الصلح خير.. فى مخالفات البناء

الصلح خير.. فى مخالفات البناء
الجمعة, 12 يوليو 2019 20:21
تحقيق: رحمة محمود / إشراف - نادية صبحى

2٫9 مليون مبنى فى انتظار التصالح.. و650 مليار جنيه عائدات متوقعة

125 جنيهاً حداً أدنى للمتر فى القرى.. و500 فى المدن.. و5 آلاف جنيه حداً أقصى

50٪ تخفيضاً فى قيمة الغرامة إذا كان البناء المخالف مطابقاً للاشتراطات البنائية

خبير إدارة محلية: مطلوب إعادة هيكلة جهاز التفتيش على البناء.. ويجب نقل تبعية الإدارات الهندسية إلى مديريات الإسكان

3٫5 تريليون جنيه فاتورة التهرب من سداد رسوم التراخيص والتأمين

 

أخيراً دخل قانون التصالح فى مخالفات البناء حيز التنفيذ وصدرت لائحته التنفيذية لتضع حداً لأزمة خطيرة ظلت تتراكم عبر عقود طويلة دون حل.

فلعقود طويلة ظلت مخالفات البناء تتزايد وتتراكم وصار الشعار الأشهر هو «خايف.. تبنى» ومع ذلك لم يتم الاقتراب منها، واكتفى الجميع بالغرق فى بحور الأوراق الرسمية التى ينتهى بها المطاف -غالباً- فى إدراج الجهات الحكومية.. فبلاغات العقارات الآيلة للسقوط يتم حفظها فى النهاية فى الأدراج، والنتيجة الحتمية هو سقوط آلاف العقارات فوق رؤوس ساكنيها، وبعدها كل ما يحدث هو نقل الموتى إلى المقابر ونقل المصابين للمستشفيات.

أما من كان القدر رحيماً بهم فإما يجلسون فى الشارع أو ينتقلون لمزاحمة أحد أقاربهم داخل مسكنه.

وظلت الكارثة تتزايد حتى وصلت المخالفات إلى 2٫5 مليون مبنى مخالف.. وكان لا بد من المواجهة وجاءت المواجهة بقانون التصالح فى مخالفات البناء.. فهل سيوقف القانون الجديد سيل مخالفات البناء؟! وما مصير المبانى المخالفة الحالية؟.. ومن يضمن ألا تسقط عقارات فوق رؤوس سكانها مرة أخرى؟

الإجابة فى التحقيق التالى:

نهاية الأسبوع الماضى أعلنت وزارة الإسكان تفاصيل اللائحة التنفيذية لقانون التصالح فى بعض مخالفات البناء وحددت اللائحة الحد الأدنى للتصالح بـ125 جنيهاً للمتر فى القرى و500 فى المدن وبحد أقصى 5 آلاف جنيه مع إمكانية السداد على أقساط متساوية ربع سنوية لمدة 3 سنوات بعد سداد 25٪ على الأقل من القيمة الإجمالية للتصالح على ألا يصدر قرار التصالح إلا بعد سداد جميع الأقساط.

وقالت المهندسة نفيسة هاشم، وكيل أول وزارة الإسكان إن قيمة المخالفة تكون 100٪ من قيمة المتر المسطح فى حالة البناء بدون ترخيص وتعدى الاشتراطات التخطيطية والبنائية السارية وكذلك مخالفة تغيير الاستخدام فى المناطق التى ليس لها مخططات تفصيلية وتنخفض المخالفات إلى 50٪ إذا كان البناء بدون ترخيص ومطابقاً للاشتراطات التخطيطية والبنائية و25٪ من قيمة المتر المسطح فى حالة مخالفة الرسومات المعمارية والإنشائية للترخيص، على نفس المسطح ويعدد الأدوار المصرح بها، وفى حالة مخالفة الرسومات الإنشائية فقط مع مطابقة الرسومات المعمارية تصبح المخالفة 20٪ بينما تنخفض إلى 5٪ فقط فى حالة مخالفة الرسومات المعمارية ومطابقة الرسومات الإنشائية.

وتضمنت اللائحة أيضاً تحديد معايير اختيار اللجنة التى تتولى تحديد مقابل التصالح وتقنين الأوضاع والتى سترفع تقريرها للمحافظ أو رئيس الهيئة المختصة بالقبول أو الرفض.

وبصدور اللائحة التنفيذية لقانون التصالح فى مخالفات البناء ازداد الأمل فى حل أزمة المبانى المخالفة التى وصلت لذروتها بعد ثورة 25 يناير 2011، ووصل حجم المخالفات إلى 2٫8 مليون مبنى مخالف وعدد الأدوار المخالفة 396 ألفاً و87 دوراً وهو ما يعنى طبقاً للنائب معتز محمود الرئيس السابق للجنة الإسكان بالبرلمان أن عدد الوحدات المخالفة يقترب من 20 مليون وحدة مخالفة على مستوى الجمهورية أن نصف الثروة العقارية فى مصر مخالفة.

ورغم إشادة البعض بقانون التصالح واعتباره طوق نجاة سيعود على خزينة الدولة بنحو 650 مليار جنيه إلا أن البعض حذر من استغلال القانون لزيادة المخالفات.

 

دفتر أحوال المآسى

وكانت مصر قد شهدت مآسى بلا حصر بسبب البناء المخالف ودفتر أحوال المآسى مليئاً بالمرارات منها حكاية آمال التى دفعت تحويشة عمرها وتقدر بنحو 120 ألف جنيه بالإضافة إلى إنفاق نحو 60 ألف جنيه على التشطيبات للشقة التى استأجرتها بنظام الإيجار القديم لمدة 59 عاماً بإيجار شهرى نحو 225 جنيهاً، لكن لم تمض سنة على إقامتها فى الشقة الجديدة التى فرحت بها إلا وغطت جدرانها التشققات وترك البلاط موضعه على الأرض فوجدت أنها هى وابنها الوحيد فى خطر فأغلقت الشقة وذهبت تبحث عن حل وسكن آخر.

تقول آمال عبدالجليل، مدرسة بإحدى الإدارات التعليمية بمحافظة القاهرة: أقطن فى 22 شارع الشيخ الشبراوى المتفرع من شارع جسر البحر بمنطقة شبرا الساحل محافظة القاهرة وفى عام 2014، وتحديداً فى شهر يناير استأجرت شقة قانون قديم وبعت كل ما أملك لتدبير ثمنها ولكن فوجئت ببناء برج سكنى نحو 13 دوراً ملاصقاً للعمارة التى أقطن بها ما أثر سلباً على العمارة التى أسكن بها وتسبب فى شروخ فى جدران شقتى.

وأضاف: رغم أن صاحب الأبراج الملاصقة لعمارتى حاصل على رخصة بناء، فإن المقاول الذى كلفه المالك لم يراع فى التخطيط الإنشائى تأمين البيوت المجاورة للأبراج بحيث لا تتضرر من الارتفاعات التى سيصل لها البرج السكنى، خاصة أن المنطقة المبنى عليها الأبراج والعمارات المجاورة لها أراضيها طينية أي أنها مع الارتفاعات الشاهقة وعدم وجود خوازيق أرضية لتحمل ثقل المبانى قد يعرضها للانهيار.

وواصلت: جميع العمارات بالمنطقة لا تتعدى 7 أدوار وتقدمت بشكاوى إلى حل الساحل وتم عمل معاينة من حى المنطقة الشمالية بمحافظة القاهرة وأقرت بوجود شروخ فاصلة بشق الجهة الشرقية للعار نتيجة بناء عقار جديد ملاصق للعقار من الجهة الشرقية كذلك يجد شروخ بالسلم وبعض الكمرات والأعمدة وأوصت لجنة المعاينة بترميم العقار فى أقرب وقت مع تنفيذ قرار الإزالة رقم 4501 لسنة 2018، والخاص بالبرج المخالف للمحافظة على الأرواح.

وتابعت: تم عمل الترميمات اللازمة للعمارة وبعد 5 شهور فوجئت بصاحب العقار الى أقطن فيه يبنى حجرتين فى الدور السابع ما أدى إلى ظهور شروخ جديدة بالعقار وتقدمت باستغاثة مرة أخرى للحى فتم إصدار قرار بالترميم وعمل صلبات وانتظرنا تنفيذ قرار لكن طالب الانتظار دون جدوى ولا أعرف إلى متي ننتظر ولماذا التهاون بأرواح المواطنين.

ولفتت إلى أنها أسرعت بتحرير محضر رقم 2260 ورقم 2478 كما تقدمت بعدة شكاوى لرئيس الحى وانتظرت التحرج وإصلاح ما تم إفساده مرة أخرى ولكن للأسف لم يتحرك أحد وبقى الحال كما هو عليه.

 

أشهر طرق التحايل على القانون

بصدور قانون التصالح فى مخالفات البناء ولائحته التنفيذية ستنتهى إلى الأبد عمليات التحايل التى كانت تتم على قانون البناء والتى سببت ثورات إنسانية وإنشائية بلا حصر، وكشف المقاول محمد أبورحومة الساكن بمنطقة الدقى، أسلوب العمل فى بناء العمارات بدون تراخيص وطرق التحايل على القانون حيث قال: يتم الاتفاق مع صاحب الأرض علي البناء دون تحمل التكاليف ودون الانتظار حتى الحصول على تراخيص مقابل أن يحصل على نصف الوحدات السكانية التى سيتم بناؤها، مؤكداً أنه بعد بناء جميع الوحدات وتأجيرها يقوم المقاول ببيع نصبيه لأحد المستأجرين.

وأشار إلى أنه يتم الاتفاق مع مهندس الحى الذى يقوم بتسجيل اسم وهمى فى سجلات المخالفات التى يتم تحريرها للمبنى المخالف ويتم إشغال الوحدة الموجودة بالطابق الأخير فور الانتهاء من البناء لمنع إزالة المبنى لافتاً إلى أن بعد قانون التصالح الجديد لن يحتاج الملاك إلى دفع رشاوى بآلاف الجنيهات حتى يتم التغاضى عن المخالفة.

ولفت إلى أن مصير أغلب الشكاوى والمحاضر التى يقدمها أى مواطن لموظفى الحى يتم حفظها فى أدراج المحليات أما المحاضر التى تقدم بقسم الشرطة التابع للحى فبعد إلحاح شديد وتردد المواطنين على القسم أكثر من مرة يبدأ قسم الشرطة بإجراء دراسة أمنية على المبنى المخالف وتكون نتيجتها بأن قرار الإزالة سيؤدى إلى احتجاج وتشريد السكان لذلك لا يتم تنفيذ القرار.

وكشف «أبورحومة» عن مخالفة خطيرة فى عمليات البناء تهدد حياتى بالانهيار، وقال: فى بعض الأحيان يتم بناء العقارات ذات الطوابق العالية التى تصل لأكثر من 12 طابقاً فى أسابيع قليلة أما المبنى ذات 5 أو 6 طوابق فلا يتجاوز مدة بناؤه شهر، حيث يتم سريعاً إشغال الطابق الأخير بأقارب أو جيران المالك، مؤكداً أن صب الخرسانة المسلحة لا يستغرق سوى ثلاثة أيام فقط للطابق الواحد، ثم يتم الشروع فى البناء.

فحسب المهندس أحمد عبدالله عضو نقابة المهندسين، إن المبانى المطابقة للمواصفات القياسية صب خرسانتها يحتاج إلى نحو 10 أيام لتصل إلى 70٪ من صلابتها وهذا يعنى أن الطابق الواحد يجب ألا يبنى فى فترة تقل عن 14 يوماً وإلا سيكون معرضاً فى أى لحظة للانهيار.

 

قانون البناء.. الإيجابيات والسلبيات

قال د. حمدى عرفة، خبير الإدارة المحلية إنه رغم التعديلات التى شهدها قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، فإنه لا بد من إعادة هيكلة جهاز التفتيش على البناء التابع لوزارة الإسكان من الناحية المالية والإدارية من خلال مخاطبة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بذلك وإعادة التوصيف الوظيفى للعاملين به حيث لا يوجد أى فروع للجهاز فى المحافظات ويوجد به حاليا 70 موظفاً وتوصياته غير ملزمة وموظفيه لم يتم منحهم صفة الضبطية القضائية، فضلاً على عدم فعالياته تجاه مخالفات للبناء؟

وتابع «عرفة»: يجب أيضا تعديل قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 وجود مواد مشتركة بين وزارة التنمية المحلية ووزارة الإسكان تتعلق بصفة مباشرة بمشكلة العشوائيات والبناء المخالف ولا بد من سرعة نقل جميع الإدارات الهندسية التابعة لـ184 مركزاً و92 حياً و1211 وحدة محلية قروية و214 مدينة والتى تتبع الإدارة المحلية إلى مديريات الإسكان المنتشرة فى المحافظات البالغ عددها 27 محافظة لأنها هى المختصة حيث إن عدد المهندسين فى تلك الإدارات لا يتعدى 8٪ والباقى حاصلون على دبلوم تجارة أو صنايع.

وأضاف «عرفة»: يجب أن يتم تطبيق اللامركزية المنصوص عليها فى الدستور ليكون كل محافظ هو من يشرف ويدير جميع مؤسسات الدولة الإدايرة فى محافظاته فيما تعلق بإيرادات المدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية كمدينة بدر ومدينة الشروق والمنيا الجديدة والعبور.. إلخ لزيادة حصيلة إيرادات المحافظات لحل مشكلة العشوائيات والقضاء على البناء المخالف مما يضعف دور المحليات وتطبيق اللامركزية فى آن واحد مع العلم أن نسبة المناطق غير المخططة فى مصر 60٪.

وواصل: قانون البناء الموجد حتى الآن جيد ولا يوجد به ثغرات ولكن هناك تحديات عديدة خاصة فى ظل المخالفات التى وصلت إلى 3 ملايين و184 ألف عقار مخالف فى 27 محافظة بعد ثورة يناير فقط فضلاً عن أن عدد العقارات المخالفة وصل منذ إنشاء جمهورية مصر العربية حتى الآن إلى 7 ملايين و380 ألف عقار مخالف، كما أن الأحياء والمدن والمراكز والوحدات القروية تعج بالكثير من الفاسدين فى الإدارات الهندسية.

وأكد «عرفة» أن الدولة تخسر قرابة 118 مليار جنيه سنوياً حصيلة انهيار العقارات المخالفة علاوة على 3 تريليونات و500 مليار جنيه سنوياً نتيجة للتهرب من رسوم التراخيص ودفع تكاليف التأمين.

 

مطلوب عقوبات رادعة

ومن جانبه، رأى حسن مهدى، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة عين شمس أن السبب الرئيسى وراء ظاهرة البناء العشوائى عدم وجود جهة رادعة تطبق القانون على المتجاوزين فى حال عدم التزامهم بالتخطيط العمرانى الذى توافق عليه هيئة التخطيط العمرانى.

وأشار إلى أن خلو قانون البناء الجديد من وجود عقوبات رادعة على المخالفين سيزيد من حجم العشوائيات في المستقبل لافتاً إلى أنه لا بد أن تلتزم المحافظات بالمخططات العمرانية وعدم إعطاء تصريح للبناء على أراضى زراعية أو بناء مدن سكنية داخل منطقة صناعية وذلك بالتعاون مع هيئة التخطيط العمرانى.

وفى السياق ذاته قال النائب البرلمانى محمد الحمادى، عضو لجنة الإسكان فى البرلمان إن أبرز مزايا قانون البناء الجديد أنه نقل تبعية استخراج الرخص من الوحدات المحلية لمكاتب استشارية مصنفة للتسهيل على المواطنين فضلاً أنه يتعامل بواقعية مع الأزمة الموجودة ففى حال هدم ملايين الوحدات السكانية التى تم إنشاؤها بالمخالفة منذ ثورة 25 يناير 2011، سيتم تشريد ملايين الأسر المصرية وستتكبد الدولة مليارات الجنيهات من أجل توفير سكن بديل لهم.

وحول بعض الأسئلة المطروحة بخصوص مدى إمكانية حل المشاكل المترتبة على البناء المخالف قال المهندس علاء والى، رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب إن هناك حالات لا يصنف عليها القانون منعاً البناء على الأراضي المملوكة للدولة، البناء على الأراضى الخاضعة لقانون حماية الآثار والمخالفات الخاصة بالمبنى والمنشآت ذات الطراز المعمارى.

كما أكد أن المبانى التى تمت على الأراضى الزراعية لن يتم التصالح فيها فيما عدا المبانى التى تم إنشاؤها قديماً وأصبحت فى كتل سكانية.

وبخصوص العقوبة التى من المفترض تطبيقها على المخالفين قال «والى» إن قانون البناء لا يترتب عليه أى عملية حبس ولكن يضيف غرامة مالية على حسب الأدوار المخالفة أو قد يتم إزالة المبنى فى حال تعرض حياة المواطنين للخطر.