انطلاق قطار الإصلاح الإدارى

انطلاق قطار الإصلاح الإدارى
الأربعاء, 03 يوليو 2019 20:22
إشراف : نادية صبحي: - أعدت الملف: نادية مطاوع

منذ أيام قليلة عقد الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء اجتماعا مع مسئولى شركة ماكينزى الاستشارية، المسئولة عن تقديم الاستشارة للحكومة حول ملف إعادة هيكلة الوزارات والمصالح الحكومية، والحجم الأمثل للوزارات والجهات الإدارية والخدمية، وآليات أداء المهام والوظائف بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية.

وخلال الاجتماع، أكد رئيس الوزراء اهتمام الحكومة بالإصلاح الإدارى، وما يستجد من موضوعات تتعلق بهيكلة المؤسسات والجهات الحكومية لتمكينها من أداء مهامها بكفاءة.

هذا الاجتماع أكد أن قطار الإصلاح الإدارى الذى ينتظره الجميع انطلق، خاصة أنه يتزامن مع بدء تحاليل المخدرات لموظفى الدولة، وهو ما يعنى أن البقاء سيكون للأفضل والأكفأ والسليم المعافى.

وأكد الخبراء أن الإصلاح الإدارى هو أمل الدولة المصرية للقضاء على سلبيات تضخم الجهاز الإدارى للدولة الذى يعمل به حوالى 6.5 مليون موظف، ويلتهم ما يقرب من 20% من الموازنة العامة للدولة.

وكان رئيس الجمهورية قد أكد مرارا أن إجراءات الإصلاح الإدارى بالدولة لن تكون على حساب أرزاق المواطنين، مؤكدا أن الإصلاح الإدارى يهدف إلى تحقيق أداء جيد فى الدولة، ولن يتم على حساب حقوق الناس والأسر المصرية.

 

فحص ملفات العاملين فى 722 جهة حكومية

البداية.. وزارات الصحة والزراعة والثقافة والرى والتعليم العالى

 

فى ظل تضخم الجهاز الإدارى للدولة، وتردى الخدمات المقدمة للمواطنين، أصبح تطوير وإصلاح الجهاز الإدارى للدولة أمراً واجباً، وبدأت الحكومة فى اتخاذ أولى خطواتها بهذا الشأن بإقرار قانون الخدمة المدنية أولاً، ثم حان الآن دور إعادة الهيكلة، هذه المرحلة التى كان يخشاها عدد كبير من موظفى الدولة وأسرهم، خاصة بعد الشائعات التى صاحبتها من تقليص أعداد الموظفين.

وقد أكد المسئولون مرارا عدم الإضرار بأى موظف من الإصلاح وإعادة الهيكلة، وأن التطوير سيتم من أجل حل مشكلات هذا الجهاز الروتينى العقيم المتضخم منذ سنوات طويلة، على أن يتم هذا تحت شعار البقاء للأصلح والأفضل دائما.

وبالفعل بدأت الحكومة بإعداد خطة لإعادة هيكلة عدد من الجهات الحكومية فى العام الماضى، وصرح الدكتور طارق الحصرى مستشار وزير التخطيط بأن الحكومة بدأت بالفعل فى تنفيذ برنامجها الإصلاحى والذى يتضمن إعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة، مشيرا إلى أن مجلس الوزراء أرسل خطابا رسميًا لجميع مديريات التنظيم والإدارة فى جميع المحافظات، يتضمن قرارا بإنهاء خدمة العاملين فى حالة عدم توافر اللياقة الصحية والبدنية، وتعاطى المخدرات، وبلوغ سن المعاش (60 عاما).

وأضاف أن المرحلة الأولى من إعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة ستتضمن 5 وزارات وسيتم تخفيض عدد العاملين بها وهى وزارات التعليم العالى، الصحة، الزراعة، الرى، الثقافة، بالإضافة إلى ماسبيرو، وأكد أنه بعد أن يتم الانتهاء من هذه الوزارات سيتم البدء فى تطبيق المرحلة الثانية من إعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة، بدخول وزارات أخرى مثل التربية والتعليم والإسكان والتخطيط والتموين والتنمية المحلية وغيرها من الوزارات حتى يتم تخفيض عدد العاملين بالجهاز الإدارى للدولة والبالغ عددهم أكثر من 6 ملايين موظف.

إلا أن تنفيذ هذه الخطة لم يبدأ فعليا، حتى جاءت حادثة انفجار جرار قرار محطة مصر، لتكشف التحقيقات أن السائق يتعاطى المخدرات، ومن هنا جاء إقرار قانون لتوقيع الكشف على جميع موظفى الدولة، تمهيدا لتطبيق إنهاء عمل من يثبت تعاطيه المخدرات، وبالفعل منحت الحكومة فرصة للمتعاطين للعلاج قبل بدء تحليل المخدرات، لأن من يثبت تعاطيه المخدرات سيفقد عمله، فلا مكان فى الجهاز الإدارى للدولة للمدمنين.

فى الوقت ذاته أبدى البنك الدولى رغبته فى مساعدة مصر فى برنامج الإصلاح الإدارى وإعادة الهيكلة، حيث عقدت عدة اجتماعات بين ممثلى البنك الدولى والمسئولين بوزارة التخطيط لمناقشة ملف الإصلاح الإدارى وما يمكن أن يقدمه البنك فى هذا الصدد، وهو ما أكده أسعد علام مدير مكتب البنك الدولى بالقاهرة خلال لقائه والدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط.

وأثنى على مشروعات وزارة التخطيط فى هذا الاتجاه، مؤكدًا أن الإصلاح الإدارى خطوة ضرورية ومهمة تمهد لعملية التنمية الشاملة. كما أبدى رغبته فى التعاون فى هذا الشأن من خلال عدة محاور، منها تقديم دراسات وافية عن التجارب الناجحة فى مجال الإصلاح الإدارى بالدول الأخرى، وكذلك التعاون فى مجال تقييم العاملين بالجهاز الإدارى، فضلًا عن تقديم مجموعة من التدريبات المتخصصة للعاملين.

فيما أكدت الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط، أنه تم عمل دراسات مستفيضة، بالتعاون مع شركة «إن آى كابيتال»، المملوكة لبنك الاستثمار القومى، وبعض الشركات الدولية. من أجل تحقيق الإصلاح الإدارى والتطوير المؤسسى، مشيرة إلى أن الوزارة تخطو خطوات سريعة وثابتة لتنفيذه، للنهوض بالجهاز الإدارى للدولة، فضلًا عن تعزيز كفاءة العاملين، مضيفة أن التعاون المرجو من قبل البنك الدولى يأتى فى إطار دعم تنفيذ هذا البرنامج على الوجه الأمثل.

وبدأ الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة فى إعداد خطط إعادة الهيكلة، حيث قام الجهاز بإرسال خطابات لـ722 جهة ومؤسسة حكومية لمعرفة بيانات العاملين فيها، وتهدف هذه الخطوة إلى التعرف على احتياجات المصالح الحكومية ونسب العجز أو الزيادة بها وتكلفة الأجور، وأكد المسئولون بالجهاز أنه لن يضار أى موظف من عملية إعادة الهيكلة.

ثم جاء اجتماع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى مع مسئولى شركة ماكينزى، التى تتولى تقديم الاستشارة للحكومة المصرية حول إعادة هيكلة الوزارات والمصالح الحكومية، ليؤكد أن الحكومة تسير بخطى واثقة فى هذا الاتجاه، حيث من المقرر أن تحدد الشركة للحكومة الحجم الأمثل للوزارات والجهات الإدارية والخدمية، وآليات أداء المهام والوظائف بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية.

وأكد رئيس الوزراء خلال الاجتماع على ما تُوليه الحكومة من اهتمامٍ بالغ لملف الإصلاح الإدارى، وما يتفرع عنه من موضوعات تتعلق بهيكلة المؤسسات والجهات الحكومية من أجل تمكينها من أداء مهامها بكفاءة، مشيرا إلى أن مصر نجحت على مدار السنوات الثلاث الماضية فى تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى ونقدى بنجاح لافت، أصبح محل إشادة من المؤسسات الاقتصادية الدولية، ومن ثم تسعى الحكومة إلى البناء على ما تحقق، من خلال تنفيذ حركة إصلاح هيكلى شامل للجهاز الإدارى للدولة، بما يتواكب مع قرب الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وبحيث لا يقتصر النقل على الانتقال المكانى فقط، وإنما يتضمن نقلة نوعية فى آليات العمل.

واستمع الدكتور مصطفى مدبولى إلى شرح من مسئولى شركة «ماكينزى» حول نتائج الاجتماعات التى عقدها ممثلو الشركة على مدار الفترة الماضية مع الجهات والوزارات المختلفة، من أجل الوقوف على طبيعة المهام التى تؤديها كل وزارة، والهيئات التابعة لها، والوظائف المشتركة بين عدة وزارات، وذلك تمهيدًا لبدء العمل على صياغة خطة متكاملة لإعادة الهيكلة.

وكلف رئيس الوزراء بسرعة قيام الشركة بإعداد التصور المقترح، حتى يتسنى البدء فى تنفيذه فى أقرب وقت ممكن.. هذه الأخبار أثارت مخاوف الكثير من موظفى الجهاز الإدارى بالدولة، خاصة أن كلمة الإصلاح الإدارى وإعادة الهيكلة مرتبطة فى أذهان الكثيرين بالتخلص من عدد كبير من العاملين فى هذه الجهات، إلا أن الدكتور صالح الشيخ، رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، أكد أن الحكومة جادة فى إصلاح الجهاز الإدارى للدولة، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة منه للمواطنين، مدعمة إصلاحه بآليات تكنولوجية متطورة لمكافحة الفساد واستدامة إصلاحه.

وأضاف خلال المحاضرة التى نظمها البرنامج الرئاسى التخصصى التابع للأكاديمية الوطنية للتدريب، أن إصلاح الجهاز الإدارى كان لابد أن يستند أولا إلى إطار تشريعى وقانونى يتناسب مع آلية العمل، لذلك صدر قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 والذى يعد خطوة من خطوات الإصلاح الإدارى للدولة، مشيرا إلى أن فلسفة قانون الخدمة المدنية تتماشى مع رؤية مصر 2030 لتحقيق التنمية المستدامة، ورفع كفاءة الجهاز الإدارى للدولة، إلى جانب رفع مستوى الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين، والقضاء على مظاهر البيروقراطية والفساد، وزيادة مساحة الشفافية فى العمل الحكومى والمصارحه أيضاً.

وأوضح أنه عقب صدور القانون واللائحة بقى لمؤسسات الدولة المعنية ترجمتها لبرامج ومشروعات، ولهذا تقوم كل من وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى والجهاز بإجراء تحديث ملف وظيفى لبيانات وأعداد جميع العاملين بالجهاز الإدارى للدولة، وصولا لقاعدة بيانات دقيقة ومحدثة دوريا عن العاملين فى الجهاز الإدارى وخصائصهم، مشيرا إلى أن عملية التحديث، تهدف لوضع خريطة للطاقات البشرية الموجودة بالجهاز الإدارى وفقا لعدة عوامل منها السن والمؤهلات والتخصصات والنوع، كما تهدف أيضاً إلى المساهمة فى رسم سياسات دقيقة حول الاستخدام الأكفأ للطاقات البشرية المتاحة بالجهاز الإدارى، دون الإضرار بأى من العاملين به.

 

تحت الدراسة

دمج الوزارات.. وخبراء: 18 وزارة تكفى

 

الإصلاح الإدارى فى مصر لن يقتصر فقط على القوة البشرية، وإنما سيمتد أيضًا لتحقيق مطلب قديم طالما كثر الحديث عنه، وهو دمج عدد من الوزارات والهيئات المتشابهة التى لها نفس الاختصاصات، فمنذ سنوات عديدة يطالب الخبراء بضرورة تقليل عدد الوزارات فى مصر، فرغم كل ما يعانيه الاقتصاد المصرى، والحديث المتواصل عن خطط التقشف الحكومى، إلا أن الحكومة المصرية تعد من أكبر الحكومات فى العالم من حيث عدد الوزارات.

ففى حين يبلغ عدد الوزارات فى مصر 34 وزارة، منها وزارات لا تختلف كثيرًا عن بعضها، نجد أن أغنى دول العالم لا تمتلك هذا العدد من الوزارات.

فعلى سبيل المثال يبلغ عدد الوزارات فى أمريكا 14 وزارة فقط، وفى ألمانيا 13وزارة، وفرنسا بها 15 وزارة، أما الصين التى يبلغ تعداد سكانها مليارًا و300 مليون نسمة فتسير أمورهم 18 وزارة فقط.

أما فى مصر الفقيرة فنجد 34 وزارة، يعمل بها ملايين الموظفين، بعضهم لا يجد كرسى ليجلس عليه، وبعضهم بلا وظيفة حقيقية، ومع ذلك يتقاضون مرتبات تكلف الدولة مبالغ طائلة كل عام، ورغم أن هذه المشكلة قديمة، إلا أن أحدًا لم ينجح فى إيجاد حل لها، بل نجد أن عمليات الفك والتركيب ما زالت مستمرة، ففى حين كانت توجد وزارة للخارجية دورها رعاية شئون المصريين فى الخارج من خلال السفارات، فوجئنا باختراع وزارة جديدة منذ عدة سنوات تحت مسمى وزارة الهجرة وشئون المصريين فى الخارج، وتم تعيين عدد كبير للعمل فيها برواتب خيالية.

 نفس الأمر تكرر من قبل مع وزارة التضامن التى عرفت منذ إنشائها باسم وزارة الشئون الاجتماعية، وفى عام 2005 تم ضمها لوزارة التموين، ليصبح لمحدودى الدخل جهة واحدة ترعى كل مصالحهم، إلا أنه فى عام 2011 انفصلت الوزارتان لتصبح التموين والتجارة الداخلية وحدها، والشئون الاجتماعية والتأمينات والمعاشات وزارة مستقلة، لتتخذ اسمها الجديد التضامن عام 2013.

الغريب أنه أيضًا لدينا وزارة للصناعة وأخرى لقطاع الأعمال العام رغم أن المجالات متقاربة جدًا، ووزارات للآثار والثقافة رغم أن الآثار ظلت لسنوات طويلة تابعة للثقافة ولم تتغير أحوالها كثيرًا بعد أن أصبحت وزارة مستقلة، والأطرف من ذلك أن السياحة والآثار مرتبطتان جدًا ومع ذلك فكل منهما تمثل وزارة مستقلة، بما تحتويه من موظفين فى ديوان عام الوزارة ومديرياتها فى المحافظات، وهو نفس الحال فى وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى، ناهيك عن وجود وزارات ومجالس عليا لكل مجال من هذه المجالات.

الغريب أن الحكومة تتحمل أجور العاملين فى هذه الوزارات ومصاريف تشغيل مقراتها وسيارات للوزراء والمسئولين فى كل وزارة، بالإضافة إلى جيش المستشارين الذين يتم تعيينهم فى كل وزارة، ومع كل وزير والذين يتقاضون الملايين كمكافآت سنوية، وفى عام 2017 أعلنت وزارة التخطيط عن قيامها بدراسة لدمج الوزارات المتشابهة وتقليص عدد الوزارات إلى 18 وزارة فقط ليتم تنفيذ ذلك فى مطلع 2018، إلا أن عام 2018 انتهى وانتصف 2019 والدراسة لم تخرج للنور بعد.

وأعلنت حكومة المهندس شريف إسماعيل – وقتها – أن هذا الدمج يتم بغرض خفض الإنفاق العام للجهات الحكومية بنسبة 25%، وذلك تماشيًا مع مساعيها لترشيد نفقاتها ضمن خطتها للتقشف، علاوة على تفادى تضارب الاختصاصات والمهام والحد من البيروقراطية، والإسراع من وتيرة الأداء الحكومى.

وأعلنت وزارة التخطيط أن الوزارات التى يجرى دراسة دمجها تتعلق بالخدمات العامة للمواطنين، والخدمات الاستثمارية، بالإضافة إلى وزارات البيئة، والتضامن، والسياحة، والطيران، دون أن يمس الدمج الموظفين فى الهيكل الإدارى لكل وزارة، إلا أن هذه الخطة اختفت بمجرد دخول وزارة المهندس مصطفى مدبولى الخدمة، لتطرح القضية مرة أخرى على الساحة بعد اجتماع رئيس الوزراء مع مسئولى شركة ماكينزى التى تقدم للحكومة الاستشارات اللازمة لإتمام عملية الإصلاح الإدارى، ليصبح السؤال المطروح هل ستنجح عملية الدمج أم ستظل الأمور على ما هى عليه، بينما تتكلف الحكومة قيمة الدراسة التى تعدها واحدة من أكبر الشركات العالمية فى مجال الدراسات الإدارية.

وأشار مدحت الشريف وكيل اللجنة الاقتصادية بالبرلمان إلى أن خطة دمج الوزارات خطة تم طرحها من قبل، فى إطار الإصلاح المؤسسى لتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والقضاء على تضارب الاختصاصات بين الوزارات المختلفة، علاوة على أهمية الدمج فى خفض النفقات، مشيرًا إلى أن تخصص الوزارات فى بعض الأحيان يعوق تخصص وزارة أخرى، فعلى سبيل المثال خلال دراسة قانون الاستثمار تم تعديل 75% من القانون المقدم من الحكومة نتيجة تضارب الاختصاصات بين الوزارات المختلفة وازدواجية المعايير.

وأضاف أن تقليص الوزارات يتطلب خطة واضحة وإدارة جيدة لعملية الهيكلة لخلق نظام إدارى جيد وسليم دون الإضرار بمصالح المواطنين والعاملين فى هذه الوزارات، وأشار إلى أن هناك وزارات متقاربة جدًا فى الاختصاصات، وهذه يمكن دمجها بسهولة، مثل السياحة والطيران، حيث إن القطاعات الخاصة بهما متقاربة جدًا، كما يمكن دمج التجارة الداخلية مع التجارة الخارجية والاستثمار لتصبح وزارة الاقتصاد، بالإضافة إلى الآثار والثقافة، والصحة والبيئة.

 

5٫1 تريليون جنيه سنوياً خسائر  البطالة المقنعة

 

مشكلة تضخم الجهاز الإدارى فى مصر ليست وليدة اللحظة، ولكنها موروثة عن سنوات المد الاشتراكى، وما تبعها من ضرورة إيجاد فرص لجميع المواطنين، دون حاجة العمل إلى ذلك، وهو ما أسفر عنه جهاز متخم بالموظفين بلا عمل حقيقى وخسائر قدرتها الدراسات بما يقرب من 5.1 تريليون جنيه سنويا بسبب ضعف الإنتاجية وانخفاض معدلات الإنتاج.

فوفقا للإحصاءات الرسمية تمتلك مصر أضخم جهاز إدارى فى العالم قوامه حوالى 6.5 مليون موظف، بينما الحاجة الفعلية للعمل لا تزيد على 2 مليون موظف فقط، وهو ما يعنى أن نسبة البطالة المقنعة بين موظفى الدولى تزيد على 60%.

كذلك تؤكد الإحصاءات أن هناك موظفاً بمصر لكل 13 مواطناً، بينما تبلغ النسبة العالمية موظف واحد لكل 400 مواطن، ورغم اختفاء عبارة فوت علينا بكرة، ورغم ميكنة عدد من المصالح الحكومية إلا أن المواطنين ما زالوا يعنون الأمرين فى إنهاء مصالحهم داخل أروقة الأجهزة الحكومية بسبب البيروقراطية والروتين.

ومع ذلك يستنزف هذا الجهاز البيروقراطى العقيم حوالى 266 مليار جنيه أى أكثر من 20% من الموازنة العامى للدولة سنويا كأجور ومكافآت وحوافز وبدلات.

ورغم هذا العدد الضخم من الموظفين فى كل الجهات تقريبا إلا أن نسبة الإنجاز تعد هى الأسوأ والأقل على مستوى العالم.

فقد أوضحت دراسة أجراها اتحاد تنمية الموارد البشرية أن معدل إنتاجية الموظف الحكومى العربى بشكل عام والمصرى بشكل خاص من أقل المعدلات على مستوى العالم، حيث يبلغ متوسط إنتاج العامل المصرى 30 دقيقة يوميا، فى حين يبلغ متوسط إنتاج العامل العربى بشكل عام ما بين 52 إلى 81 دقيقة يوميا، وأرجعت الدراسة ذلك إلى عدد من العوامل أهمها انعدام التدريب، وعدم حصول العامل على مميزات حقيقية، وإن حصل عليها فهى قليلة ولا تلبى احتياجاته الأساسية، فضلاً عن البيروقراطية والبطالة المقنعة.

وأشارت الدراسة إلى أن تدنى إنتاجية الموظفين والعمال هو مأزق لا يمكن الخروج منه إلا باتباع سياسات وخطط تتبناها إرادة جادة من الدولة نفسها. ويتضمن ذلك تدريب الموظفين والعمال، واستخدام تكنولوجيا المعلومات والحكومة الإلكترونية، موضحة أن هناك عدة دول عربية مثل الإمارات والسعودية وتونس والأردن قطعت خطوات جادة وناضجة فى مجال زيادة الإنتاجية للموظف والعامل.

وأكدت الدراسة أهمية الاستثمار فى العقل العربي، وتوفير الدعم الحقيقى لإنجاح العامل، مشيرة إلى ضرورة دراسة تجربة اليابان وماليزيا، والتى استثمرت فى رأس المال البشرى وركزت على المحور التعليمى ومخرجاته، حتى أصبحت من أكثر الدول تقدما. وأوضحت الدراسة أنه لن يتحقق أى تقدم اقتصادى أو تنمية ولن تنهض المؤسسات إلا بإدارة رأس المال البشرى بشكل جيد.

هذه الدراسة لم تكن الأولى من نوعها فقد سبقتها دراسات عديدة أكدت أن إنتاجية العامل والموظف المصرى أقل من مثيلاتها فى العالم، حيث قدرت الإحصاءات القيمة الإنتاجية للعامل المصرى بـ6100 دولار سنويا بما يوازى 4 دولارات فقط يوميا، فى حين تصل القيمة الإنتاجية للعامل الأمريكى إلى 44 ألف دولار، والتركى 8 آلاف دولار بما يعكس مدى انخفاض القيمة الإنتاجية للعامل المصرى مقارنة بالدول الأخرى.

وتنعكس هذه الإنتاجية المنخفضة للعامل المصرى على تردى الأداء فى المصالح الحكومية، فزيارة واحدة لأى مصلحة حكومية تجعلك تشعر بالكارثة التى يعيشها هذا الجهاز الإدارى المتخم بموظفين بلا عمل، ففى كل مصلحة حكومية يوجد مئات الموظفين يبدأ يومهم بالإفطار صباحا، ثم قراءة الصحف، وتصفح مواقع التواصل الاجتماعى، والحكايات التى لا طائل منها، بينما مصالح المواطنين لا تجد من ينجزها.

ورغم أن يوم العمل للموظف أو العامل فى مصر يقدر بـ8 ساعات إلا أنه لا يعمل فعليا سوى أقل من نصف ساعة منها، وباقى الوقت مهدر فى أمور أخرى يعرفها كل من يتعامل مع هذه المصالح، بدءا من حل الكلمات المتقاطعة وحتى تجهيز الخضراوات للسيدات!

وكشف الدكتور أسامة عبدالفتاح أمين عام المجلس القومى للإنتاج بالمجالس القومية المتخصصة، أن الاقتصاد المصرى يخسر سنويا ما يقرب من 5.1 تريليون جنيه سنويا بسبب ضعف الإنتاجية وانخفاض معدل الإنتاج، مؤكد أن جميع أطراف المنظومة خاسرون، سواء كان الموظف والعامل والدولة والاقتصاد المصرى.

وأشار إلى أن هناك العديد من العوامل التى تقف وراء انخفاض إنتاجية العامل المصرى منها مناخ العمل نفسه، حيث أن بيئة العمل التى يعمل بها الموظف والعامل المصرى لا تشجع على مزيد من الإنتاج، وهذه القضية كثر الحديث عنها حتى قبل قيام ثورتى 25 يناير و30 يونية، ومع ذلك لم تتحسن بيئة العمل.

وأوضح أن بيئة العمل تشمل مستوى كفاءة الآلات والمعدات التى يستخدمها العامل، والاهتمام بمستوى العامل نفسه وتدريبه، وإكسابه المهارات اللازمة التى تعينه على القيام بعمله من جهة، وتعمل على زيادة كفاءته من جهة أخرى، وقال الخبراء إنه لو تم تحسين بيئة العمل فسينعكس هذا على جودة وزيادة الإنتاج بالإيجاب.

وأشار أمين عام المجلس القومى للإنتاج بالمجالس القومية المتخصصة، فى دراسة له حول معوقات الإنتاج فى مصر، إلى أن تحسين بيئة العمل ضرورة لزيادة الإنتاجية، لذلك طالب أصحاب الأعمال والحكومة على السواء بضرورة توفير مناخ عمل ملائم، يراعى فيه مصلحة الاقتصاد ومصلحة العامل فى آن واحد، والتخلص من البيروقراطية فى الإدارة، وتحقيق مزيد من المرونة فى التعامل مع المعوقات التى تواجه العامل يوميا، مع زيادة الرواتب والمكافآت بما لا يجهد ميزانية الدولة من جهة، وبما يحقق الإشباع والاكتفاء للموظف والعامل على السواء من جهة أخرى.

بيئة العمل المعوقة هذه جعلتنا أمام معادلة صعبة: عمال غير منتجين، ودولة تدفع رواتب بلا مقابل حقيقى على أرض الواقع، ومن ثم أصبحت إعادة الهيكلة ضرورة لابد منها حتى يتحول هؤلاء العمال والموظفون إلى طاقة منتجة.

 

قانون الخدمة المدنية وإعادة الهيكلة أهم الوسائل

روشتة لعلاج الأمراض الإدارية

 

يؤكد الخبراء أن الإصلاح الإدارى هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على البيروقراطية والتعقيد والنهوض بالجهاز الإدارى للدولة الذى يعانى من مشكلات عديدة، وأجمعوا أن خير وسيلة لها الإصلاح هى إعادة الهيكلة دون المساس بأى من الموظفين، وذلك من خلال التدريب التأهيلى والاستفادة من قدرات جميع العاملين فى هذا الجهاز.

فرغم أن عدد العاملين فى الجهاز الإدارى للدولة يبلغ 6.5 مليون موظف إلا أن هناك جهات تعانى من نقص شديد فى عدد العاملين، وهو ما ينعكس بالسلب على قضاء مصالح المواطنين، فعلى سبيل المثال تعانى مرافق المياه فى كل المحافظات من نقص عدد الكشافين والمحصلين، وبالتالى تتراكم القراءات على المواطنين، ليفاجأوا بفواتير مجمعة تفوق قدراتهم على الدفع، نفس هذا الأمر يتكرر فى شركة الكهرباء التى يوجد بها عدد كبير من الموظفين الإداريين بينما هناك نقص فى عدد المحصلين، وهو ما كان أيضاً سببا فى اختفاء وظيفة «كشاف النور» منذ سنوات طويلة.

أما وزارة التربية والتعليم فتعانى من نقص حاد فى عدد المدرسين بينما عدد الموظفين الإداريين فى الوزارة يفوق أعداد المدرسين بمراحل، ويكفى أن نذكر أن ديوان عام الوزارة يعمل به حوالى 7 آلاف موظف بينما عدد المقاعد فى الوزارة يقدر بـ2300 مقعد فقط، فى حين يصل العجز فى أعداد المدرسين إلى 50 ألف مدرس كل عام.

هذه الحالة تعانى منها معظم الجهات الإدارية فى مصر، نقص حاد فى عدد الموظفين فى جهة وزيادة فى أعدادهم فى جهات أخرى، وهو ما دفع الدكتور صلاح الدسوقى أستاذ الإدارة ومدير المركز العربى للدراسات الاقتصادية والإدارية، إلى القول إن الإصلاح الإدارى وإعادة الهيكلة يتطلب تطبيق مبادئ الإدارة الرشيدة، مع ضرورة الوضع فى الحسبان مشكلة زيادة العنصر البشرى عن احتياجات الجهاز الإدارى للدولة.

وأضاف أن هذا يتطلب إعادة تدريب العاملين فى الجهات المختلفة والاستفادة بهم فى الجهات التى تعانى النقص، وهو ما يسمى بالتدريب التحويلى بحيث تستفيد الدولة من فائض العمالة الموجودة بها، كما أنه لابد من التوسع فى أعمال الحكومة حتى يتسنى للدولة الاستفادة من العاملين بها، فبدلا من أن توكل الحكومة أعمالا لشركات القطاع الخاص مثل تأمين الجامعات والمنشآت الحكومية والعامة، فلماذا لا يتم تدريب عدد من موظفى الحكومة الذين لا تستفيد منهم الدولة، للقيام بهذه الأعمال؟

كما يمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء شركات حكومية مهمتها القيام بهذا العمل، ويتم تشغيل الموظفين الذين لا عمل لهم فيها، وبذلك تستفيد الحكومة من البطالة المقنعة المنتشرة بين موظفيها.

وطالب الدكتور الدسوقى بضرورة الاعتماد على جهات محلية للقيام بعملية إعادة الهيكلة بدلا من الاعتماد على جهات أجنبية والبنك الدولى، لأن هذه الجهات لا تعى طبيعة العمل فى مصر، وبالتالى تضع خطط إعادة الهيكلة وفقا لمناخها هى مما قد يخلق بطالة مقنعة من نوع آخر.

وأكد أن الإصلاح الإدارى فى مصر ضرورة بشرط ألا يضار منه أى موظف، لذلك لابد من إعادة توظيف العمالة بما يضمن حسن الاستغلال الأمثل لها.

وكانت الدولة ممثلة فى وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى قد وضعت خطة عامة للإصلاح الإدارى فى مصر، تقوم على أساس التطوير المؤسسى الذى يهدف إلى خلق جهاز إدارى حديث وخدمة مدنية فعالة، ووضع خطط وسياسات وقوانين وهياكل إدارية حديثة، وتعديل نظم الحوافز والترقى، وتطوير هياكل الأجور وتنقية وتعديل جداولها، وتحسين بيئة العمل وتنمية مهارات الموارد البشرية من خلال التدريب المستمر، وذلك من خلال عدة مشروعات أولها: مشروع تطوير منظومة إدارة القطاع الحكومى، وذلك من خلال تطوير الجهاز الإدارى للدولة لرفع كفاءته وفاعليته، وتحديد شكله فى ضوء استراتيجية التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، من خلال وضع هياكل تنظيمية مرنة للجهاز الإدارى للدولة.

كذلك هناك مشروع تطوير منظومة إدارة الموارد البشرية، من خلال تمكين العاملين بإدارات شئون العاملين من استخدام وتطبيق الأساليب والمناهج الحديثة للموارد البشرية، وتحقيق الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية من خلال تحويل إدارات شئون العاملين إلى إدارات الموارد البشرية بمفهومها الحديث بالجهاز الحكومى، فى ضوء قانون الخدمة المدنية الجديد، بما يسهم فى تطوير وتوفير الموارد البشرية.

بالإضافة إلى مشروع تحديث البنية التشريعية للجهاز الإدارى للدولة، وذلك من خلال حصر جميع القوانين والقرارات واللوائح الخاصة بالخدمة المدنية المعمول بها فى جميع الوزارات والهيئات، وإعداد مقترحات بديلة لهذه القوانين والقرارات واللوائح بحيث تمنع التضارب وتحفز النمو، مع اتخاذ اللازم لعرض المقترحات على الجهات المختصة لمناقشتها وتعديلها واعتمادها والبدء فى تطبيقها.

وهناك أيضاً مشروع تدريب العنصر البشرى بالجهاز الإدارى للدولة، ويتم من خلال تنمية وبناء القدرات والمهارات اللغوية والإدارية للعنصر البشرى بالجهاز الإدارى للدولة، وخلق مجموعة من القيادات الشابة المنتقاة وتأهيلها لتتولى مناصب قيادية فى المستقبل، من خلال إلحاقهم ببرامج تدريبية مُتخصصة فى إدارة الأعمال، واختيار الأوائل للحصول على ماجستير إدارة الأعمال بالتعاون مع مجموعة من الجامعات المُتخصصة فى هذا المجال، وتنمية مهارات اللغة الفرنسية بالتعاون مع المركز الثقافى الفرنسى.

وأوضح النائب الوفدى فايز أبوخضرة عضو البرلمان أن مواد قانون الخدمة الوطنية يضم مواد قادرة على إصلاح الجهاز الإدارى للدولة، فهذا القانون يتضمن مواد جيدة منها التحويل التدريبى الذى سيمثل نقلة نوعية فى تاريخ الوطن، حيث تسمح هذه المادة بإعادة تدريب العمالة الزائدة فى أى جهة من الجهات، للاستفادة بهم فى أى مكان آخر يعانى من نقص فى عدد العاملين، حيث سيتم تدريب العامل لمدة 6 أشهر بعدها يمكن الاستفادة به فى مكان آخر.

وأضاف أن القانون يربط أيضاً بين الأجور والمكافآت من ناحية، والعمل والمجهود الذى يقوم به الموظف من جهة أخرى، لذلك فهذه المادة من شأنها المساهمة فى إصلاح الجهاز الإدارى، وأشار إلى أن هذا القانون لو تم تطبيقه سيصلح الجهاز الإدارى بالدولة، إلا أن الدولة العميقة تحول دون تنفيذه بحذافيره حتى الآن.

وأوضح أن هناك شقاً آخر للإصلاح يقوم به الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، حيث يقوم الجهاز بعمل خريطة وظيفية لجميع المصالح الحكومية، لإعادة تشغيل الموظفين، وهذه الخريطة ستنتهى بنهاية هذا العام وهو ما سيؤدى إلى إصلاح الجهاز الإدارى بالدولة.