكترونية واحدا من أهم التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين، تعرف النفايات الإلكترونية على أنها ما تبقى من الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة الاستريو الشخصية ومصابيح الفلورسنت والمصابيح المتوهجة، وكذلك الأجهزة المنزلية الكبيرة مثل أجهزة التلفاز والثلاجات والغسالات ومكيفات الهواء وغير ذلك، وأصبحت إدارة النفايات الإلكترونية تمثل تحديا رئيسيا يواجه العديد من البلدان الأفريقية بسبب نقص الوعي والتشريعات البيئية والموارد المالية المحدودة، ويعد الإغراق والحرق والدفن المكشوف طرائق التخلص السائدة المستخدمة في أفريقيا وأبرزها غانا بمدينة لومباشي بالعاصمة أكرا، مع وجود آثار خطيرة محتملة على صحة الإنسان والبيئة.

وجاء فى تقرير مركز حماية البيئة الأمريكية أنه يتم التخلص فقط من 10% من الأجهزة المستهلكة، أما الباقى فيعاد تصديرها للدول النامية وتنتج الولايات المتحدة 30 مليون حاسب آلي سنوياً.

وقالت فاطمة محسن رئيس جهاز إدارة المخلفات بوزارة البيئة سابقاً، المخلفات الإلكترونية سلاح ذو حدين يمكن أن يتم استخدامه كثروة اقتصادية تعود على المجتمع المصري بالنفع وذلك في حال فصل المعادن المتواجدة فيها بطريقة صحيحة من خلال مصانع متخصصة في ذلك لعدم الإضرار بالبيئة وضمان فصلها بالطريقة الصحيحة لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة خاصة من المواد النفيسة ويمكن أن تصبح المخلفات الإلكترونية أداة هدم للبيئة المصرية إذا تم فصل المعادن الموجودة بها بطريقة خاطئة ما يشكل ضرراعلى المجتمع لما في هذه المخلفات من مواد سامة.

وأوضحت رئيس جهاز تنظيم المخلفات سابقاً، أنه لحل مشكلة التخلص من النفايات الإلكترونية يجب قيام الشركات العملاقة بإلغاء المواد الكميائية السامة من بعض منتجاتها وتحسين برامج إعادة التدوير لديها، فالشركات التي تطرح في الأسواق أحدث الهواتف النقالة والحواسيب الشخصية الزاهية الشكل، تجني أرباحا هائلة وبالتالي فهي مطالبة باعتماد المعايير البيئية الوقائية والسلمية، وبوجوب الاعتماد على تشريعات صارمة لضمان إعادة تدوير كل تلك المنتجات.

وأضافت «محسن»، أن الدول والشركات العملاقة تقوم بتصدير القديم لديها من الأجهزة إلى البلدان النامية، وما زاد كمية هذه الأجهزة بمعدلات هائلة وتفاقم المشكلة في هذه البلدان على نحو مخيف خصوصاً في أفريقيا وأسيا وتدوير الإلكترونيات بشكل عام، هو عمل من أعمال معالجة النفايات من أجل إنتاج سلع جديدة، بالإضافة إلى أن الطرق السلمية في معالجة النفايات الإلكترونية تساعد على التقليل من كميات النفايات التي تجمع وتدفن في مكبات النفايات المطابقة للمواصفات، وبالتالي فإنها طريقة تساعد على تقليل انبعاث المواد السامة حال دفن الأجهزة في باطن الأرض.

وأكد محمد الزرقا خبير البيئة الدولى في إدارة المخلفات الخطرة، ضرورة الالتزام باتفاقية «بازل»  التى تحظر نقل المخلفات الخطرة عبر الحدود، وإعادة التدوير الرسمى التى تساعد على حماية البيئة منها وحسن استغلال مكونات تلك المخلفات، وطالب بتخصيص بعض من المنح لدعم تلك الصناعات، وأن يتم رعايتها والرقابة على كافة مراحل التدوير، والاتفاقية تهدف إلى الحد من نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتى تقوم الدول الصناعية الكبرى بإرسالها إلى الدول النامية التي ليس عليها رقابة مثل الدول الأفريقية والآسيوية ودول أمريكا اللاتينية فأكثر الدول الصناعية الكبرى هي التي ينتج عنها نفايات خطرة ويتم إرسالها إلى الدول النامية في صورة أجهزة كهربائية مستخدمة وحاسبات آلية، وأشار الى أنه أصبحت هناك الآن رقابة مشددة على تلك الأجهزة بموجب الاتفاقية، والاتفاقية تهدف كذلك إلى تقليل كمية وسمية النفايات المتولدة لضمان الإدارة السليمة بيئيا قدر الإمكان.

وأضاف «الزرقا» أن خطورة المخلفات الإلكترونية أشبه بالمارد الذى يهدد صحة الإنسان والحيوان والنبات ويلحق الضرر المباشر بسلامة البيئة، الأمر الذى يجبر دولاً متقدمة على التخلص منها بتصديرها لدول نامية، تشهد تلك الأجهزة كل عام تطورا يحث مواطنى الدول المتقدمة على التخلص منها لشراء الجديد، فتكثر لديهم المخلفات الإلكترونية، بحرق أنابيب الكاثود الموجودة فى شاشات التليفزيون والكمبيوتر وتحتوى على الرصاص السام والمدمر للخلايا العصبية فى المخ والأعصاب.

وأوضح خبير البيئة الدولي، أن هناك طرقاَ صحيحة للتخلص من المخلفات الإلكترونية دون إلحاق الضرر بالبيئة، مضيفا أنه حال تلف أو كسر جهاز سواء كهربائيا أو إلكترونيا يمكن التخلص منه بطريقة صديقة البيئة عن طريق تسليمه إلى الشركة المنتجة واستبداله بجهاز جديد مع مراعاة الفارق المادي، لافتا إلى أن الدول المتقدمة تتخلص من المخلفات الإلكترونية عن طريق تصديرها إلى الدول النامية تحت مسمي «أجهزة مستعملة»، وذلك لأن التخلص من هذه المخلفات بطريقة صحيحة مكلف جدا، حيث يحتاج إلي أماكن مخصصة لذلك ومعدات خاصة باهظة الثمن، مؤكداً أن مصر من الدول المتقدمة فى مجال إعادة تدوير النفايات الإلكترونية فى الشرق الأوسط، حيث تنتج نحو أكثر من 50 ألف طن سنويا لكن بدون الاستفادة من قيمتها الاقتصادية ويقتصر دور الشركات التى تعمل فى هذا المجال على تجميع وفرز النفايات وبيعها طبقا لجودتها للدول الأوروبية، نظرا لعدم وجود تكنولوجيا متقدمة آمنة بتكلفة مناسبة، قادرة على تحليل هذه النفايات محليا، ما قد ينعش الاقتصاد المصرى ويجعلنا من مصدرى المعادن الثمينة كالذهب.

وأشار «الزرقا» إلى أن مركز «الناصرية» بالإسكندرية لمعالجة المخلفات الخطرة يضم أحدث المشروعات لمعالجة المخلفات الإلكترونية بشكل صحي وآمن وهو مشروع إدارة مخلفات لمبات الفلورسنت للتخلص الآمن من عنصر الزئبق السام بمركز الناصرية في الإسكندرية، والهدف من المشروع تحقيق المنافع البيئية الناتجة عن تجميع ومعالجة غاز الزئبق الموجود في اللمبات، وأيضًا لتحقيق منافع اقتصادية تنتج من تدوير الأجزاء الزجاجية والمعدنية لاستخدامها في صناعات أخرى.

وأكد الدكتور نبيل عبدالمقصود، مدير مركز علاج السموم بمستشفى قصر العيني، أن  المخلفات الإلكترونية تحتوى على مواد كيمائية وعناصر ذرية ومعادن ثقيلة، تدخل فى الصناعات الإلكترونية بكثافة، وتسبب الفشل الكلوى والكبدى، وتتضاعف خطورتها لدى الأطفال، لأن المخ يكون لديهم أكثر استعداداً، لامتصاص تلك المعادن، فيقوم بسحب المواد الكيمائية من الدم، كما تسبب مشاكل نفسية، والتى ترتبط بسلامة الجزء الأمامى، من المخ من عدمه، فضلا عن تعرض العاملين فى صناعة الإلكترونيات لأمراض مهنية خطيرة، خاصة الأمراض الصدرية والجلدية.

 وطالب مدير مركز علاج السموم،  بضرورة رفع الوعي البيئى للمواطنين المستهلكين، من خلال التعريف بخطورة التخلص العشوائى منها، وكذلك توجيههم إلى الطرق المثلى للتعامل معها، من خلال تسليمها إلى المنافذ والجهات المرخص لها بذلك، بأن الحرق غير الكامل لكونه غير آمن لعنصر مثل الكربون

ينتج عنه تصاعد غاز أول أكسيد الكربون، وليس ثانى أكسيد الكربون، ويعد أول أكسيد الكربون غازا قاتلا، يسبب التسمم الدموى، حيث تلقى المخلفات الإلكترونية فى حالة التدوير غير الآمن أضرارها لتصل لمختلف جوانب الحياة البيئية، حيث تحتوى تلك المخلفات على 70% من المعادن الثقيلة، وبالتالى تمثل احتياطيا استراتيجيا للمعادن الثمينة للدول.

وأكد خالد العطار نائب وزير الاتصالات، أن الوزارة انتهت من المرحلة الأولى من مشروع صناعات التدوير المستدامة، والتى تضمنت إعداد دراسة عن إجمالى ما تنتجه مصر من المخلفات الإلكترونية، وتحديد الكميات التى تذهب للشركات التى تعمل بالاقتصاد الموازى، والتى تم تأهيلها لضمها للاقتصاد، مضيفا كما تضمنت المرحلة نقل خبرات علمية حول كيفية إدارة المخلفات الإلكترونية من تجارب دول متقدمة ومماثلة لمصر للشركات المحلية.

وأضاف «العطار» في تصريحات صحفية سابقة، تشكل المخلفات الإلكترونية مشكلة بيئية وصحية عالمية وتقدر بعشرات الملايين من الأطنان فى العالم سنويا، وتلجأ العديد من الدول للتخلص منها والاستفادة من مكوناتها بعمليات إعادة التدوير للحفاظ على الصحة والبيئة، ومصر أمامها فرصة كبيرة لتدوير المخلفات الإلكترونية لفصل المخلفات الخطرة ودفنها بطريقة آمنة، واستغلال المواد النفيسة والذهب والتى تضمها بعض المخلفات، والتى قد تدر 100 مليون دولار سنويا، مشيرًا إلى أن طن الذهب من «البورد» أكثر إنتاجا من منجم الذهب، إذ ينتج طن البورد كيلو و700 جرام ذهب.

وتابع نائب وزير الاتصالات، أن المرحلة الثانية من المشروع، تتضمن التفاوض مع الشركات المنتجة للحصول على رسوم بسيطة منها، قد تصل إلى 150 جنيها لكل جهاز، لمساعدتنا فى التخلص من النفايات الإلكترونية بطريقة آمنة، وتجنب حرق البلاستيك الذى يضر بالبيئة وصحة المواطن.

وقال طارق متولي عضو لجنة الصناعة بمجلس النواب، إن النفايات الإلكترونية الناتجة من الأجهزة الكهربائية وانتهى عمرها الافتراضي، مصدر تهديد للصحة والبيئة، إذا لم يعاد تدويرها بشكل سليم، على يد متخصصين، وخاصة أنها تلبي النفايات النووية من حيث الخطورة، ولكن تعتبر مصدر ثروات معدنية لا يستهان به، حيث يمكن استخراج معادن كثيرة منها، كنتيجة لإعادة تدويرها بداية من تجميعها، مروراً بفرزها وحتى استخلاص المعادن، وأمثلة ذلك البطاريات الجافة والهاتف المحمول واللاب توب وغيرها من المخلفات الإلكترونية.

وأشار عضو مجلس النواب، أن  منظمة الصحة العالمية حذرت من قدرة النفايات الإلكترونية على إصابة الآلاف بأمراض خبيثة، رغم أنها تحتوي على ثروات معدنية لا تقدر بثمن، خاصة مع ارتفاع نسبة هذه المخلفات المنتجة عالميا، إلى 55 مليون طن في عام 2016، ولابد من إعادة تدويرها بشكل صحي وآمن.

وفي هذا السياق، قال عصام درويش الخبير الاقتصادي، إن فكرة إعادة التصنيع  تمثل توجها عالميا وأحد أهم الصناعات في كل اقتصادات العالم لما فيها من نفع يعود على المجتمعات، حيث تعد سببا قويا في المحافظة على البيئة وتوفر فرص عمل، فتكلفة المادة المعاد استخدامها أقل بكثير من تكلفة المادة الخام، وإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية يدعم الصناعة المصرية ويعمل على تخفيض التكاليف الاستثمارية، حيث استخدام المادة بعد اعادة تدويرها أقل تكلفة من استخدامها كمادة خام في أول مرة، كما توفر عملية إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية فرص عمل وتساهم بقوة في الحفاظ على البيئة فعلى سبيل المثال الحصول على الأيزو يتطلب المحافظة على البيئة لضمان المنافسة بالمنتج عالميا.

وأوضح الخبير الاقتصادي، أن مصر لديها موارد كثيرة غير مستغلة الاستغلال الأمثل في ظل توجه العالم كله إلي إعادة تدوير المخلفات والتي أصبحت صناعة تسهم بقوة في انتعاش اقتصاد المجتمعات وعلى سبيل المثال الاقتصاد التركي من عوامل نجاحه الالتفات إلي هذه الصناعة بجانب اقتصادات كبري كالاقتصاد الأمريكي والصيني والألماني، قائلاً: «إذا كان تجميع القمامة يكلف على سبيل المثال مليون جنيه فإن إعادة تدويرها يحقق أرباحًا بالملايين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انفوجراف

- 35% نسبة زيادة كمية النفايات والمخلفات الإلكترونية سنوياً طبقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكية.

- 50 مليون طن  يتم إنتاجها من النفايات الإلكترونية سنوياً على مستوى العالم طبقاً لمنظمة البيئة العالمية.

-  30 مليون جهاز كمبيوتر سنويًا تتخلص منها الولايات المتحدة طبقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكية.

- 15-20٪ فقط من النفايات الإلكترونية يعاد تدويرها سنوياً طبقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكية.

- 75 % من النفايات السامة الموجودة في العالم هي نفايات الكترونية طبقاً لمنظمة البيئة العالمية.

- 60% قامت اليابان بتصنيع وإنتاج أجهزتها الكهربائية الجديدة من النفايات الإلكترونية طبقاً لمنظمة البيئة العالمية.