الحكومة تبدأ خطوات إنقاذ «الذهب الأبيض»

الحكومة تبدأ خطوات إنقاذ «الذهب الأبيض»
الأربعاء, 14 أغسطس 2019 20:37
إشراف : نادية صبحي: - أعد الملف: أمانى زايد - حمدى أحمد:

من صفاء قلوب الأولياء الصالحين، اتخذ لونه «ومن أغلى المعادن» اشتق وصفه «الذهب الأبيض»، ومن أجله نسج ملايين المصريين  حلما أخضر بأن يعود القطن المصرى إلى عرشه الذى فقده منذ الثمانينيات.

وتوالت مبادرات رفع القطن إلى العرش مرة أخرى، آخرها منظومة جديدة للتسويق أعلنت عنها الحكومة مؤخرا سيبدأ تطبيقها بعد 48 ساعة فقط.

فبعد غد السبت.. يبدأ 17 مركزا فى الفيوم وبنى سويف فى استلام القطن المصرى من المزارعين وفقا للمنظومة الجديدة، التى ستتم تجربتها في المحافظتين تمهيدا لتعميمها على كل محافظات مصر.

هذه المنظومة جاءت كمحاولة جديدة لإنقاذ زراعة القطن التى تراجعت إلى 236 ألف فدان فقط بانخفاض 100 ألف فدان عن العام الماضى.

وتستهدف المنظومة بحسب تأكيدات وزارة قطاع الأعمال تحقيق أقصى استفادة لمزارعى القطن، من أجل تشجيع الفلاحين على التوسع فى زراعة الأقطان من جديد.

فى هذا الملف نستعرض بالتفصيل ملامح المنظومة الجديدة لتسويق القطن، ونرصد رأى الفلاحين و الخبراء فيها، واتفق الجميع على أن التجديد فى تسويق القطن فقط لا يكفى وقالوا إن استعادة القطن لعرشه يحتاج إلى منظومة متكاملة تغطى كل مراحل حياة القطن من البذرة إلى البورصة.

 

المنظومة الجديدة: البيع لأعلى سعر.. والوسطاء يمتنعون

 

كشف وزير قطاع الأعمال العام، ملامح المنظومة الجديدة لتداول القطن التى سيتم تجربتها فى محافظتى الفيوم وبنى سويف، مؤكدا أنها ستضمن حقوق المزارعين، وقال الوزير إنه سيتم توفير أكياس جديدة للمزارع مصنعة من الجوت مزودة بدوبارة قطنية فى مراكز استلام الأقطان الجديدة.

وأضاف: لن يُسمح بإنشاء أى حلقات خاصة أو مراكز استلام غير المخصصة لذلك الشأن فى محافظتى الفيوم وبنى سويف، ولن يسمح باستلام الأقطان إلا من خلال المزارع مباشرة وبواسطة بطاقة تحقيق الشخصية وبطاقة الحيازة الزراعية لضمان عدم حدوث أى غش فى الأكياس من وسطاء.

وفيما يخص بيع المحصول، أشار الوزير إلى إجراء مزاد علنى يومى للأقطان المستلمة فى الساعة الرابعة عصرًا عقب استلامها ووزنها وفرزها من مندوبى هيئة تحكيم واختبارات القطن، بما يمكن المزارع من الحصول على أعلى سعر يُضاهى الأسعار العالمية.

وأوضح الوزير، أنه على شركات تجارة الأقطان التقدم للشركة المسئولة عن إدارة مراكز الاستلام بطلب للمشاركة فى المزادات وكذلك تقديم خطاب ضمان بقيمة تتناسب مع حجم تجارتها لضمان التزامها بالمزايدة خلال الموسم، مشيرا إلى أن النظام الجديد يهدف إلى التغلب على سلبيات نظام التداول السابق وإعادة القطن المصرى لمكانته وسمعته العالمية المتميزة، وكذلك تحقيق أعلى عائد للمزارعين.

وأكد وزير قطاع الأعمال، حرص الدولة على الارتقاء والنهوض بالقطن المصرى، حيث تم وضع منظومة جديدة للقطن المصرى للارتقاء بنظم الجنى والتداول وصولًا إلى المحالج.

وأضاف أنه تم تحديد 9 مراكز لاستلام القطن فى محافظة الفيوم و8 فى بنى سويف، حيث سيتم استلام الأقطان فى المراكز الجديدة بدءا من 17 أغسطس الجارى ولمدة ثلاثة أشهر بواقع ستة أيام أسبوعيا (الجمعة إجازة) من الساعة السابعة صباحا وحتى الساعة الثالثة عصرًا، مع إمكانية توفير وسيلة لنقل المحصول من المزارعين بسعر التكلفة.

وحول إجراءات المزاد، ستقوم الشركة القابضة للغزل والنسيج بتقديم عرض فتح المزاد يوميا بمتوسط السعر الجارى للقطن البيما الأمريكى والقطن قصير التيلة (A Index) وذلك بالتنسيق مع لجنة مشتركة من وزارات الزراعة وقطاع الأعمال العام والتجارة والصناعة ممثلة فى هيئة التحكيم واختبارات القطن وجمعيات تسويق المحاصيل وممثل عن لجنة تنظيم وتجارة القطن بالداخل.

وسوف تضع ذات اللجنة ضوابط فتح المزاد وسيتم تحديد السعر على رتبة الأساس ومعدل التصافى وفروق الرتبة، وسيسمح لكافة التجار المشتغلين بتجارة القطن بدخول المزاد، على أن تلتزم الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج باستلام الأقطان بسعر الأساس والمعلن من قبِل لجنة المزاد، وتقوم الجهة المشرفة على مراكز الاستلام بمنح التجار بيانا بالكميات المشتراة ومعتمدا من هيئة التحكيم واختبارات القطن.

وتتولى الشركة التابعة للشركة القابضة الإشراف على كافة العمليات الفنية والإدارية التى يمر بها القطن داخل مراكز الاستلام، وتوفير وتوزيع الأكياس اللازمة لتداول الأقطان وتوفير الدوبارة القطنية لغلق الأكياس، على أن يكون كلاهما مصنوعا طبقا للمواصفات الفنية.

وأشار وزير قطاع الأعمال إلى الإجراءات الواجب اتباعها من جانب المنتجين للحفاظ على القطن من التلوث، وذلك بعدم خلط القطن بأصناف غريبة ومنع خلط أقطان الإكثار نهائيا والحفاظ عليها، والحرص على خلو الأقطان من الشوائب، إلى جانب اقتصار تداول الأقطان على مراكز استلام محددة فى كل مركز إدارى بكل محافظة، ويتم تداول أقطان الإكثار تحت إشراف هيئة التحكيم ومعهد بحوث القطن بالتعاون مع الإدارة المركزية لإنتاج التقاوى.

أما عن كبار المزارعين، الذين يبلغ إنتاجهم 50 قنطارًا فأكثر، فيمكنهم توريد أقطانهم مباشرة إلى المحالج، وتلتزم المحالج بحلج أقطان المحافظتين المشار إليهما فقط، ويقتصر الحليج على المحالج التى تحددها الجهة المشرفة على حليج الأقطان، على أن تكون المحالج مجهزة وبها شون كافية لاستلام الأقطان الواردة إليها.

 

«شىء من الخوف».. بسبب التسويق الجديد

 

أبدى فلاحون عدة ملاحظات على المنظومة الجديدة لاستلام الأقطان، والتى أعلنت عنها الحكومة مؤخرا، مطالبين بأخذها  فى الاعتبار قبل تطبيق المنظومة الجديدة.

وجاءت أبرز الملاحظات حول نظام المزادات الذى يربط الفلاح بتقلبات السوق العالمى وسعر الدولار أثناء توقيت إجراء المزاد، ما يضعهم فى قلق وحيرة طوال موسم الزراعة، وعدم اطمئنانهم للسعر الذى سيبيعون به محصولهم، عكس النظام الحالى الذى يضع سعر ضمان للمحصول، أو النظام الذى تم اقتراحه من جانبهم.

واقترح الفلاحون، تطبيق نظام الزراعة التعاقدية عند شراء محصول القطن، تنفيذا للمادة 29 من الدستور التى تنص على التزام الحكومة بشراء المحاصيل الأساسية من الفلاح مع تحقيق هامش ربح مناسب، مؤكدين أن هذا النظام هو الحل الأمثل لمشاكل محصول القطن فى مصر.

ويبدأ موسم زراعة القطن من مارس وينتهى فى أغسطس، فيما يبدأ موسم التصدير من فبراير وينتهى فى سبتمبر من كل عام.

وتقلصت مساحة الأراضى المنزرعة بمحصول القطن هذا العام إلى 220 ألف فدان مقارنة بـ336 ألف فدان العام الماضى، بعد أن كانت أكثر من 2 مليون فدان فى الستينيات والسبعينيات.

وتشير تقارير وزارة الزراعة، إلى أن مساحة زراعات القطن فى عام 1900، بلغت مليون و230 ألفا و319 فدانا، وكانت إنتاجية الفدان وقتها تعادل 4.42 قنطار من القطن، وبلغ الإنتاج الكلى فى مصر 5 ملايين و435 قنطارا، وقفز فى موسم 1926– 1927 إلى 8 ملايين و600 ألف قنطار، وبلغت إنتاجية الفدان حينها 4.80 قنطار، وفى الموسم الزراعى 1930- 1931 بلغت المساحة 2 مليون و82 ألف فدان، والإنتاجية حوالى 4 قناطير للفدان، بينما بلغت الإنتاجية الإجمالية 8 ملايين و276 ألف قنطار، وبداية من الستينيات أخذت المساحة فى التناقص، حتى وصلت الآن إلى 230٫3 ألف فدان.

من جانبه، قال حسين عبدالرحمن أبوصدام، نقيب الفلاحين، إن بيع القطن فى المزاد يعنى أن القطن أصبح مثله مثل أى سلعة عادية، رغم أنه محصول استراتيجى أساسى يجب على الدولة أن تدعمه، لأن بيع القطن فى المزاد وفقا للسعر العالمى سوف يظلم الفلاحين، مشيرا إلى أن تكلفة الزراعة فى مصر أعلى من الدول الأخرى.

وأوضح نقيب الفلاحين، أن بيع المحصول بالسعر العالمى سيؤدى إلى تدهور زراعة القطن واتجاه الفلاح المصرى لمحاصيل أخرى تدر عليه ربحا وفيرا، مؤكدا أن المادة 29 من الدستور تلزم الحكومة بشراء المحاصيل الاستراتيجية من الفلاح بهامش ربح، وهذا الربح هو ما يهم الفلاح فى جميع الأحوال.

ولفت «أبوصدام»، إلى أن مساحة زراعة القطن هذا العام انخفضت بنحو 100 ألف فدان نتيجة فشل الحكومة فى تسويق المحصول العام الماضى. فاضطرار الفلاحين لبيع أقطانهم بسعر أقل من سعر الضمان الذى أعلنته وزارة الزراعة، ما أدى إلى اتجاه الكثيرين إلى زراعة محاصيل أخرى نتج عنها انخفاض المساحة المنزرعة بالقطن.

وتابع نقيب الفلاحين: الحل الأمثل لنجاح زراعة القطن المصرى هو تطبيق نظام الزراعة التعاقدية لدعم وتشجيع الفلاح على زراعته، لأن نظام المزادات يعنى أن الفلاح سيكون مرتبطا بالسعر العالمى الذى يتذبذب دائما حسب سعر الدولار الأمريكى، ولكن فى حالة تطبيق الزراعة التعاقدية سيكون الفلاح على علم بكل تفاصيل بيع وشراء محصوله قبل بداية الموسم، فيزرع الأرض وهو مطمئن، ومش هيشوف الدولار نزل ولا طلع.

وأشار «أبوصدام»، إلى أن كل دولة منتجة للقطن لها نظام خاص بها فى تسويق المحصول، وأغلب هذه الدول تدعم الفلاح بالأسمدة والبذور الجيدة والأموال من أجل زيادة الإنتاج الذى تستفيد منه فيما بعد فى صناعة الملابس والتصدير.

وقال مجدى أبوالعلا، نقيب فلاحي الجيزة، إن النظام الجديد لاستلام الأقطان مطاطى، ويشير إلى أن الحكومة لا تريد تحديد سعر القطن.

وأضاف «أبوالعلا»، أن الفلاح سيكون فى ورطة إذا تم تطبيق نظام المزادات، لأن مصيره سيكون حسب شكل المزاد فى اليوم الذى سيبيع فيه، فلو كان السعر منخفضا سيخسر الفلاح وإن كان مرتفعا سيربح، ومن الأفضل ألا نضع الفلاح فى هذا الموقف ولا نعرضه لتقلبات أجواء المزادات.

وأوضح نقيب فلاحي الجيزة، أن حلقات القطن التى سيتم إلغاؤها فى النظام الجديد، كانت تعد مراكز تجميع للمحصول تتميز بالقرب من أماكن الزراعة ولا تكلف الفلاح مصاريف نقل، وتتوافر بها الموازين ومستلزمات استلام المحصول، مشيرا إلى أن مراكز التجميع الجديدة ستكلف الفلاح أموالا إضافية قد لا يستطيع تحملها.

وأشار أبوالعلا، إلى أن تسويق القطن لابد أن يكون من خلال نظام الزراعة التعاقدية بين الحكومة أو الشركات والفلاحين، لأن هذا النظام جيد ولا يخلق مشاكل ومتاعب للفلاح أو الأطراف الأخرى، لأن السعر يكون معلنا منذ البداية ومعروف للفلاح الذى سيكون مطمئنا على محصوله ويعلم المشترى قبل الزراعة، موضحا أن القطن محصول ليس غذائيا يمكن للفلاح أن يبيعه فى الأسواق بنفسه إذا لم يشتره من التجار، ولكنه يدخل فى صناعات مختلفة كالغزل والنسيج والزيوت، ولذلك لابد أن يكون تسويقه من خلال الزراعة التعاقدية مثل محاصيل النباتات العطرية والطبية وبنجر السكر.

وعن بورصة القطن، قال نقيب فلاحي الجيزة، إنها خاصة بالحكومة والمصدرين وليس الفلاح، فالمزارع فى الماضى كان يبيع المحصول لشركات الحكومة أو التجار، ثم يرسل المحصول إلى البورصة للمزايدة على أسعار تصديره للخارج، ولذلك فالفلاح كان غير مستفيد من البورصة وإنما التجار والحكومة.

ولفت أبوالعلا، إلى أن تكاليف زراعة القطن أصبحت مرتفعة للغاية، وإذا لم يكن الفلاح ممتلكا للأموال الكافية لزراعة المحصول قبل موسم الزراعة فإنه سيتجه إلى زراعة محاصيل أخرى تحقق له الربح المأمول.

وقال محمد برغش، رئيس جمعية السلام التعاونية الزراعية لاستصلاح الأراضى بالبحيرة وأحد قيادات الفلاحين، إن منظومة القطن يجب الاهتمام بها من مختلف الجوانب وليس جانبا دون الآخر.

وأضاف «برغش»، أن أى تطوير لزراعة القطن لن يجدى دون تطبيق المادة 29 من الدستور، والتى تنص على التزام الحكومة بشراء المحاصيل الزراعية الأساسية بسعر مناسب يحقق هامش ربح للفلاح، بالاتفاق مع الاتحادات والنقابات والجمعيات الزراعية.

وأوضح «برغش»، أن تطوير منظومة القطن يبدأ من انتقاء البذرة وحتى تحديد السعر المناسب للفلاح، مشيرا إلى أن الاهتمام بتوفير بذور جيدة ذات إنتاجية عالية أحد أهم عوامل نجاح منظومة زراعة القطن، بجانب زيادة المساحات المزروعة بهذا المحصول الاستراتيجى وحسابها بشكل دقيق وعلمى.

ولفت إلى أن الحكومة يجب أن تحدد سعر توريد القطن قبل شهرين من  بداية زراعته على الأقل، حتى تشجع الفلاح على الإقبال على زراعته بعد إهماله طوال السنوات الماضية، متابعا: إعلان السعر قبل الموسم مباشرة أو أثناء الزراعة، يثير حالة من الجدل والتوتر بين المزارعين، وأغلبهم يبتعد عن زراعته حتى لا يتحملوا خسائر كبيرة.

وأضاف: عندما ألغت الحكومة الدورة الزراعية جعلت الفلاح مش عارف يبيع محصوله، وهتحصل مشكلة كبيرة فى السنوات المقبلة فى المحاصيل الاستراتيجية والدولة مش واخدة بالها منها دلوقتى، لأن الفلاح هيجد نفسه يزرع أكله فقط، ولن يهتم بالمحاصيل التى تفيد الدولة كلها، ولذلك يجب على الدولة التحرك من الآن لمواجهة هذه المشكلة المتوقعة، والحل فى تغيير السياسات القائمة، وخاصة التسعير.

 

دعم الفلاحين والشركات.. خطوة حتمية للنجاح

 

إنتاج العالم من القطن يبلغ نحو 25 مليون طن سنويا، حصة مصر حاليا منها تتراوح ما بين 100 إلى 150 ألف طن، وتتربع على عرش الدول المنتجة له دولتا الهند والصين.

ووفقا لتقرير أسواق فاينانشيال المتخصصة فى رصد حركة السلع وخاماتها بالأسواق والبورصات السلعية، فإن الهند تربعت على عرش إنتاج القطن فى العالم بإنتاج 6 ملايين و205 آلاف طن خلال موسم 2017/2018، وجاء بعدها الصين 5 ملايين و987 ألف طن، الولايات المتحدة الأمريكية 4 ملايين و555 ألف طن، البرازيل مليون و894 ألف طن، باكستان مليون و785 ألف طن، أستراليا مليون و45 ألف طن، تركيا 871 ألف طن، أوزبكستان 838 ألف طن، تركمانستان 296 ألف طن، وبوركينا فاسو 158 ألف طن.

وقال الدكتور محمد عبدالمجيد، مدير معهد بحوث القطن السابق، إن إنتاج مصر الحالى من القطن لا يضعها فى مقارنة مع الدول الكبرى فى إنتاجه حول العالم وأساليب تسويق هذه الدول للمحصول.

وأضاف: الدول الكبرى فى إنتاج القطن عالميا مثل الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على زراعة الأقطان قصيرة التيلة، عكس مصر التى تتميز بإنتاج القطن طويل التيلة الذى يعد أفضل أنواع القطن فى العالم، ولكن حجم إنتاجنا بالنسبة للإنتاج العالمى ضئيل جدا، لا يتعدى 150 ألف طن سنويا، من إجمالى 25 مليون طن تنتج حول العالم.

وتابع: «رغم قلة حجم إنتاجنا إلا أننا نمتلك ميزة هامة جدا وهى جودة القطن المصرى التى يجب أن نستغلها ونستفيد منها فى الصناعة والحصول على قيمة مضافة منه بدلا من تصديره خاما بأسعار زهيدة، حيث إن إنتاج معظم دول العالم من القطن قصير التيلة يتواجد بكثرة فى مختلف الدول، بينما طويل التيلة انتشاره محدود، ولذلك يجب استغلال هذه الميزة».

وأوضح مدير معهد بحوث القطن السابق، أن تسويق القطن فى الولايات المتحدة الأمريكية يختلف كثيرا عن مصر، فالشركات والمصانع هى التى تطلب من الفلاحين أن يزرعوا القطن لحاجتها إليه فى التشغيل والتصنيع، وبالتالى سعر القطن يكون جيدا بالنسبة للمزارع لأنه يضمن بيعه فى النهاية لهذه الشركات. أما فى الصين والهند الحكومة هى من تدعم زراعة القطن وتزود الفلاحين بكل ما يحتاجونه من مستلزمات سواء بذور أو أسمدة وغيرها، من أجل الحصول على الإنتاج فى نهاية الموسم لتشغيل المصانع العملاقة لديها والتى غزوا بها العالم كله، من خلال تصدير الملابس الجاهزة للدول المختلفة، وكذلك الحال فى دولة اليونان التى تدعم فيها الحكومة مزارعى القطن.

واختتم مدير معهد بحوث القطن تصريحاته بتأكيده على حاجة مصر لإعادة النظر فى منظومة زراعة القطن بشكل كامل وليس التسويق فقط، لأنه أحد الجوانب وليس كلها.

فيما قال مجدى أبوالعلا، نقيب فلاحي الجيزة، إن نظام التسويق فى دول شرق آسيا يتم من خلال تواصل الحكومة مع الملحقين التجاريين الموجودين فى كل سفارة داخل الدولة.

وأضاف أبوالعلا، «كل ملحق تجارى موجود فى سفارته يعرف احتياجات دولته من القطن الخاص بهذه الدولة، ويبلغ بالكمية المطلوب استيرادها منها، ثم تقوم الحكومة بحصر الكميات المطلوبة منها وإبلاغها للمزارعين قبل موسم الزراعة، وبالتالى تكون المساحة المزروعة بالقطن تساوى الكميات المطلوبة للتصدير وللسوق المحلى، فيطمئن الفلاح على بيع محصوله قبل الزراعة، وهذا ما نحتاج إليه فى مصر».

 

بورصة القطن.. حكايات من زمن فات

 

كان الذهب الأبيض حلماً لكثير من الفلاحين حينما كانوا يتفاخرون بزراعته ويعلقون آمالهم وأحلامهم على محصول القطن الذى اشتهر منذ قديم الأزل بسمعه عالمية كانت تجعل دول أوروبا يتهافتون على شرائه وقد كانت بورصة القطن هى خير شاهد على ذلك، والتى كانت تتم فيها صفقات بيع القطن، وكان يأتى اليها جميع محالج القطن لفرزه واعتماد صنف القطن وتصديره للخارج، وتوقفها كان سبباً فى انخفاض مستوى جودة القطن وتراجع سمعته، وفقد الذهب الأبيض بريقه وعلى الرغم من مطالبات بعض مصدرى القطن بعودة بورصة القطن لحماية المحصول والمنتجين، إلا أن تلك الخطوة تحتاج لوجود منتج جيد أولاً

كانت مصر من أوائل الدول التى طبقت بورصة العقود الآجلة، وخاصة على تداولات القطن، ففى عام 1883 تم إنشاء بورصة الإسكندرية وبعدها بورصة القاهرة عام 1903

وتعد بورصة الإسكندرية من أقدم البورصات فى العالم حيث تمت أول صفقة قطن محلية مسجلة فى عام 1885 بمقهى أوروبا السكندرى، والذى سمى فيما بعد بميدان محمد على، حيث كان تجار القطن يجتمعون ويعقدون صفقات قائمة على العرض والطلب بشان القطن طويل التيلة (كرنك ومنوف) أو القطن قصير إلى متوسط التيلة (اشمونى، جيزة وزاجورا) وبمرور الوقت امتدت تلك الصفقات لتشمل نوعيات بذور القطن المختلفة

وكان المتممون الأوائل لصفقات القطن الأولى ينتظرون وصول «صحيفة الانباء» من اوروبا لكى ترشدهم فى عملياتهم فى المستقبل، وكانت السمعة الطيبة تؤثر على كل حركة، فقد نال مزارعو القطن الذين كانوا يقومون بتسليمه فى الموعد المحدد ثقة المصدرين، وكانوا يتسلمون طلبات كبيرة فى الموسم التالى، كما كانت زراعة القطن من أهم المحاصيل التى تجلب العمله الصعبة للبلاد كل عام

وعندما بدأ العمل يتزايد تم إنشاء هيئة الإسكندرية للقطن بهدف التجارة فى القطن وبذور القطن والحبوب فى الأسواق الفورية والآجلة، واصبحت البورصة النقطة المركزية لمجتمع المدينة المالى، إلى ان تم تقنين عقود بيع القطن الآجلة، لتتوافق مع انتعاش مصر بعد الهبوط الاقتصادى الذى حدث، عندما انهارت المؤسسات المصرفية والعقارية للأسواق فى المضاربات, ووصل عدد سماسرة القطن عام 1950 إلى 35 منهم اثنان من المصريين، وسيطر الأجانب على مغازل حلج القطن.

وحتى الخمسينيات من القرن العشرين كان معظم التداول يتم مع بورصة القطن فى «ليفربول». وكانت تجارة القطن أداة تعزيز للعملة المصرية, واعتمدت تجارة مانشستر القوية بشكل مكثف على ذلك المصدر الرئيسى والذى كان مسئولاً عن تكوين ثروات هائلة فى كثير من الدول الأوروبية، إلى أن تم إصدار سلسلة من قوانين الإصلاح الزراعى فتحول القطاع الزراعى إلى ملكيات صغيرة غير مربحة وجمعيات تعاونية بيروقراطية.

وبعد ثورة 23 يوليو 1952، ومع تبنى الدولة الفكر الاشتراكى، تمت تصفية البورصات حيث أصدر الرئيس جمال عبدالناصر القانون رقم 9 لسنة 1966 بتصفية والغاء بورصة عقود القطن بالإسكندرية عقب تأميم الشركات والقضاء على الملكيات الكبيرة وبورصات العقود، ومن ضمنها العقود السلعية، وانتهجت مصر فى الخمسينات والستينات سياسة الدورة الزراعية والتى كانت تضمن زراعة القطن بمساحات كبيرة مع توفير كل الاحتياجات اللازمة لزراعته.

وفى منتصف الثمانينات وصل إجمالى المساحة المزروعة من القطن فى مصر فى إلى 2 مليون فدان، إلا أن زراعة القطن بدأت فى التراجع، بعد إلغاء الدورة الزراعية، وتوقف الحكومة عن دعم المزارعين، وبدأت المساحات المزروعة فى الانخفاض وأصبح القطن يتم تداوله حالياً فى أسواق من خلال تجمع البائعين والمشترين مباشرة للتعامل من خلال المزادات، وقد ادى خلط أصناف رمضان إلى تراجع سمعة القطن المصرى، ما أدى إلى عزوف الدول الأجنبية عن استيراد القطن المصرى وأصبحت المصانع المصرية تقوم باستيراد القطن قصير التيلة من الخارج.

ويشير الدكتور على الإدريسى الخبير الاقتصادى، إلى أن القطن المصرى كان بمثابة الذهب الأبيض للفلاحين واالذى احتل قائمة الصادرات المصرية للأسواق الخارجية، وكانت له علامة تجارية تتمتع بثقة كافة دول العالم، وكان أهم وأغلى صادرات مصر, وعندما كان القطن المصرى طويل التيلة الأول على مستوى العالم، كانت جميع دول العالم تتهافت عليه، وكانت هناك بورصة للقطن، ويتم تسعير القطن وبيعه بأعلى الأسعار، فالبورصة الزراعية هدفها تحديد الاسعار.

وأضاف: لدينا مشكلة أساسية الآن وهى عدم وجود منتج جيد إضافة إلى ضعف فى كمية الإنتاج، إلى ان خسر القطن سمعته الدولية خلال العشرين عاماً الماضية, وأصبح القطن فى نهاية قوائم الإنتاج الزراعى، وعانى من مشاكل عديدة، فضلاً عدم وجود فرص استثمارية تجعله ذا عائد مرتفع بالمقارنة بمحاصيل أخرى، وما زلنا حتى الآن نعتمد على وسائل تقليدية فى الزراعة ولا نعتمد على الوسائل التكنولوجية الحديثة، هذا فضلاً عن غياب فكرة التصنيع الزراعى، وعلى الرغم من كون مصر دولة زراعية وكان القطن يتمتع بسمعة عالمية قديماً، لكن مع الأسف ما زلنا نحتاج لدعم الحكومة لعودته لسابق عهده، كما نحتاج لعمل صندوق لضمان مخاطر الاستثمار فى هذا المجال وتقديم حوافز لتشجيع المستثمرين، فالمنتج الجيد بيسوق نفسه بنفسه.