رحلة العائلة المقدسة.. سياحة واستثمار وأيقونة حج

رحلة العائلة المقدسة.. سياحة واستثمار وأيقونة حج
الأربعاء, 28 أغسطس 2019 21:25
إشراف : نادية صبحي - ملف أعدته: نادية مطاوع:

هى أحد أشهر وأعظم وأقدس رحلة فى التاريخ.. رحلة بأمر الله تعالى، هربت فيها العذراء مريم بوليدها من بطش الإمبراطور هيرودوس إلى مصر حيث الأمن والأمان.. رحلة أنقذت فيها الأم وليدها من بطش ملك جائر، وأنقذت بها الإنسانية من ظلمات الجهل والتدين الأجوف والعنصرية.

وبعد 2000 سنة أحيت مصر هذه الرحلة لتصبح مزارا أثريا وسياحيا من المفترض أن ينعش السياحة الدينية لمصر، ومن هنا بدأت الوزارات المعنية والمحافظات تأهيل 5 مزارات كمرحلة تجريبية من بين 25 مزارا تقع فى مسار رحلة العائلة المقدسة، تمهيدا لإتمام المشروع الذى اعتبرته الفاتيكان أيقونة حج لمسيحيى العالم الذين يقدر عددهم بـ2.3 مليار شخص فى العالم.

إحياء هذه الرحلة المقدسة يعد فاتحة خير للسياحة المصرية، فلو حسن استغلال هذا المسار المقدس لأمكن لمصر تنشيط السياحة الدينية وتشجيع الاستثمار، وجنت من ورائه الخير الكثير.

 

من رفح سيناء إلى قوصية الصعيد

2000 كيلومتر.. من الأراضى المباركة

 

جاء فى إنجيل متى أن ملاك الرب ظهر ليوسف النجار فى حلم قائلا: «قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر. وكن هناك حتى أقول لك. فقام وأخذ الصبى وأمه ليلا وانصرف إلى مصر».

وكانت هذه هى بداية أقدس رحلة فى التاريخ، والتى هربت فيها مريم أطهر نساء العالمين بوليدها كلمة الله عيسى عليه السلام إلى مصر الأمن والأمان، ولم يسر الركب المقدس فى الطرق التجارية المعروفة آنذاك، وإنما سلكوا طريقا آخر جابوا فيه مصر طولا وعرضا، حتى لا يتعرف عليهم أحد.

وتؤكد المصادر التاريخية أن رحلة العائلة المقدسة لمصر استمرت لمدة 46 شهراً، وامتدت لمسافة 2000 كيلومتر، بدأت من رفح بسيناء وانتهت بالقوصية بأسيوط، وقسمها العلماء إلى 3 مراحل:

< المرحلة الأولى انتقلت خلالها العائلة المقدسة من العريش، إلى الفرما، وتل بسطة، ومسطرد، وبلبيس، وسمنود، وسخا، ووادى النطرون.

< المرحلة الثانية: تنقلت فيها ذات العائلة من المطرية، وبابليون (مصر القديمة)، وميت رهينة، والمعادى.

< المرحلة الثالثة فتضم كلا من البهنسا، وجبل الطير، والأشمونين، وفيليس، وقسقام، ومير، وجبل قسقام، وجبل درنكة.

والثابت تاريخيا أن العائلة المقدسة قد قضت فى بعض المدن أسبوعا أو بضعة أيام، وفى مدن أخرى شهرًا أو أكثر، أما أطول مدة فكانت 185 يوما قضتها فى جبل قسقام بالصعيد.

وبشكل أكثر تفصيلا تقول المصادر التاريخية إن العائلة المقدسة دخلت مصر هاربة من اضطهاد الإمبراطور الرومانى هيرودوس، عبر صحراء سيناء حيث مرت برفح ثم العريش، حيث توجهت إلى مدينة الفرما القريبة من بورسعيد التى تعنى باللغة المصرية القديمة «بيت آمون» والتى ما زالت تحمل آثارًا لتلك الرحلة، وأصبحت بعد ذلك مركزا للرهبنة، حيث إنها تعتبر أيضاً المحطة الأخيرة للرحلة المقدسة.

ومن الفرما توجهت العائلة المقدسة إلى منطقة تل بسطا بجوار مدينة الزقازيق، وهى من اشهر المدن المصرية القديمة، وكانت تسمى باستيت أى مدينة الألهة، وتروى المصادر التاريخية والدينية أن سيدنا المسيح طلب أن يشرب فلم يقدم له أحد الماء، فرسم المسيح دائرة بإصبعه على الأرض، فتفجر منها نبع ماء فشرب المسيح وشربت معه العائلة، وتم إنشاء كنيسة فى هذا الموضع.

ثم اتجه الركب المقدس إلى مسطرد حيث تفجر بئر ماء مقدس، وقامت السيدة العذراء باستحمام السيد المسيح لذلك سميت المنطقة بالمحمة، ثم اتجهوا إلى بلبيس بالشرقية حيث استراحوا تحت شجرة جميز ظل الناس يحجون لها حتى عام ١٨٥٠، وزارها نابليون بونابرت إبان الحملة الفرنسية على مصر فى نهاية القرن الثامن عشر.

ثم اتجهت الرحلة بعد ذلك إلى محافظة الغربية وتحديدا إلى مدينة سمنود، حيث استراحوا بها تحت شجرة جميز بنيت مكانها كنيسة للعذراء والشهيد أبانوب فى القرن الرابع الميلادى، وبها بئر ماء بجوارها ماجور من الصخر قيل إن العذراء عجنت فيه الخبز، ثم كنيسة باسم القديس ابانوب البهنسى يحج إليها المسيحيون يوم ٣١ يوليو احتفالا بمولده.

ثم اتجهوا بعد ذلك لقرية سخا، بكفر الشيخ، حيث يوجد حجر رملى طبع عليه قدم السيد المسيح، وتم إنشاء كنيسة بها، يحج لها المسيحيون سنويا يوم ٢٢مايو، ثم اتجهوا غربا وعبروا النيل عند دسوق واتجهوا جنوبا حيث محافظة البحيرة حتى وصلوا طرانة قرب الخطاطبة، ثم وادى النطرون فى منطقة برية، وكان يوجد بها نبع يسمى نبع الحمراء، وبه ماء مالح، إلا أنه نبع فى وسطها نبع ماء عذب ببركة إقامة العائلة، وهذه المنطقة أقيم بها ٥٠٠ دير تبقى منها أربعة هى أديرة أبومقار والأنبا بيشوى والسريان والبراموس.

ثم عبروا النيل جنوبا حتى وصلوا القناطر الخيرية بالقليوبية لتبدأ بعد ذلك المرحلة الثانية من الرحلة، حيث توجهوا إلى منطقة عين شمس والمطرية التى كان يسكنها حوالى 2000 يهودى.

واستراحت العائلة تحت شجرة «جميز»، وهناك حدثت معجزة أخرى حيث أخذ المسيح العصا التى كان يتوكأ عليها «يوسف النجار»، وكسر منها قطعة، وغرسها ووضع يده فى الأرض فنبع الماء وخرج نبات «البيلسان»، الذى يستخرج منه زيت البلسم، وهو نبات ذو رائحة ذكية ومازالت بقايا البئر والشجرة موجودة فى منطقة المسلة بالقاهرة والشجرة معروفة باسم شجرة مريم.

ثم اتجهت العائلة إلى المنطقة التى عرفت بعد ذلك باسم باب زويلة، وأنشئت فيها كنيسة العذراء وبها بئر ماء، ويحتفل المسيحيون فيها يوم 20 يونيو من كل عام، ثم توجهوا بعد ذلك إلى أبواب بابليون (مصر القديمة) حيث كنيسة أبى سرجه الأثرية المعروفة باسم الشهيدين سرجيوس وواخيس.

واختبأت العائلة المقدسة فى مغارة، حيث بنيت هناك كنيسة أسفل كنيسة أبى سرجة، ثم استقلت العائلة مركبا فى النيل للمعادى، واستقرت فى مكان تم إنشاء كنيسة العذراء به، ويوجد بساحتها السلم التى نزلت منه العائلة لتأخذ مركبا شراعيا لتعبر النيل للصعيد.

وهنا تبدأ المرحلة الثالثة من البهنسا حيث جبل الطير الأشمونين وقسقام، وجبل درنكة، وتم تأسيس دير العذراء بجوار جبل الكف وهى كنيسة منحوتة فى الصخر، وهناك حدثت معجزة جديدة حيث منع المسيح صخرة كانت ستسقط من الجبل، حيث مد كفه ليمنعها من السقوط، ولذلك سمى الجبل بجبل الكف كما أن شجرة من أشجار السرو سجدت عند مرور العائلة ومازالت، وتسمى بالشجرة العابدة وأوراقها خضراء مائلة على الأرض.

ثم اتجهت العائلة إلى الأشمونين واتجهوا لديروط بأسيوط، فالقوصية، ثم دير المحرق عند جبل قسقام والذى يعد من أهم محطات العائلة المقدسة، حيث قضوا بها ستة أشهر وعشرة أيام، وأسسوا أول كنيسة فى مصر والعالم بها.

ويوجد بها الآن دير العذراء، وبقايا الكنيسة الأثرية فى المغارة، وبها الهيكل الذى يوجد فى وسط مصر بالضبط، وتعتبر هى أول كنيسة كرسها المسيح بنفسه فى العالم وهى بيت لحم الثانية.

وتنتهى الرحلة فى جبل درنكة حيث أقامت العائلة فى مغارة منحوتة فى الجبل، وهناك ظهر الملاك ليوسف النجار وأمره بالعودة إلى فلسطين واستمرت هذه الرحلة ثلاثة أعوام وعشرة أشهر لتعود العائلة المقدسة بعد ذلك إلى فلسطين، وبدأت رحلة العودة من القوصية إلى المعادى عبر نهر النيل، ثم لحصن بابليون حيث كهف أسفل كنيسة أبوسرجة، ثم شمالا لمسطرد «المحمة»، ثم اتجهوا إلى بلبيس ثم القنطرة ثم فلسطين مرورا بغزة، حتى استقروا فى الناصرة بفلسطين.

 

على رأسها شجرة مريم وكنيستا «أبوسرجة والعذراء» ودير المحرق

7 معالم على خريطة التراث العالمى.. و25 موقعاً فى الطريق

 

اللجنة التى شكلتها وزارة الآثار لتوثيق وإحياء مسار العائلة المقدسة وضعت قائمة تضم عددا من المواقع لتقديمها لمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، وذلك لضمها لقائمة التراث العالمى، وتضم هذه القائمة «شجرة مريم بالمطرية، وكنيسة أبى سرجة بمصر القديمة، وأديرة وادى النطرون الثلاثة، وكنيسة العذراء مريم بجبل الطير بسمالوط المنيا، ودير المحرق أسيوط»، وذلك كمرحلة أولى تمهيدا لتأهيل باقى المواقع وضمها لقائمة التراث العالمى.

وأشار أحمد النمر، المسئول العلمى لملف العائلة المقدسة بوزارة الآثار، إلى أن هذه المواقع تتوافر فيها معايير الترشح على قائمة التراث العالمى لمنظمة اليونسكو، موضحًا أنها تتوافق مع المعيار 3، والذى ينص على أنها «تقف شاهدا فريدا أو على الأقل استثنائيا على تقليد ثقافى أو على حضارة لا تزال حية أو حضارة مندثرة»، وبما أن هذه المواقع تمثل شاهدا استثنائيا على تقليد ثقافى فريد لمحطات مسار العائلة المقدسة فى مصر، لذا وجب ترشيحها لوضعها على القائمة العالمية.

وأضاف فى تصريحاته أنه رغم أن المسار قد اندثر إلا أن مواقعه وشواهده الأثرية لا تزال تحمل ذكراه وقصصه الفريدة من نوعه، والتى وردت بالمخطوطات القبطية وتواترها وتوارثها جيل بعد جيل.

ويرى الدكتور رفعت أحمد أستاذ الآثار الإسلامية والقبطية أن مواقع مرور العائلة المقدسة أثناء رحلتها إلى مصر تعد مواقع فريدة ونادرة، ويتوافر فيها عدة شروط من شروط ضم أى موقع إلى قائمة التراث العالمى، منها بند الأصالة والسلامة، بالإضافة إلى المعيار السادس من معايير اليونسكو، وينص على أن يكون الأثر مقترنا على نحو مباشر أو ملموس بأحداث أو تقاليد حية أو بمعتقدات أو بمصنفات أدبية أو فنية ذات أهمية عالمية بارزة، وهو ما يتوافر فى هذه المواقع المرتبطة برحلة العائلة المقدسة، والتى تمس معتقدات أكثر من 2 مليار مواطن حول العالم.

كما أنها مرتبطة بعادات وتقاليد ثقافية، وطقوس وشعائر دينية، واعياد يحتفل بها الأقباط فى هذه المواقع فى أوقات معلومة من كل عام، وهذه الاحتفالات لا يحرص المسيحيون فقط عليها وإنما يشاركهم فيها المسلمون أيضاً، والذين يتوافدون من كل حدب وصوب للتبرك بها.

وأوضح أن كل هذه الأشياء تجعل هذه المواقع مؤهلة للانضمام لقائمة التراث العالمى لليونسكو حيث إنها مواقع ذات قيمة عالمية ولا تزال مظاهر هذه القيمة واضحة ومستمرة، حيث يتوافد عليها الملايين كل عام لزيارتها، كما أنها تعد شاهدا استثنائيا على التقاليد الثقافية التى تنفرد بها مصر، والتى تتمثل فى التلاحم بين المسلمين والأقباط، كما أنه بعد اعتماد الفاتيكان لمسار الرحلة المقدسة، واعتمادها كأيقونة للحج المسيحى، فقد أصبحت هذه المواقع ذات أهمية قصوى لمصر والعالم كله، وهو ما يؤهلها لتصبح جزءا من التراث العالمى الذى يجب المحافظة عليه.

هذا وقد بدأت اللجنة المشكلة من وزارة الآثار فى إعداد المستندات اللازمة لتقديمها لمنظمة الثقافة والعلوم والآداب التابعة للأمم المتحدة «اليونسكو» لتسجيل هذه المواقع كمرحلة أولى.

وأشار الدكتور رفعت إلى أن إضافة هذه الواقع إلى قائمة التراث العالمى يعد دعاية مهمة وعالمية لهذه الآثار من ناحية، ولهذا النوع من السياحة، كما أنها تعتبر فرصة مهمة للمحافظة عليها وتوفير الحماية لها.

المعروف أن جميع الأراضى التى وطئتها أقدام العذراء مريم وابنها المسيح، تستحق أن تكون على رأس خريطة التراث العالمى.. وهو ما يعنى ضرورة تسجيل 25 موقعا أثريا آخر على ذات الخريطة، إضافة إلى المواقع السبعة التى بدأت بالفعل إجراءات تسجيلها كتراث عالمى.

 

المسار المقدس يحظى باهتمام 4 مليارات مسلم ومسيحى

عودة الروح.. للسياحة الدينية

 

الاهتمام بملف رحلة العائلة المقدسة تأخر كثيرا، فبعد أن قام الفاتيكان باعتماد رحلة العائلة المقدسة كمسار للحج المسيحى، وبعد توافد عدد من الحجيج المسيحيين لزيارة المحطات التى تم تجهيزها ضمن مسار الرحلة خلال الأشهر الماضية، اعتقد البعض أن الحكومة ستسير فى تنفيذ المشروع بأقصى سرعة حتى يتم الانتهاء منه، إلا أن سير الأمور بمعدلها الطبيعى، وعدم إدراج موقع شجرة مريم ضمن المرحلة التجريبية أوحى أن الأمور لا تأخذ الشكل الجاد الذى كان يحلم به الكثيرون، لذلك تقدم النائب مجدى ملك بطلب إحاطة بشأن عدم اتخاذ خطوات جادة وعاجلة نحو تطوير الأماكن والمعالم الأثرية لرحلة العائلة المقدسة ببعض المحافظات خاصة المنيا وأسيوط، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية لعدم استغلال قرار الفاتيكان باعتبار هذا المسار مسارا للحج.

واستدعت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب ممثلين لوزارات الثقافة والآثار والسياحة والتنمية المحلية والمالية، للوقوف على الخطوات التى اتخذتها الحكومة بشأن مسار رحلة العائلة المقدسة ببعض المحافظات، والاطلاع على رؤية الوزارات تجاه دعم قطاع السياحة والاقتصاد المصرى بشكل عام، وطالبت اللجنة بضرورة تسويق مسار العائلة المقدسة كمزار سياحى هام، يمكنه أن ينشط السياحة المصرية، خاصة السياحة الدينية، وأوصت اللجنة بتشكيل لجنة وزارية يرأسها رئيس الوزراء لوضع خطة زمنية للانتهاء من هذا المشروع الهام والحيوى، الذى يحظى باهتمام أكثر من 2٫3 مليار مسيحى ومثلهم تقريبا من المسلمين.

كما قامت لجنة السياحة بمناقشة هذا المشروع وطالبت أيضاً بضرورة الانتهاء منه وتحويله إلى برنامج سياحى متكامل، وكيفية الاستفادة من مسار رحلة العائلة المقدسة، كما طالبت اللجنة بتطوير الطرق التى مرت بها الرحلة، وتجهيز كل المحطات ووسائل الانتقال والاستراحات للسياح من أقطار العالم المختلفة.

وأشار الدكتور محمد عبده البرلمانى الوفدى وعضو لجنة السياحة إلى أن إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة فرصة جيدة لإعادة مصر لمكانتها السياحية، ورغم أنه لم يتم تجهيز الـ25 محطة التى مرت بها العائلة المقدسة أثناء الرحلة، لاستقبال السياح، إلا أن البداية كانت ضرورية لإحياء السياحة الدينية التى لا تقل أهمية عن السياحة العلاجية أو الشاطئية أو غيرها من أنواع السياحة فى مصر، مضيفا أن مصر تمتلك مقومات سياحية دينية واعدة يمكنها اجتذاب ملايين السياح، واحياء مسار العائلة المقدسة خير دليل على ذلك، فهذا المسار يمكنه اجتذاب ملايين السياح المسيحيين، بالإضافة إلى امتلاك مصر آلاف المزارات السياحية الدينية الإسلامية والمسيحية على السواء، والذى يمكنها وضع مصر فى مكانة متقدمة على خريطة السياحة العالمية.

وطالب الدكتور عبده بضرورة قيام السفارات والقنصليات وهيئة تنشيط السياحة بدورها فى عمل الدعاية اللازمة لمشروع إحياء رحلة العائلة المقدسة، باعتباره مشروعا قوميا رائدا فى مجال السياحة الدينية، ولابد من الترويج له بشكل جيد بما يضمن اجتذاب ملايين السياح المسيحيين حول العلم.

وطالب أيضاً بضرورة أن تصبح السياحة مادة أساسية فى برامج التعليم فى المدارس حتى يتعلم الأطفال الصغار أهمية السياحة بالنسبة للاقتصاد المصرى، وضرورة حسن معاملة السائح، والمحافظة على الآثار، موضحا أن السياحة تحتاج إلى علم وثقافة، ولابد من منحها الأهمية التى تستحقها وفقا لمكانتها ضمن مصادر الدخل القومى المصرى.

 مشيرا إلى أنه بالرغم من كل موارد مصر السياحية إلا أن فرص الاستثمار السياحى ما زالت لا تتناسب مع هذه الموارد والمقومات، ومن ثم لابد من الاهتمام بالسياحة والمشروعات الواعدة مثل مشروع رحلة العائلة المقدسة والترويج لها جيدا حتى تعود لمصر مكانتها على خريطة السياحة العالمية.

 

مصر تنفذه على 3 مراحل

المشروع الحلم.. أصبح حقيقة

 

منذ سنوات طويلة، ومشروع رحلة العائلة المقدسة حلم يراود الكثيرين، وطالب البعض بتوثيق هذه الرحلة المقدسة، وشهد عام 2014 الإعلان عن توثيق هذه الرحلة وتحديد مسارها وتطوير المناطق التى مرت بها السيدة العذراء ووليدها السيد المسيح ورفيقهما يوسف النجار، إلا أن الأمر ظل مجرد حبر على ورق، حتى يونيو من عام 2017 حينما أصدر الدكتور خالد العنانى وزير الآثار قرارا بتشكيل لجنة عليا لإعداد الدراسات التى تخص رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ووضع مسارات الرحلة على قائمة التراث العالمى، وتضم اللجنة أعضاء من وزارة الآثار، ومتخصصين فى مجال القبطيات، وأعضاء من الكنيسة القبطية.

ومهمة هذه اللجنة هى إعداد ملف لتوثيق مسار الرحلة، عبر جمع كافة الدراسات السابقة التى تخص الرحلة، وجمع المادة العلمية الموجودة بالوزارة التى تخص المواقع المسجلة فى عداد الآثار الإسلامية والقبطية، سواء كانت صورا أو خرائط أو رسوما، ومادة علمية للتحف الفنية ذات العلاقة بالرحلة المحفوظة فى المتحف القبطى والكنائس المصرية.

وحصرت اللجنة المواقع التى يعتقد أنها تنتمى إلى محطات زيارة العائلة المقدسة ثم تمت دراسة هذه المواقع وإعداد ملف بمسار الرحلة وتقديمه إلى منظمة «اليونسكو» لوضع هذه المناطق على قائمة التراث العالمى سواء كان تراثا ماديا أو غير مادى.

وتمكنت اللجنة من حصر المحطات المسجلة ضمن الآثار الإسلامية والقبطية وهى: «تل الكنائس بالفرما، وكنيسة العذراء مريم والشهيد أبانوب بسمنود بالغربية، وشجرة مريم بالمطرية، وكنيسة أبى سرجة بمصر القديمة، وأديرة وادى النطرون الثلاثة وهى دير الأنبا بيشوى، ودير البراموس ودير السريان، وكنيسة العذراء مريم بجبل الطير بسمالوط المنيا، ودير المحرق أسيوط».

أما باقى النقاط الـ25 والتى لم تسجل كآثار فسيتم التعامل معها تباعا وتسجيلها، حيث أن العلماء اعتمدوا هذه النقاط الـ25 على طول مسار الرحلة التى يبلغ مسارها 2000 كيلومتر، والتى تهدف إلى اجتذاب السياح المسيحيين حيث يبلغ عدد مسيحيى العالم حوالى 2.3 مليار نسمة.

 وكان البابا فرنسيس بابا الفاتيكان قد اعتمد فى أكتوبر 2017 مسار العائلة المقدسة فى مصر حجا مسيحيا، وتم إدخاله ضمن زيارات الفاتيكان فى مايو 2018، لتستقبل مصر أول وفد حج رسمى من الفاتيكان فى يونيو 2018، برئاسة رئيس إقليم لاتسيو وأسقف مدينة «فيتربو»، وضم الوفد 52 شخصا، واستمرت الزيارة لمدة 5 أيام، وسبقتها زيارتان لحجاج مسيحيين غير رسميين من الفلبين والهند.

وتشجيعا لزيارة المسار، أطلقت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تطبيقا خاصا بالمسار يمكن لراغبى زيارته التعرف على كل التفاصيل الخاصة به، ويحمل التطبيق الجديد اسم «The Holy Family Egypt».

كما قامت مؤسسة أوبرا رومانا -المسئولة عن ملف الحج بالفاتيكان - بوضع مصر رسميا ضمن كتالوج رحلات وبرامج الزيارات الدينية من يناير 2018، ووضعت المؤسسة برنامجين لمصر، أحدهما يشمل زيارة المناطق الأثرىة التاريخية، والتى تبدأ من الأقصر ثم أسوان والعودة للقاهرة لزيارة الأهرامات، وأبوالهول، والمتحف المصرى، ومسجد محمد على، والآخر يستهدف الأماكن التى تم التأكد من جاهزيتها بوادى النطرون والقاهرة التى مرت بها السيدة العذراء مريم والسيد المسيح والمعروفة برحلة العائلة المقدسة.

ورحلة العائلة المقدسة كان حلما لوزارة السياحة قد اعتمدته عام 2014 بهدف إعداد برامج سياحية تروج للسياحة الدينية، عبر شرح توضيحى لرحلة السيد المسيح والسيدة العذراء مريم إلى مصر فى الأماكن التى مروا وعاشوا فيها خلال الرحلة.

وبدأ بالفعل التخطيط للمشروع وتنمية المناطق التى تم اعتمادها كنقاط لهذا المسار، حيث تم تقسيمه لـ3 مراحل، هى المرحلة التجريبية التى تم الانتهاء منها، والمرحلة الأولى تضم جبل الطير فى المنيا وبه كنيسة الملكة هلانا والدة الملك قسطنطين، ودير المحرق بجبل قسقام، ودير السيدة العذراء بجبل درنكة بأسيوط، بينما تضم المرحلة الثانية والأخيرة باقى النقاط التى تمر بباقى المحافظات، ومن المتوقع أن يستغرق إتمام هذا المشروع ما يتراوح بين 5 إلى 8 سنوات.

وكانت وزارة السياحة قد تقدمت فى عام 2017 بالمشروع لمجلس الوزراء، لتحديد الفترة الزمنية المطلوبة والتكلفة لتطوير مراحل إحياء المسار، إلا أن وزارة المالية لم تحدد الجدول الزمنى لتوفير الأموال اللازمة لهذا المشروع، ومن ثم تم البدء بالمرحلة التجريبية، ليتوالى تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية تباعا.

كما قامت الوزارة بوضع برنامج للرحلة، يبدأ من الفرما إلى تل بسطة حتى مسطرد، ويستكمل المسار ليصل إلى سخا، ثم منها إلى وادى النطرون الذى يضم 4 أديرة، وهى دير «الأنبا بيشوى» ودير السيدة العذراء «السريان»، ودير «البراموس» ودير «القديس أبومقار»، ويضم دير الأنبا بيشوى ضريح البابا شنودة ومائدة الرهبان وحصن الخباز.

يذكر أن مسار العائلة المقدسة يعد أطول مسار حج فى العالم داخل دولة واحدة، ويكتسب أهمية بالغة فى إطار مباركة بابا الفاتيكان لمسار العائلة المقدسة لاعتماده ضمن رحلات الحج المسيحى.

وأوضح عماد عثمان مدير مناطق آثار جنوب وشرق سابقا أن هذا المشروع هام للسياحة المصرية وللآثار على السواء، فكما أنه سينشط السياحة سيؤدى إلى المزيد من الاهتمام بهذا القطاع الهام والحيوى، خاصة أن هناك مناطق تحتاج إلى مزيد من الاهتمام مثل شجرة مريم وتنفيذ هذا المسار سيؤدى إلى الاهتمام بها وتنميتها لتليق بكونها جزءا من مسار رحلة العائلة المقدسة.

وأضاف أن هذا المشروع سينشط العائدات على الآثار الإسلامية، والقبطية، المحيطة بنقاط المسار مثل كنيسة جبل الطير الأثرية، والكنيسة المعلقة.

 

انتهت من المرحلة التجريبية

5 وزارات و12 محافظة.. تقتفى آثار «العذراء والمسيح»

 

 

12 محافظة مرت بها رحلة العائلة المقدسة، و5 وزارات مسئولة عن تنفيذ مهمة قومية، لإحياء هذا المسار التاريخى الذى اعتمده الفاتيكان كأيقونة حج لمسيحيى العالم، وهو ما يؤهل هذا المشروع لكى يكون فرصة ذهبية لمصر لاستعادة مكانتها على خريطة السياحة العالمية.

والوزارات المسئولة عن إحياء هذا المسار هى الآثار والسياحة والتنمية المحلية والمالية والثقافة، كل فى مجال عمله، حيث عقدت وزارة التنمية المحلية عدة اجتماعات للتنسيق بين الوزارات والمحافظات لتذليل كافة العقبات التى تقف أمام تنفيذ المشروع القومى لإحياء مسار العائلة المقدسة، وتقديم الدعم للمحافظات المعنية.

كما تناول الاجتماع مناقشة إجراءات مرحلة التشغيل التجريبى للمسار والتى تضم خمسة مواقع أثرية وهى: كنيسة أبوسرجة بمصر القديمة، كنيسة العذراء بالمعادى بمحافظة القاهرة، وثلاثة أديرة بوادى النطرون بمحافظة البحيرة وهى دير البراموس ودير السريان ودير الأنبا بيشوى.

واستعرضت محافظة القاهرة خلال الاجتماع الخطوات التنفيذية التى قامت بها استعدادًا للمرحلة التجريبية للمسار، حيث تم تطوير منطقة مصر القديمة وإزالة أكبر مقلب قمامة لقطاع غرب القاهرة وتحويله إلى حديقة مفتوحة، يتم تطويرها لتصبح مزارا سياحيا يقع بين مجمع الأديان ومتحف الحضارة وبحيرة عين الصيرة، كما يجرى العمل على تشجير طريق مسار العائلة بالمناطق المحددة، وإقامة مرسى سياحى خاص بكنيسة العذراء بالمعادى، ورفع كفاءة المنطقة المحيطة بها وإضفاء مظهر تراثى وجمالى للمنطقة.

كما قامت محافظة البحيرة برصف وتوسعة الطريق المؤدى إلى الأديرة الثلاثة بطول 1٫5 كيلومتر وإنارته على الجانبين، كما تجرى زراعة نخيل على طول الطريق، وتزويده بلوحات إرشادية موضح عليها أيقونة العائلة المقدسة، والتى توضح معالم المدينة السياحية أمام مدخل مدينة وادى النطرون بطريق القاهرة الإسكندرية، ويجرى تصميم مخيمات توحى إلى العصور القبطية كنقاط استراحة للسائحين داخل ساحات الأديرة الثلاث.

وكانت المحافظة قد رصدت 70 مليون جنيه من ميزانيتها ومخصصات السياحة لتنفيذ هذا المشروع، وأوضحت فى بيان لها أن تطوير مسار رحلة العائلة المقدسة بمدينة وادى النطرون يعد أحد المشروعات القومية التى توليها المحافظة اهتماما خاصا.

وأشار البيان إلى أنه قد تم تطوير ورفع كفاءة المنطقة المحيطة بها وإضفاء مظهر تراثى وجمالى عليها، بما يليق بمسار العائلة المقدسة، لتكون مؤهلة لاستقبال الوفود السياحية من كل دول العالم وتوفير سبل الراحة للسياح واستغلال هذا الأثر العظيم فى جذب السياحة وتعظيم الموارد الاقتصادية والتنموية للمحافظة، بجانب توفير فرص عمل للشباب.

وأكد اللواء محمود شعراوى، وزير التنمية المحلية، أن مشروع إحياء رحلة العائلة المقدسة ينقسم إلى عدة مراحل، أولها مرحلة التشغيل التجريبى وتضم 5 مواقع أثرية فى القاهرة والبحيرة وهى كنيسة أبوسرجة بمصر القديمة وكنيسة العذراء بالمعادى و3 أديرة بوادى النطرون بمحافظة البحيرة وهى دير البراموس ودير السريان ودير الأنبا بيشوى، بينما تضم المرحلة الأولى، أديرة جبل الطير ودرنكة ودير المحرق بمحافظتى المنيا وأسيوط، وتستغرق من 6 أشهر إلى 18 شهرا، أما المرحلة الثانية فتضم باقى محافظات مسار العائلة مثل تل بسطا فى الشرقية وسخا بكفر الشيخ وسمنود بالغربية.

من ناحية أخرى أصدرت وزارة الآثار كتالوجا فى الشهر الماضى تحت عنوان محطات من رحلة العائلة المقدسة فى مصر، باللغتين العربية والإنجليزية، لإبراز الرحلة والتعريف بها وبالأماكن التى زارتها العائلة المقدسة فى مصر، لكى تأخذ تلك الأماكن مكانها اللائق بين المزارات الأثرية الدينية السياحية داخل مصر وخارجها على المستوى العالمى.

وأشرف على إعداد هذا الكتالوج الدكتور محمد عبداللطيف أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة المنوفية بالتعاون مع فريق من الباحثين الشباب المتميزين فى الوزارة، بينهم الدكتور أحمد النمر، وعمرو عبدالكريم، وأكد أن الكتالوج يأتى ضمن خطة وزارة الآثار لتوثيق محطات مسار رحلة العائلة المقدسة فى مصر، تمهيدا لوضعها على قائمة التراث العالمى لليونسكو.

وأشار إلى أن هذا الكتالوج هو توثيق فوتوغرافى مبسط وجذاب للتعريف بمجموعة من محطات رحلة العائلة المقدسة، وهى أديرة وادى النطرون وشجرة مريم وكنيسة أبى سرجة وكنيسة العذراء مريم بجبل الطير بالمنيا ودير المحرق بأسيوط.

 كما يتضمن عرضا تاريخيا موجزا عن مسار الرحلة ومحطاتها، ورصد الجوانب التراثية من مظاهر الاحتفالات المختلفة، مدعما بالخرائط التى توضح المحطات والمسار، وتساهم بشكل كبير فى التعريف بالرحلة والترويج لها محليا وعالميا، للاستفادة منها أثريا وسياحيا واقتصاديا.

من ناحية أخرى بدأ السياح يتوافدون لزيارة المواقع التى تم الانتهاء منها من مسار العائلة المقدسة، وأوضح نادر جرجس، منسق زيارات مسار العائلة المقدسة ورئيس ائتلاف تنمية وإحياء التراث بمصر، أن المرحلة التجريبية استقبلت حوالى 200 ألف سائح من دول إيطاليا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وروسيا وعدد من دول أفريقية مثل: الكاميرون وإثيوبيا وكينيا ونيجيريا خلال عام 2018.

وأشار إلى أن هذا المسار بعد تطويره سيستقبل عددا أكبر من السياح، خاصة أن الفاتيكان اعتمدته كأيقونة حج للمسيحيين، مؤكدا أن هذا المسار لا يقتصر على تنشيط السياحة فقط، بل يمتد أيضاً إلى تنمية المجتمعات والمواقع الأثرية التى يضمها المسار، بالإضافة إلى تحسين الصورة الذهنية عن أمن واستقرار مصر، والتأكيد على استرداد السياحة المصرية قوتها فى تقديم أنماط سياحية متنوعة بينها السياحة الدينية.