د. عبدالوهاب القرش : «السلفية» «سبوبة» الأدعياء!

د. عبدالوهاب القرش : «السلفية» «سبوبة» الأدعياء!
الأربعاء, 04 سبتمبر 2019 20:19
حوار ـ صابر رمضان - تصوير ـ حسام محمد:

محاربة التدين الفاسد.. سر نجاح وتقدم الغرب

الملحدون العرب «وكلاء» تسويق أفكار غربية لهدم الإسلام

الجماعات المتطرفة سبب رئيسى فى تشويه صورة المسلمين

الفقر والجهل والبطالة.. مفاتيح التنظيمات الإرهابية لاستقطاب الشباب

نظرية المؤامرة «حجة الضعيف».. وواقع المجتمعات الإسلامية محبط

 

الدكتور عبد الوهاب القرش مدير مركز الطبرى للدراسات الإنسانية، حصل على الدكتوراه فى العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الأولى؛ كما نال الدكتوراه الفخرية من منظمة الفرات للسلام العالمى عام 2017، قام بتدريس فقه السيرة النبوية وتاريخ الدولة الإسلامية والعلاقات الدولية فى الإسلام كما شارك بالتدريس فى جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان.

قدم «القرش» العديد من الأبحاث العلمية التى لاقت صدى واسعا فى المحافل العلمية أهمها صورة اليهودى فى الأدب الإسبانى فى العصور الوسطى، وصدر له العديد من المؤلفات، منها «فى ظلال العصر» و«اليتيم الهاشمى» و«الخلاص فى الإخلاص» و«الإسلام والغرب..دراسة فى الجذور التاريخية» و«فن الإلقاء..خبرات وتجارب» كما كتب فى العديد من الدوريات والمطبوعات الصحفية فى مصر وحول العالم..«الوفد» التقت مع مدير مركز الطبرى فى هذا الحوار:

< بداية لماذا تقدم الآخرون وما زالت شعوب العالم الإسلامى ترزح تحت مشكلات الفقر والجهل والتخلف ونقص التكنولوجيا والتنمية وغيرها؟

<< فى رأيى لقد تقدم الغرب فى العلوم الطبيعية، لأنه سلك المسلك الصحيح للتطور التقنى، وتعامل مع القوانين الإلهية فى الطبيعة بشكل صحيح كما تعامل بها الهندوس والبوذيون وغيرهم من الأمم الوثنية، لقد حارب الغرب التدين الفاسد الذى عبثت به أيدى المتلاعبين من رجال الدين، الذين اصطدموا مع الحقائق العلمية الطبيعية وجهًا لوجه، فكانت سنة الله تعالى فى خلقه أن تزاح المفاهيم الكنسية المنغلقة من طريق العلم الطبيعى، ليواصل العلم الطبيعى مسيرته، بعيدًا عن الدين المحـرف وإن كان سماوى الأصل، فكان ما كان من التقدم الكبير الذى أحرزته أوروبا فى مجال العلوم الطبيعية، وسِر نجاح الغرب هو العمل الجاد فى المختبر والمصنع، والتفوق فى الإدارة، وتقدير الكفاءات العلمية، ودعم البحث العلمى، وهذا أمر لم يَدعُنا إليه الملحدون العرب - مع الأسف-، فلم ينقلوا إلينا المصنع ولا المختبر ولا الإدارة والتفوق فيها، ولا دعموا البحث العلمى، بل كان ديدنهم هو التشكيك فى الإسلام، والطعن فى القرآن والسنة والصحابة وتاريخ الأمة، وتغييب الأمة عن الوعى بالإسلام، ولم يكن لهم من دور فى الحداثة والابتكار، ولم يتجاوزوا أن يكونوا وكلاء سيئين لتوزيع الفكر الفلسفى الإلحادى، الذى أمر الإسلام بهجره والبعد عنه، وتركوا التطور فى العلوم الطبيعية فى أوروبا الذى يأمر الإسلام بالاستفادة منه، ففعلوا الممنوع وتركوا المشروع، وكان دورهم فى عالمنا الإسلامى أشبه بدور الكنيسة فى أوروبا، بينما يقوم الإسلام بدور العلم!..ونتيجة ذلك أن شعوب العالم الإسلامى باتت ترزح تحت مشكلات الفقر والجهل والتخلف.

< هل ترى أن جماعات الإسلام السياسى وعلى رأسها الإخوان المسلمون والسلفيون أضروا بالإسلام وصورته؟

<< هذه حقيقة.. فقد خطف قادة جماعات الإسلام السياسى الإسلام وحولوه إلى رهينة بيد قواهم الظلامية تستخدمه فى كل أعمال البغى والفجور والظلم والعربدة، وتم مسخ الإسلام وتشويهه والافتراء عليه. فصار دين قتل وذبح بدلًا من دين رحمة وعدل.. دين اعتداء على حرمة وأعراض ودماء ومال الآخرين، بدلًا من دين تسامح وحوار وتعايش وحماية الإنسان مهما كان معتقده ودينه وفكره!.. ولم نجد أحدًا من كتائب جماعات الإسلام السياسى المدججة بالمال والسلاح، والمتخمة بأموال النفط؛ يتحدث أو يكتب عن الهزائم الاقتصادية التى أصابت الأمة، وشلَّتْ قواها أو يكتب عن قضايا التربية والتعليم، أو يكتب عن سنن الله الكونية فى بقاء الأمم وهلاكها.. والتى شغلت النصيب الأكبر من الوحى الكريم!.

< كأستاذ للتاريخ الإسلامى هل ترى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعرف قيمة مصر وأهميتها فى الحضارة الإنسانية؟

<< أظن أنه لو لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين أى ممارسة أو طموحات سياسية، وتخلوا بعد ثورة 23 يوليو وتأسيس النظام الجمهورى عن فكرة بقاء التنظيم، وأوهام الأممية وأستاذية العالم، وأحلام الوصول للسلطة وحكم الدول المصرية، وتوقفوا عن توظيف الدين لأهداف سياسية، وخلط الدين بالسياسة، وأصبحوا مجرد جماعة دعوية وخدمية مندرجة، تحت مشروع وقوانين وأهداف الدولة الوطنية.. لو فعلوا ذلك، لأصبحوا إضافة للمجتمع والدولة.. ولكنهم جنوا على مصر حيث أوقفوا التطور الإيجابى فى مشهدها السياسى عن تجييش الناخبين بعد خداعهم وتضليلهم باسم الدين، وعندما وصلوا للسلطة واحتكروها، مسخوا فيها مفهوم الدولة الوطنية المدنية. أما الجناية الكبرى لهم على مصر أنهم روجوا قبل وبعد وصولهم للسلطة لخطاب دينى وسياسى واقتصادى غير واقعى، مما تسبب فى خلق طوفان من التطلعات السياسية والطبقية لدى قطاع عريض من الشباب من أبناء الطبقة الفقيرة والطبقة المتوسطة، مما سبب بلبلة فى كيان المجتمع المصرى.

< كيف ترى الانتهاكات التى يتعرض لها المسلمون فى بورما وما واجب الدول الإسلامية نحو هذه النكبة؟

<< لقد كشفت «محارق بورما» عن الوجه الحقيقى للمنظمات الدولية التى صمتت على هذه الجرائم، ولم تفرض أية عقوبات على ميانمار بسببها، مع أن ما دونها يستنفر العالم..كما كشفت «محارق بورما» هشاشة ودجل الهيئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات الهامدة الجامدة المحنَّطة؛ التى ترفع شعارات «الإسلامية، والأصولية، والسلفية، والوهابية» والتى أكل الدهر عليها وشرب، وتمضمض واستنشق؛ تراهم يحرصون على أداء العمرة عشرات المرات، ويبخلون على دعم المجاهدين بهذه الأموال، وتجدهم يقاتلون من أجل الحفاظ على صلاة التراويح.. وتشل أيديهم وتخرص ألسنتهم وهم يرون أطفال بورما ونساءها يتساقطون بالمئات! بل أصابهم الصمم والعمى وهم يشاهدون مساجد بورما ومآذنها تتهاوى على شاشاتهم وفضائياتهم.. فيحوقلون، ويستغفرون، ويلعنون الغرب والغربيين!

إن واجب الأمة الإسلامية فى نصرة مسلمى بورما عظيم لأنهم جزء منها.. فعلى الدول الإسلامية أن تتحرك سياسيًا على أقل تقدير تهديد بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع حكومة ميانمار (بورما)، وأن تبرز قضيتهم أمام الرأى العام العالمى، وأن تتوجه للضغط على دول العالم من أجل وقف هذه المجازر المروعة، والعمل على تقديم الجهود السياسية والإنسانية من أجل التخفيف من معاناتهم واسترداد آدميتهم المهدورة.

< العالم الإسلامى يعانى من الفكر التكفيرى الذى كان له تأثير كبير على الدعوة الإسلامية، فما تأثير ذلك على واقع المسلمين؟

<< نحن، كعرب ومسلمين، فى مواجهة كارثة تهدد وجودنا على يد حفنة منحرفة ضالة خرجت بالإسلام من عظمته وبهائه وعدالته وسماحته ونصوص قرآنه وحديث نبيه، ووضعته على حد السيف تستبيح به دماء العباد، وتقطع به الرقاب وأوصال الأوطان، وتنفذ مشروعًا منحرفًا ومشبوهًا يصب فى مجرى تدمير الأمة.

< هل هناك علاقة بين الجهل والفقر والبطالة والتطرف والإرهاب؟

<< نعم: إن الفقر والحياة على هامش المجتمع كلاهما يدفع الشباب إلى الولوج فى دروب التطرف والعنف والتمرد، كما أن التهميش والحرمان من الحقوق الاجتماعية، وعدم فهم النصوص الدينية فهمًا صحيحًا، وتدنِّى المستوى التعليمى، وسوء الأحوال الاقتصادية، وفقدان أحد الوالدين أو كليهما، كلها من العوامل التى تلعب عليها التنظيمات الإرهابية لاستقطاب مجندين جُدُد.

< كيف تنظر إلى الإلحاد وهل تحول إلى ظاهرة؟

<< وصف الإلحاد فى مجتمعنا بأنه ظاهرة وصف غير دقيق فى الوقت الراهن...لكنه بلا شك ظاهرة عالمية؛ فالدراسات الحديثة تقول بأن نسبة الإلحاد بين سكان العالم تصل إلى السدس. ولكن رغم تدين مجتمعنا إلا أنه مرشح وبقوة لأن يصبح الإلحاد فيه ظاهرة بين الشباب وبخاصة مع عدم وجود الممانعة المناسبة لحجم ضغوط العولمة وإغراءات الحياة المادية، وزخمها الإعلامى القاهر، ناهيك عن أن الشباب يتابع مشاكلات الهوية والصراعات الفكرية والأسئلة الوجودية والصدامات الفلسفية. يحدث هذا فى نفس الوقت الذى نشهد فيه ضعفًا فى الحملات الوقائية الموجهة للشباب لتحصنهم من تلك الأخطار.

< لماذا تخاف التيارات الأصولية فى رأيك من تجديد الخطاب الديني؟

<< ببساطة شديدة أن تجديد الخطاب الدينى معناه الدعوة لنبذ العنف والتطرف والتشدد الفكرى ونشر وسطية الإسلام، وهذا لا يلتقى مع منهج التيارات الأصولية الذى يميل إلى التطرف والتكفير والتشدد الفكرى.

< ماذا تعنى السلفية وهل سلف اليوم هم سلف الأمس؟

<< معروف أن «السلف» هم أهل القرون الثلاثة الأول، الذين مدحهم النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».. هؤلاء هم السلف الصالح.

 إذن؛ من يدعى أنه سلفى فى هذا العصر، أو يحاول أن ينسب نفسه إليهم ظلمًا وزورًا؛ فهذا لون من ألوان الدجل والخداع والتضليل والتدليس؛ الذى لا يقبل بأى شكل من الأشكال!

فقد صارت كلمة «السلفية» سبُّوبة يتكسب من ورائها قطيع كبير من الأدعياء! باسم «السلفية» أُنشئت مؤسسات، وأحزاب، وصحف، وفضائيات تكفيرية، وكثر النصب والاحتيال والدجل، وعُقِدت الصفقات المريبة، وتم الترويج لمشاريع وهمية، وراجت صناعة «النجوم»!!

باسم «السلفية» راجت الكتب البالية، والأفكار الشاذة، وحُورِب العلماء والدعاة والمصلحون، وسُفِكت الدماء، وزهقت الأرواح، وانفصلت أجساد عن رءوسها!..باسم «السلفية» هُدِّمتْ صوامع وبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيرا!.. باسم «السلفية» حدث ما لا عين رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، وما لمْ يخطر على قلب بشر!..

< ذاع على ألسنة السلفيين اليوم أنهم وأتباعهم هم الفرقة الناجية التى وردت فى الحديث النبوى الشريف.. فما رأيك؟

<< هكذا يرى السلفيون أنفسهم.. وهذا ينافى العدل الإلهى.. فانظر فى نفسك تعرف الفئة التى ستؤول إليها. فبقدر السلام الذى فى نفسك ستكون من الفرقة الناجية.. وبقدر التوتر والغل والحقد وشهوة الهدم تكون من الفرقة الهالكة.. ولا تغرك بطاقات جماعات الإسلام السياسى وراياتهم المرفوعة وتصريحاتهم وهتافاتهم.. فكم من مسلم فى البطاقة، وهو أشد كفرًا من أبى جهل إنما النيات والأفعال هى الرجال.. والباقون من جماعات التكفير حطب النار.. فتراهم فى نار نفوسهم يؤججون الأحقاد ويسعرون الفتن. وها هم فى سعار الخلافات وفى أتون الحروب فى سوريا وليبيا!.

< هل تؤمن بنظرية المؤامرة من قبل الغرب تجاه الإسلام والمسلمين؟

<< «نظرية المؤامرة»، مصطلح دائمًا ما يستخدمه الجانب الأضعف فى أى معادلة إنسانية لوصف المحاولات المستمرة للجانب الأقوى لإقصائه من المعادلة..وتمر الأمة الإسلامية اليوم بأشد فترات ضعفها.. فواقع المجتمعات الإسلامية محبط للغاية. وللدفاع عن نفسها والرفع من معنوياتها، تلجأ إلى فكرة المؤامرة، مدعية أن الأمة الإسلامية تشكل خطرًا على العالم بحكم انتمائها للإسلام، مما جعل أعداء المسلمين يتآمرون ضدها لكى لا تتطور وتسيطر بالتالى على العالم. وهذا بالطبع خيال كبير على وزن «عندى أعداء، عندى ما يُرعبهم»!

< تنظيم داعش الإرهابى هل ترى أنه سينحسر خلال الفترة المقبلة أم سيمتد مرة أخرى على نطاق أوسع وهل ترى أن له علاقة بتنظيم القاعدة؟

<< لنكن واقعيين عند رصد واقع تنظيم «داعش» أو أى تنظيم إرهابى آخر، لأن هذا النوع من العنف هو عبارة عن موجات متكررة ودائمة باسم الدين وباسم الإسلام، وهو عبارة عن مغناطيس قوى يجذب أبناءنا وشبابنا ويودى بهم وبإخوانهم إلى التهلكة.. وقد نشأ داعش من بقايا تنظيم القاعدة فى العراق، وتوسع فى سوريا فى ظل الفراغ الأمنى.. وتم كل ذلك بتسهيلات مقصودة، أمريكية وغربية، وتركية، بل إن قيادات الصفين الأول والثانى فى تنظيم داعش كلها عناصر استخباراتية تتبع دولًا عدة.

< البعض يلوم المؤسسة الدينية لعدم تقديم خطاب دينى معاصر حتى الآن يواكب الفترة الراهنة.. فما تعليقك؟

<< إن الخطاب الدينى يجرى تجديده وهناك جهود فعلية يبذلها رجال الأزهر والأوقاف والإفتاء فى هذا الصدد إلا أنها غير ملموسة، ولكن المؤسسات الدينية فى حاجة ماسة للالتحام مع الشباب بشكل أقوى من أى وقت مضى ولا نتسرع النتيجة بل علينا التريث والصبر بعض الوقت.