وسط تحذيرات من تخريج طلاب لم يتم تدريبهم.. ولا تزال هجرة الأطباء مستمرة

وسط تحذيرات من تخريج طلاب لم يتم تدريبهم.. ولا تزال هجرة الأطباء مستمرة
الاثنين, 02 ديسمبر 2019 20:57
كتب - حمدى أحمد

أثارت خطة الحكومة لتطوير منظومة الرعاية الصحية، التى بدأ تنفيذ أولى خطواتها مؤخرا، تحفظ واستياء الأطباء وخاصة بند التوسع فى أعداد المقبولين بكلية الطب لسد العجز الكبير داخل المستشفيات الحكومية.

الأطباء أكدوا أن هذا التوسع له تأثيرات سلبية على ممارسة مهنة الطب، خاصة وأن سد عجز الأطباء لن يكون بزيادة أعداد الخريجيين، بل من خلال حل المشاكل التى تواجههم وتتسبب فى استقالتهم وهجرتهم للعمل خارج البلاد.

وأكد الخبراء أن ضعف هيكل الأجور وإهمال المستشفيات الحكومية والمعاملة السيئة للأطباء داخلها والتعدى عليهم بالضرب من جانب البعض وراء هجرة الأطباء للعمل خارج مصر.

وحذر الخبراء من تخريج أعداد كبيرة من الأطباء دون تدريب عملى، وقالوا: لأنه كلما زاد عدد الطلاب فى الدفعة الواحدة، انخفضت جودة التعليم والتدريب الذى يتلقاه هؤلاء الطلاب، ما جعل بعضهم يشبه كليات الطب فى مصر حاليا بالكتاتيب التى تحفظ المعلومات للطلاب فقط، ولذلك فالمطلوب هو زيادة أعداد كليات الطب لكن بشرط الإبقاء على نفس عدد الخريجين سنويا، حتى لا تتضرر كفاءة التدريب المقدم للطلاب وبالتالى يتخرج جيل من الأطباء ذوى كفاءة منخفضة يضر بالمنظومة الصحية فى مصر.

ومؤخرا بدأت الحكومة خطوات تنفيذ خطة تطوير منظومة الرعاية الصحية للمواطن، وتوفير احتياجاتها من الأطباء والقوة البشرية المدربة، حيث أعلنت الموافقة على إنشاء 4 كليات طب خاصة جديدة هى الجامعة الحديثة وجامعة بدر بحيث تبدآن الدراسة خلال العام الدراسى الحالى 2019/2020، واثنتين أخريين بجامعة الدلتا للعلوم والتكنولوجيا وجامعة بدر، وتوقع تلك الجامعات تعاقدات مع مستشفيات تابعة لوزارة الصحة لتدريب الطلاب بها.

وكشف مجلس الوزراء، فى بيان أصدره سابقا، أن وزارتى التعليم العالى والبحث العلمى، والصحة والسكان أعدتا دراسة عن احتياجات مصر من العاملين بالقطاع الصحى، والتى أثبتت ندرة عدد الأطباء مقارنة بعدد السكان، نتيجة لثبات أعداد المقبولين فى كليات الطب مع استمرار الزيادة السنوية فى أعداد المواليد، واتجاه أعداد متزايدة من الأطباء للعمل فى خارج البلاد.

وأضاف البيان أنه بناء على مخرجات هذه الدراسة فقد اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات تهدف إلى التوسع الأفقى فى أعداد المقبولين بكليات الطب، بما لا يتعارض مع الاعتماد الدولى الذى حصلت عليه دراسة الطب فى مصر، عن طريق إنشاء كليات جديدة خاصة فى المحافظات التى لا توجد بها كليات طب.

يأتى ذلك فى الوقت الذى تعانى فيه مصر عجزا شديدا فى أعداد الأطباء بسبب هجرة نحو 100 ألف طبيب للخارج معظمهم فى السعودية وأستراليا وأمريكا، عقب تقديم استقالاتهم من العمل بالمستشفيات الحكومية أو العمل بشكل مؤقت فى هذه الدول.

نقابة الأطباء من جانبها، أعادت فى يوليو الماضى تحذيرها وإنذارها لكل الطلاب وأولياء الأمور قبل الالتحاق بكليات طب لا تنطبق عليها شروط التعليم والتدريب، مؤكدة أنه لن يتم قيد خريجيها بالنقابة.

وكانت النقابة العامة لأطباء مصر، أقرت فى جمعيتها العمومية الأخيرة قواعد لقيد خريجى كليات الطب الأجنبية والخاصة بالنقابة تتمثل فى أنه يشترط دراسة مواد الأحياء والكيمياء والفيزياء كمواد مؤهلة لدراسة الطب، ويجب تقديم شهادة الثانوية العامة قسم علمى أو شهادة توضح دراسة هذه المواد عند طلب القيد بالنقابة.

إضافة إلى عدم زيادة الفرق بمجموع الثانوية العامة على 5% عن الحد الأدنى للقبول بكليات الطب الحكومية المصرية فى نفس سنة الحصول على الثانوية العامة، على أن يتم تطبيق هذا البند على من سيحصلون على الثانوية العامة عام 2019 (العام الدراسى 2018 – 2019) وما بعدها، كما أنه لن يتم القيد بالنقابة لخريجى كليات الطب التى تدرس بلا مستشفى جامعي.

كما قرر مجلس نقابة الأطباء فى اجتماعه فى فبراير الماضى، عدم قيد خريجى كليات الطب الخاصة، التى يدرس الطلاب فيها دون وجود مستشفى جامعى ملكا خاصا للكلية وبعدد أسرة تتناسب مع عدد الطلبة، يشمل كل التخصصات على غرار المستشفيات الجامعية وذلك بالنسبة للكليات التى لم تبدأ الدراسة بها بالفعل.

أما الكليات التى بدأت الدراسة بها، أعطى المجلس لها فترة سماح 3 سنوات لتوفيق أوضاعها تبعا لقانون إنشاء الجامعات ولائحته التنفيذية، وإذا لم توفق أوضاعها بالقواعد السابقة نفسها خلال 3 سنوات من تاريخه، لن يتم قيد خريجيها.

باب الهجرة مفتوح

وقالت الدكتور منى مينا، عضو مجلس نقابة الأطباء السابقة، إنه من واقع سجلات النقابة العامة للأطباء فى فبراير ٢٠١٩، فإن إجمالى عدد الأطباء فى سن العمل والملتحقين بالعمل فى القطاع الحكومى يبلغ 188 ألفا و535 طبيبا، بمعدل 1.88 طبيب لكل ألف مواطن، وهناك أيضا 24 ألفا و300 طبيب، وبذلك يصبح عدد الأطباء بالقطاعين الحكومى والخاص 212 ألفا و835 طبيبا، بمعدل 2.1 طبيب لكل مواطن.

وأضافت «مينا» أن عدد الأطباء بالمعاشات 54 ألفا و12 طبيبا، وإذا قدر أن منهم على الأقل 20 ألف طبيب مازالوا يمارسون العمل فى القطاع الخاص بعد انتهاء الالتزام بالعمل الحكومى، يصبح الأطباء المؤهلون القادرون على العمل فى مصر 232 ألفا و835 طبيبا، بمعدل 2.3 طبيب لكل ألف مواطن.

وأشارت عضو مجلس نقابة الأطباء السابقة، إلى أن بيانات منظمة الصحة العالمية تقول إن 45% من الدول نسبة الأطباء بها أقل من طبيب لكل ألف مواطن، وتتجه أغلب الأبحاث لقبول نسبة 2 طبيب لكل ألف مواطن كنسبة مقبولة، لذلك يتضح أن عدد الأطباء المتخرجين فى كليات الطب الحالية يوفر 2.3 طبيب لكل ألف مواطن وهى نسبة كافية، ولا يوجد أى احتياج لزيادة عدد كليات الطب ولا لزيادة عدد الخريجين.

وتابعت «بالرغم من هذه الأرقام المؤكدة من سجلات نقابة الأطباء، نلاحظ بالفعل وعلى أرض الواقع، عجزا شديدا فى الأطباء، فى أغلب المستشفيات والوحدات الصحية، وهو عجز ناتج عن هروب الأطباء من ظروف العمل فى مصر، التى أصبحت شديدة القسوة والإهانة للأطباء، لذلك نجد موجات متزايدة من هجرة الأطباء، سواء للعمل المؤقت فى الدول العربية والإفريقية، أو للهجرة الدائمة لبلدان العالم الأول».

وقالت الدكتورة منى مينا: الملاحظات العامة تشير إلى أن أكثر من نصف الأطباء نزحوا فعلا للخارج، وهذا هو سبب العجز الرهيب الذى نراه، متسائلة: هل يحل هذا العجز إنشاء المزيد من كليات الطب الخاصة أو الحكومية؟، بينما تستمر وتزداد عوامل الطرد، لننزف أغلب أطبائنا للخارج.

ولفتت منى مينا، إلى أن ما يزيد الأوضاع سوءا أن هذه الكليات المزمع إنشاؤها لا تملك إمكانات التدريب العملى والإكلينيكى الضرورية، وعلى رأسها المستشفى الجامعى الذى يعتبر العمود الفقرى لكلية الطب، وبذلك يتضح أننا نتجه لتخريج أعداد غفيرة من الخريجين بدون تدريب، لندخل بالمنظومة الصحية فى منحدر غير مسبوق من فوضى الممارسة الطبية.

وتابعت «نحن نحتاج لحلول لمشكلات العمل الطاردة للأطباء، وهى حلول معروفة منها تطبيق القوانين المجمدة التى تعطينا بعض المميزات البسيطة والاهتمام بوقف

الاعتداءات اليومية على الأطباء، والاهتمام بتحسين بيئة العمل وتحسين أجور الأطباء، ولا نحتاج لكليات جديدة، تعمل بدون المقومات الأساسية اللازمة لتخريج طبيب، وعلى رأسها المستشفى الجامعي».

وحذرت عضو مجلس نقابة الأطباء السابقة، من كارثة الاندفاع لتخريج أعداد كبيرة من الأطباء ضعيفى المستوى، ما سينتج عنه انهيار كامل لمهنة الطب، وللخدمة الطبية فى مصر، ولسمعة الطبيب المصرى، وتعرض الأطباء لانهيار فرصهم للعمل سواء فى الداخل أو الخارج، وهى كارثة لن يستفيد منها إلا أصحاب الجامعات الخاصة وبزنس التعليم الطبى.

أسباب الهجرة

وقال الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، إن إنشاء كلية طب بدون مستشفى جامعى أمر غير صحيح ويعتبر تمييزا للخصخصة.

وأضاف خليل، أن مصر بلد منتج للعمالة حيث يتم تخريج 10 آلاف طالب سنويا، ولكنها فى نفس الوقت طاردة لهم، لأنهم يهاجرون للسعودية وأستراليا وأمريكا، مشيرا إلى أن السعودية وحدها بها 60 ألف طبيب مصرى وأستراليا وأمريكا بهما 20 ألفا، ويرجع ذلك إلى ضعف هيكل الأجور والموازنة الضعيفة لوزارة الصحة. 

وأوضح منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، أن الدستور نص على أن موازنة الصحة تكون 3% من الناتج المحلى الإجمالى تزيد تدريجيا حتى تصل للنسبة العالمية وهى 6%، وهذا الأمر لم يتم حتى الآن منذ إقرار الدستور، لافتا إلى أن موازنة العام الحالى أقل من 1.5% من الناتج المحلى، حيث تبلغ 73 مليار جنيه، بينما الناتج الاجمالى 5 تريليونات جنيه، قائلا «هذا الاستخسار فى الموازنة يدمر الصحة ويجبر العناصر البشرية للهجرة خارج مصر وإحنا عندنا عجز أساسا».

ولفت إلى أن تعديل هيكل الأجور وإصلاح المستشفيات وصيانتها، أهم عوامل نجاح المنظومة الصحية فى مصر، وسد العجز لن يكون إلا من خلال تحسين ميزانية الصحة وليس زيادة أعداد الخريجين بإنشاء كلية طب خاصة.

40 كلية جديدة

وقال الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق: مصر فى حاجة لكليات طب جديدة نتيجة التكدس الرهيب للطلاب فى الكليات الموجودة حاليا والذى يستحيل معه تقديم تعليم طبى حقيقي.

وأضاف «سمير» أن الكليات تحولت إلى كتاتيب تحفظ المعلومات للطلبة كالمدارس الثانوية بدون وجود اكتساب مهارات أو تدريب حقيقى، مشيرا إلى أن تعليم الطب فى مصر أصبح نظريا وليس عمليا. وقال: نحتاج 40 كلية طب فى مصر، ولكن فى نفس الوقت دون زيادة فى أعداد المقبولين.

وأوضح عضو مجلس نقابة الأطباء، أن محور الخلاف بين نقابة الأطباء والحكومة هو أن الحكومة تريد سد عجز الأطباء بزيادة أعداد الخريجين، والنقابة تريد زيادة أعداد الكليات مع الإبقاء على عدد الخريجين كما هو، لأن العدد الحالى كافى، فالمطلوب عن زيادة كفاءة الخريجين وليس زيادة أعدادهم.

وتابع «إحنا عاوزين نقلل الكثافة فى الكليات بحيث يكون عدد الطلاب فى الدفعة الواحدة ما بين 200 و250 طالب فقط، بينما الحكومة تريد التوسع فى إنشاء كليات الطب لزيادة أعداد الخريجين لسد العجز وهذا خطأ، لأننا إذا ما أردنا تعليما طبيا حقيقيا يجب أن تقلل الكثافات فى الكليات».

وأكد سمير أنه لابد أن يكون هناك مستشفى جامعى فى كل كليات الطب، ولكن الخلاف حاليا يتمحور حول ما إذا كان يجب أن تملك الكلية هذا المستشفى الجامعى أم لا؟، ولذلك فإنه قد لا تملك الكلية المستشفى الجامعى ولكن يجب أن تتعاقد مع مستشفيات جامعية أخرى. 

واستكمل عضو مجلس نقابة الأطباء «بالفعل تم إنشاء 3 كليات طب خاصة بدون مستشفى جامعى، وهى 6 أكتوبر، ومصر للعلوم والتكنولوجيا، ونيو جيزة، حيث ترسل هذه الكليات طلابها إلى مستشفيات قصر العينى لكى يتدربوا فيها، وهذا الأمر أيضا غير صحيح، لأن مستشفيات قصر العينى تمتلئ بالطلاب، ولذلك لا يوجد تعليم وتدريب جيد لهم، وفى النهاية يتخرج أجيال من الأطباء ذوى كفاءة منخفضة، ولهذا يجب إنشاء هذه الكليات مستشفيات خاصة بها، تمتلك الكوادر الطبية الجيدة والتمويل اللازم والأجهزة الحديثة، أو تتعاقد مع مستشفيات جامعية أخرى، ويوجد الكثير منها على استعداد للقيام بهذا الدور فى مصر حاليا».

ولفت «سمير» إلى أن مشكلة التعليم الطبى حاليا بسبب تدخل الحكومة فى الشأن الطبى والصحى، وهذا خطر جدا، مشيرا إلى أنه فى كل بلاد العالم المتقدم هناك مجالس عليا خاصة بالتعليم الطبى والصحى بعيدة عن سلطة الحكومات، لأن هذه الحكومات تختلف بين فترة وأخرى، فقد تكون يمينية أو يسارية أو وسط، وكل حكومة تريد تنفيذ أفكارها والخاسر فى النهاية يكون التعليم والطلاب.