حفيدة «مؤسس مدارس الأحد»:حبيب جرجس استعان بـ«عازف نادي» من فرقة أم كلثوم لأداء الترانيم

حفيدة «مؤسس مدارس الأحد»:حبيب جرجس استعان بـ«عازف نادي» من فرقة أم كلثوم لأداء الترانيم
الأربعاء, 10 يوليو 2019 20:10
كتب - عبدالوهاب شعبان:

تتذكر السيدة السبعينية منزل عمتها الكائن بشارع حمدى-منطقة الضاهر- عند حديثها عن أول لقاء جمع بين والدها «نجيب فليفل» –الطفل القادم من صعيد مصر-، و«الأرشيدياكون» حبيب جرجس مؤسس مدارس الأحد بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية قبل نحو 100 عام.

وتفتح باب الذاكرة على مصراعيه، حين تراودها رغبة الحكى عن الأسرة التى شملتها رعاية «القديس»، بعد تجربة الأب المبعد عن مسقط رأسه بـ«أسيوط» على خلفية صراع مع أشقائه على الميراث فى عام 1919.

يقع مسكن «نادية نجيب فليفل»-آخر من عاصر مؤسس مدارس الأحد- بمدينة 15 مايو، خلف باب الشقة الرئيسى تبرز «سفرة» حبيب جرجس المكونة من مائدة، و12 مقعدًا، وعن يسار غرفة «الصالون» دولابه المتضمن بعض التحف النادرة، والأكواب الخاصة، وتبقى صورة السيدة العذراء التى رسمها خصيصًا «فنان إيطالي» شاهدة على سيرة نحو ثمانين عامًا.

وينحدر «حبيب جرجس» من أسرة ثرية بمنطقة «الجبل الأحمر» بالقاهرة، حيث كان والده يعمل موظفًا بمؤسسة «منع الرقيق» التابعة لوزارة الداخلية، وهو ثالث ثلاثة (أبناء) للأسرة، ولدان، وبنت.

حين توفى حبيب جرجس -أقر المجمع المقدس قداسته عام 2013-، كانت نادية نجيب فليفل طالبة بالثانوية العامة، وقبلها أمضت مرحلة تعليمها فى «الحضانة، والابتدائية» بمدرسة أنشأها تحت مسمى «جامعة المحبة»، وتميزت بمجانيتها لسكان منطقته.

التقى –القديس-الطفل اليتيم «نجيب فليفل» لما علم بقصة قدومه من «أسيوط» بمنزل أبناء عمه، وتعهده برعايته، مستأجرًا له «شقة» بالعقار رقم65 شارع القبيصى بمنطقة الضاهر، وتكفل بزواجه، وتعليم أبنائه فيما بعد.

لم يتزوج «حبيب جرجس» هو وأشقاؤه، تبتل، فصار المسكن هادئًا بـ«تبتله»، وأنجب والدها-نجيب فليفل- 4 بنات، وفقًا لتقاليد الصعيد-وقتئذٍ-كان يعيّر بهن، فطلب منه «القديس» ألا يغضب من ذلك، وبشره بأنه سيعلمهن، ويزوجهن، وشاء القدر أن ينجب بعدها «ولدين».

تقول: «إنه كان ولى أمرى، ووقع لى شهادات الدراسة على امتداد مراحلها، وكان يستعين بمدرسين نجباء لتعليمنا».

داخل المنزل الذى احتضن أسرة «نجيب فليفل»، كان «حبيب جرجس» يقضى وقته بين القراءة، والكتابة، ومقابلة شباب مدارس الأحد، ويختتم يومه بمراجعة دروس أحفاده قبل النوم.

وتضيف لـ«الوفد» أن مدارس الأحد أنشئت عام 1900، وعارضها بعض الكهنة بحجة أن «العيال هيوسخوا الكنائس»، ولم يكن لها معلمون، فاستعان بمدرسى «الإكليركية»-إحدى المدارس الكنسية-، وزوجات القساوسة، وأقرت مناهجها رسميًا عام 1918.

قبل إقرار مناهجها، لجأ مؤسسها إلى صور دينية مطبوع على ظهرها قصة، وتعاليم، شارحةً مثال «صورة دخول السيد المسيح أرض مصر»، والصور يطبعها على نفقته الخاصة بـ«إيطاليا»، وكان لديه 100 صورة لشرح العهد القديم، ومثلها للعهد الجديد.

ضمن تلاميذه كان «نظير جيد»-البابا شنودة الراحل-، وكان يدرس لى مادة التاريخ بمدرسة «كلية البنات القبطية» بالعباسية، أما شقيقه «شوقي»-الذى صار فيما بعد «القمص بطرس جيد» فكان مدرسًا لمادة الدين.

وتكشف «نادية» بعدًا جديدًا فى شخصية «البطريرك الراحل» بقولها: كان خجولًا جدًا، يشرح لنا الدرس، وعيناه مثبتتان بالأرض، وحين كان يزورنا فى المنزل وافتح له الباب، يتخذ جانبًا، وكأنه لا يعرفنى.

تأثر «البابا شنودة» بمعلمه «حبيب جرجس»، حيث كان الأول يكتب الشعر، والترانيم لمدارس الأحد، ودائمًا كنت أراه جالسًا إلى قدميه حين كان يأتى بمفرده.

تحكى «حفيدة القديس» عن دواخله، فتتذكر يوم الأحد الذى كان مخصصًا لرحلة نيلية على كورنيش شبرا، لافتةً إلى أنه كان يجلس إلى أحد المقاهى يحتسى قهوته، منشغلًا بالنيل.

ولم ينشغل بالسياسة إطلاقًا، لصالح الوعظ، والتأليف، كاشفةً عن كونه الواعظ الوحيد بالمملكة المصرية –وقتئذ-، ولم يكن البطريرك يعظ فى حضوره، مكتفيًا بـ«رشم الصليب» عليه.

سافر «القديس» مع البابا كيرلس الخامس عدة دول من بينها «إثيوبيا، السودان»، وواعظًا فى كافة رحلاته الداخلية، والخارجية، وكان يقصد منزله «البطاركة» أبرزهم «البابا يوساب الثاني»، أما الأساقفة فكانوا يزورونه بشكل منتظم.

رحلة «حبيب جرجس» لم تخل من المتاعب-على حد قولها-، فعندما أصدر «مجلة الكرمة» تكبد على خلفية إصدارها خسائر مادية كبيرة، بجانب معاركه مع الأثرياء الأقباط فى قضية «الطلاق»، لكونه مناصرًا لقاعدة «لا طلاق إلا لعلة الزنا».

وتستطرد قائلة: «كان يقرأ كافة الصحف، ويشترى لنا مجلتى «المختار، والدكتور»، ويطلب منا قراءتهما، ويشجعنا على مراسلة الشباب من كافة الجنسيات لتحسين اللغة».

 جهاز الراديو بالنسبة له «شيطان» بالبيت، وحين أحضره والدى ذات يوم، طلب منه أن يستمع إلى نشرة الأخبار، و«بابا شارو» فقط، ولم يكن يهتم إطلاقًا بسماع الأغانى، ولا غيرها.

وتحكى أن عازف ناى بفرقة السيدة أم كلثوم، كان يزور حبيب جرجس بمنزله على فترات متقطعة، لعزف الألحان القبطية،

تتذكر «نادية» التى عملت مدرسة رياضيات حتى بلوغ سن المعاش، حكاية إصابته بالشلل، بعد محاولته عمل فترة مسائية لـ«الإكليريكية»، ومعارضة أعضاء المجلس الملى الشديدة له، مؤكدة معاناته المستمرة من الضغط نظير انشغاله الدائم بالبحث، والوعظ، والتعليم.

وتحيلها الذاكرة إلى عبارة كان يخص بها والدها طوال الوقت: «أنا شايلك لوقت عوزة»، ولما أصابه الشلل، كان والدى هو يده وقدمه، حيث كان يتحرك، وينطق بصعوبة شديدة، ورغم ذلك لم يتوقف عن لقاءاته بالشباب.

وتشير إلى أن تلاميذه المقربين»وهيب عطا الله»، «نظير جيد»، والقمص بولس باسيلى، وغيرهم»، صاروا علامات فى الكنيسة فيما بعد، على نحو تقلد فيه الأول «أسقفية البحث العلمي»، وصار الثانى «بطريركًا»، والأخير كان أول قس يحوز عضوية مجلس النواب.

وتروى أن شباب مدارس الأحد رشحوه لـ«البابوية» مرتين، إحداهما بعد «البابا كيرلس الخامس»، والذى جاء بعده «البابا يؤانس»، والأخرى بعد «البابا مكاريوس»، وجاء بعده البابا يوساب، لافتة إلى أنه كان ضد انتقادات الشباب لـ«البطاركة»، ولم تنجح محاولة تنصيبه كأسقف للجيزة، لأنه لم يكن راهبًا..

وتستطرد: هو الذى سلم مفاتيح الكنيسة للبابا مكاريوس أثناء تجليسه، بصفته «رئيس شمامسة» آنذاك.

وكان يرسل طلبة الكلية الإكليريكية للقرى لتعليم الأطفال بـ«الكتاتيب»، وبعدها اتفق مع وزارة المعارف لتعيينهم مدرسين لمادة التربية الدينية، وأعد لهم مناهج للمراحل «الابتدائية، الإعدادية، والثانوية».

وتستكمل: أذكر أن والدة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمى زارته ذات يوم، وبكت طالبة منه إقناعه بالعدول عن الرهبنة، لكنه طمأنها، وكان مقتنعًا برهبنته.

«أصيبت شقيقته بالزهايمر بعد وفاته»، وشقيقه «كامل جرجس» ترك وظيفته بهيئة السكة الحديد، وتفرغ للعمل الأدبى، ثم هدم بيته بعد ذلك، بعد إخراج سكانه منه بحكم محكمة.

بوفاته تأثرت الأسرة سلبًا، وكنا نتقاضى معاش 25 جنيهًا، ولم يسأل عنّا أحد بعد وفاته، وحصلنا على شهادة فقر، لضمان معونة الشتاء، والكسوة، والبطانية.

لم يطرق الحب قلب «حبيب جرجس»-على حد قولها-لكن منزله ظل ملجأ للجميع، وفى فترة الحرب العالمية الثانية كانت المنازل مزودة بمخابئ، لكن سكان المنطقة كانوا يحتمون بمنزله على خلفية يقينهم بأنه «بيت بركة».

وتزامنًا مع قرب الاحتفال بمئوية مدارس الأحد بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تقول «نادية فليفل»: إن الأسرة أهدت الكنيسة كتبه، ومقتنياته، وهى الآن موجودة فى متحف باسمه داخل المركز الثقافى القبطى.

وما تبقى من مؤلفاته، ورسائله، حصل عليها الأنبا سوريال أسقف ملبورن «أستراليا»، بعد زيارة فى عام 2016 لمنزلها، وإبلاغها برغبته فى إنشاء متحف لـ«القديس» بأسقفيته.

وتسترسل: غضبت حين أخذ أسقف ملبورن قطعة من جسده، للتبرك بها فى إيبارشيته، وقلت له فى رسالة: من قال إننا نعبث بأجساد القديسين؟.. لكنه لم يرد، وكان جثمانه موجودًا بكنيسة المهمشة بالشرابية، قبل نقله إلى الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

«السيدة» التى حضرت احتفالية افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968 بناءً على دعوة شخصية من «البابا كيرلس»، ودعيت فى احتفالية «نقل رأس مارمرقس» من روما تقول: إنها «طوال فترة البابا شنودة الراحل لم يتم دعوتها فى أية فعاليات كنسية تتعلق بـ«حبيب جرجس».