«أبو الخير نجيب» شهيد «الحرية» الذى مات فى يده" فرخة "!

«أبو الخير نجيب» شهيد «الحرية» الذى مات فى يده
الأربعاء, 15 مايو 2019 19:51
كتب: خيرى حسن

«فاذكرينى، كما تذكرين الُمَهرِّبَ..والمطربَ العاطفيَّ..

وكَابَ العقيدِ.. وزينة رأس السنةْ

اذكرينى إذا نَسيِتَنى شُهُودُ العيانِ

ومَضْبَطَةُ البرلمانِ

وقائمةُ التُّهم الُمعلنة»

            أمل دنقل- (سفر الخروج)

                                                                                        ***

القاهرة - 1983

نحن الآن داخل نقابة الصحفيين- فى مبناها القديم - وسط حديقتها الصغيرة. يجلس على ترابيزة متهالكة صحفى قدير عمره تجاوز السبعين عاما، اسمه «أبو الخير نجيب»(1913 ـ 1983) يحمل شنطة جلد سوداء، بداخلها سنوات عمره التى قضاها خلف السجون الناصرية؛ لأنه - ببساطة واختصار - انحاز للحرية والديمقراطية، فى وطن يخاف من الحرية، ويمسك بعود الثقاب، إذا جاء ذكر كلمة ديمقراطية! الرجل ملامحه سمراء، وجهه مبتسم، وشاربه متوسط الطول. يرتدى جاكت أسود اللون، وعلى رأسه (كاسكيت) كحلى، وفى يده بقايا سيجارة أوشكت على النفاد. بجواره مجموعة من شباب الصحفيين، يحكى لهم ذكرياته، التى تحمل كفاحه ضد الملك فاروق ونظامه. وضد ثوار يوليو ونظامهم. الدقائق تمر، وهو يتحدث بطلاقة، وحدة، وجرأة، عن تلك الأنظمة التى هاجمها، ورفضها، وتحداها من أجل مصر التى أحبها وأخلص لها، فى كل كلمة قالها، وكل كلمة كتبها؛ بالصحف التى عمل بها فى ذلك الزمان( الأهرام - النداء - الجمهورالمصري). عندما اقتربت الساعة من الثالثة عصرًا، انتهت جلسته اليومية المعتادة، وبدأ يلملم أوراقه وذكرياته، وأحزانه، قبل مغادرته للمكان. من قريب لمح ببصره الضعيف منفذا لبيع اللحوم بفرع الجمعية الاستهلاكية داخل مبنى النقابة. وقف سعيدًا، منتصب القامة، ثم ذهب مسرعًا، ليشترى كيلو لحم من الفراخ البيضاء، رخيصة السعر.. وقد كان!. بعد دقائق وضع«الفرخة» فى كيس أسود، وودع تلاميذه ومحبيه، وغادر الحديقة، عائدًا إلى بيته فى ضاحية مصر الجديدة. هو الآن يتحرك من شارع عبد الخالق ثروت، متجهًا ناحية شارع رمسيس. الشارع هادئ؛ إلا من بشر يتسابقون، ويتزاحمون، ولا يعرفونه، ويجهلون كفاحه، وتاريخه الوطنى المخلص. وهو - بالطبع - لا يهتم بجهلهم وعدم معرفتهم له. هو فقط مهتم بعملية عبور الشارع، ضمن برنامجه اليومى المعتاد، قابضًا على «الفرخة» التى حصل عليها قبل قليل. تمهل الرجل بعض الشئ، ثم وقف منتبهًا، ورفع نظارته الطبية قليلا، ونظر يمينًا ويسارًا للشارع بعينيه؛ ثم ترجل عابرًا للناحية الأخرى فى هدوء تام، حيث لا توجد سيارات قادمة. فى منتصف المسافة تقريبًا - وإذ فجأة - يأتى أتوبيس نقل عام طائشًا، يحمل رقم 310 قيادة «فاروق محمد السيد» قادمًا من ميدان التحرير إلى رمسيس؛ بسرعة جنونية مذهلة؛

 ليصدمه بغدر، وقوة، وقسوة، بلا رحمة أو هوادة، فيسقط الرجل فى اللحظة والتو، غارقًا فى دمائه الطاهرة؛ ويختلط عظمه الواهن، ولحمه الضعيف، مع لحم فراخ الجمعية!

 

ـ (قصر عابدين - 1947)

اليوم 6 يناير. الساعة الآن السابعة صباحًا. كريم ثابت مستشار الملك فاروق يمسك بيده صحيفة ويتجول فى القصر ذهابًا وإيابًا صارخًا فى وجه إبراهيم عبد الهادى رئيس الديوان الملكى قائلًا: يا دولة الباشا.. كيف تسمح الوزارة ونيابة الصحافة والبوليس السياسى بنشر هذا المقال الذى يهاجم الملك ويتحدث بفجاجة عن سقوط التيجان الملكية؟. إبراهيم عبد الهادى باشا بعدما حاول امتصاص غضبه رد قائلًا: أنا لم أقرأ هذا المقال.. فى أى صحيفة نشر؟ رد كريم ثابت: فى صحيفة «النداء» الناطقة باسم حزب الوفد! ثم قال آمرًا: يجب الآن، مصادرة الأعداد، وإغلاق الصحيفة، وتحويل الصحفى«أبو الخير نجيب» للمحاكمة العاجلة بتهمة العيب فى الذات الملكية.               

ـ (محكمة مصر الابتدائية 1947)

فى جلسة المحاكمة، وقف ممثل الإدعاء يكيل الاتهامات للكاتب، ويصفه بالمخرب والمحرض ضد مليك البلاد وحكمه. «أبو الخير» يجلس وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. عبد الرحيم نافع محاميه يصول ويجول ويفند اتهامات النيابة ضد المقال. ممثل الادعاء مازال يقاتل حتى النفس الأخير من أجل سجنه، تلبية لرغبة الديوان الملكى. القاضى بعدما استمع لهما، نظر ناحية أبو الخير نجيب وقال: أنت متهم بأنك فى 6 يناير 1948 الماضى كتبت ونشرت مقالًا بعنوان «التيجان الهاوية» عن قصة ملك رومانيا الذى تنازل عن العرش، وهاجمت فيه الملوك وعرشهم حسب أقوال النيابة.. فما ردك ؟ وقف أبو الخير شامخًا، صلبًا، قويًا مخاطبًا الحضور بثقة قائلًا: حضرات السادة القضاة، الجمع الكريم..أما بعد: إن المقال ما هو إلا قصة «ميشيل» الملك وكل ملك لا يعرف لنفسه حدودًا، ولا يقنع بالقداسة التى يتمتع بها عرشه؛ فيخوض فى معارك سياسية محلية، ويُقحم نفسه فيما لا يدخل فى اختصاصه، أو سلطاته. وعندما يهبط ملك - أى ملك - بنفسه إلى هذا المستوى، فهذا معناه أنه فقد حصانته، وأن التضحية بملك تهون عندما تكون لحساب ومصلحة الشعب»!ً قال ذلك ثم جلس بهدوء فى مكانه. رفعت الجلسة ساعة ثم عادت بالبراءة. هتف الحضور داخل وخارج القاعة: يحيا العدل.. يحيا العدل                                

(قصر عابدين. يناير1947)

 الساعة الآن الوحدة بعد ظهر هذا اليوم المشحون بالتوتر بين الصحافة والقصر. بين الظلم والعدل. بين الخير والشر. بين الكلمة والسلطة. دخل كريم ثابت على الملك فاروق وقرأ عليه حكم المحكمة. الملك غضب واستدعى حاشيته معتبرًا ما حدث تواطؤًا من حزب الوفد، والبوليس السياسى، والنيابة العامة، والقضاة ضده. قالت الحاشية له: علينا إذن أن نتصرف بمنتهى الحزم مع كل هؤلاء؟ رد الملك: إذن اقبضوا على أبو الخير نجيب مرة أخرى. وبالفعل حدث ذلك وقدموه للمحاكمة للمرة الثانية، لكن المحكمة برأته مرة أخرى. 

وهذا لم يعجب النيابة التى أصدرت أمرًا بإبقائه فى الحبس. رئيس محكمة الاستئناف اتصل برئيس محكمة النقض، الذى أبلغ الأمر لوزير العدل، وطلب التدخل لإيقاف عدوان النيابة على القضاء!

 وزير العدل اتصل بالنائب العام الذى قال إن هذه أوامر القصر ولا نستطيع إلا تنفيذها! وضع الوزير سماعة التليفون ثم طلب النقراشى باشا رئيس الوزراء وقال له: أرجوك يا باشا اقبل استقالتى، لأننى لن أسمح بالعدوان على القضاء. حاول النقراشى تهدئة الوزير الذى غادر مكتبه إلى منزله ليعتكف فيه إلى أن تنتهى الأزمة؛ وإلا فسوف يعتبر نفسه مستقيلًا.

اتصل النقراشى باشا بإبراهيم عبد الهادى رئيس الديوان الذى أكد له أن الملك مصمم على إبقاء أبو الخير فى السجن. شرح النقراشى الموقف لعبد الهادى وقال له فى هدوء: إذا لم يفرج عنه، فسوف أقدم استقالتى واستقالة الوزارة كلها! رئيس الديوان طلب إمهاله يومين فقط يحاول فيهما إقناع الملك بترك الأمر للقضاء. ونجح بالفعل فى ذلك، لتنتهى الأزمة بانتصار العدالة وهزيمة الملك، ويخرج أبو الخير ليواصل كفاحه ضد الاحتلال والفساد، وأعداء الحرية، والديمقراطية.                      

ـ (العباسية 1951)

 نحن الآن فى مقر صحيفة «الجمهور المصري» التى أسسها أبو الخير وأصبح رئيسًا لتحريرها بعدما ترك صحيفة «النداء» قبل شهور. ومنذ العدد الأول استطاع الاستقلال بها وحمايتها من الانحياز لأى طرف؛ إلا للحق والعدل والشعب. واتخذ لها مقرًا فى شارع الجيش بالعباسية شارع فاروق سابقا واتخذ الغرفة الرئيسية مكتبا له، والغرفة الملاصقة جعلها لضيوفه من الساسة والجماهير. وغرفتين للإدارة والحسابات. والخامسة للكتاب الكبار - فيما بعد - فتحى الرملى وكمال النجمى ومحمود السعدنى وطوغان. والسادسة لعباس الأسوانى وسعد زغلول فؤاد. والغرفة الأخيرة كانت تحمل مسمى ( الغرفة 8 ).

وكانت مسئوليتها حسب شهادة شيخ الرسامين طوغان من نصيب فتحى الرملى والد الكاتب الكبير لينين الرملى وكان أكبرهم عمرا، على أن يساعده «سعد زغلول فؤاد» و«يوسف فكري» فى تدعيم المناضلين بمنطقة القناة بمواد التموين والأغطية والمال والسلاح بعد إلغاء معاهدة36.                     

ـ (القاهرة 2019)

الساعة الآن التاسعة من مساء ليلة رمضانية بعد يوم صيام حار بعض الشئ. صعدت من محطة المترو إلى ميدان العباسية. جلست على مقهى صغير فى حارة جانبية، أول شارع الجيش. طلبت كوبا من الشاى وبدأت الكلام مع رجل ثمانينى كان يجلس بجوارى صامتًا. قلت له: أبحث عن مبنى فى شارع الجيش كان مقرًا لصحيفة اسمها «الجمهور المصري» توقفت عن الصدور عام 1954. ابتسم الرجل ورد بصوت ضعيف: تقصد صحيفة أبو الخير نجيب. قلت نعم. قال: كنا ونحن صغارًا، نذهب إليها ونشتريها ونتابع من خلالها خبطاته الصحفية الناجحة ضد الفساد. ودعمه المتواصل للمقاومة ضد الانجليز. ثم سكت قليلًا وكأنه يسترجع ذكريات جميلة مرت عليه وقال: للأسف لن تستطيع الوصول للعمارة التى كان بها المقر، لأنها هدمت منذ سنوات بعدما ظلت مغلقة بعد الاستيلاء عليها وعلى ممتلكاته بعد أزمة مارس 1954. وعلمت منذ سنوات أن المبنى هدم، أقيم مكانه عمارة حديثة عبارة عن كتل أسمنتية ضخمة قبيحة المنظر. الرجل جلس ما يقرب من ساعة يحكى عن زمن من النضال، والحرية، والجمال، عاشه وعاصره، ثم ودعنى مستندًا على عصاه لأن موعد دخوله لسريره قد حان حسبما فهمت منه ولم ينس أن يشير بيده للنادل، حتى لا أدفع حساب ما تناولته من مشروبات منذ أن جلست إليه. ثم ابتسم لى وهو يغادر المقهى إلى حال سبيله. وعدت أنا من حيث جئت.                    

 ـ (القاهرة مارس1954 )

   سقط الملك فاروق وملكه فى يوليو 1952 وجاء الضباط الأحرار بالحركة المباركة. ومنذ اللحظات الأولى، وقف «أبو الخير نجيب» بجوارها مساندًا وداعمًا وشاهرًا قلمه وفاتحًا صحيفته لمساندتها ضد بقايا النظام الملكى الذى تنبأ هو بسقوطه قبل سنوات. ومرت عدة شهور بعد قيام الحركة، اُتخذت بعدها قرارات ثورية منها إلغاء الدستور، وتعطيل القانون، والحريات، لفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات. وتم تشكيل محكمة الثورة لحمايتها من أعداء الثورة. هنا أدرك أبو الخير خطورة ما هو قادم، فبدأ يكتب بجرأة مطالبًا بالحياة الحزبية وفك القيود عن الصحف وعودة الحريات. ثم حدثت أزمة مارس 1954 التى كانت حسب كل الأدبيات والمذكرات والكتابات التى تناولت هذه المرحلة هى صراعًا على السلطة بين مجموعة تطالب بعودة الجيش للثكنات ويتقدمهم يوسف صديق وخالد محيى الدين ومحمد نجيب ومن معهم. وبين مجموعة جمال عبد الناصر وصلاح سالم وعبد الحكيم عامر والسادات ومن معهم، الرافضة لذلك حرصًا على مكاسب الثورة وحمايتها من الرجعية والأحزاب السياسية الفاسدة حسب قولهم. يقول طوغان فى شهادته عن هذه المرحلة: «مقالات أبو الخير نجيب النارية لم تتوقف، وبدأ نقد السلبيات التى ظهرت من بعض ضباط الثورة، وكتب مقاله الشهير: «طردنا ملكا واستبدلناه بعشرة ملوك» وطالب بسرعة رفع الأحكام العرفية واحترام حرية الصحافة وسيادة القانون والإسراع فى العودة إلى الحياة السياسية الطبيعية للبلاد.

 ـ (القاهرة مجلس قيادة الثورة 1954)

  الساعة الآن التاسعة صباحًا. من يوم الأربعاء 12 مايو. محكمة الثورة تعقد جلستها برئاسة عبد اللطيف البغدادى وعضوية أنور السادات وحسن إبراهيم، للنظر فى التهم الموجهة للصحفى أبو الخير نجيب. الاتهام الأول: الاتصال بدولة أجنبية والتخابر معها. الثانية: تحريض الطلبة والعمال على الإضراب وإحداث فتنة فى البلاد. الثالثة: الانحراف بالجريدة التى يملكها ويرأس تحريرها إلى ما يحقق مصالحه الخاصة. ومثلما وقف الرجل يدافع عن نفسه فى العهد الملكى، عاد يقف ليدافع عن نفسه فى العهد الثورى. أثناء المحكمة كما يقول الكاتب الراحل صلاح الأسوانى جاء شخص ما واصطحبه إلى الدور العلوى بالمبنى. دخل الرجل مكبلًا فى قيوده، مسلحًا بعزيمته القوية، وإنسانيته النقية، ووطنيته التى لا خلاف عليها. على بعد أمتار داخل مكتب فسيح وقف، ليجد أمامه جمال عبد الناصر يستقبله قائلًا: يا أستاذ أبو الخير.. لماذا لا تكون معنا، خاصة ونحن نحترم كتاباتك منذ العهد الملكى؟ أبو الخير صامت لا يرد! قال عبد الناصر: لو وقفت بجوارنا؛ فسوف نُشيد لك دارًا صحفية كبيرة لا تقل عن مؤسسة أخبار اليوم! أبو الخير مازال لا يرد، استمر عبد الناصر فى كلامه الذى حمل الترغيب مرة والترهيب مرات وفى النهاية سكت ليسمع رده! بعد دقائق تحدث أبو الخير وقال:أنا مازلت عند ما كتبته مطالبًا بالحرية وعودتكم للثكنات، وترك السياسة للأحزاب. حاول عبد الناصر المرة تلو الأخرى معه ليقنعه بما يريده. لكن الرجل صامد، رافض، قاطع فى قوله: أنا لو أيدتك، سوف أخسر القارئ الذى يثق فيما أكتبه. ولو أيدتك، سوف أخسر نفسى وهذا أمر لا أقبله. ثم خيم الصمت على أركان المكان، بعدما انتهت المواجهة بين الزعيم والصحفى وكل منهما فشل فى إقناع الآخر بوجهة نظره. بعد دقائق تركه الزعيم عائدًا لممارسة مهامه للقبض على السلطة التى يبحث عنها ويريدها. وعاد الصحفي؛ لمواصلة وقوفه أمام محكمة الثورة بسبب «الحرية» التى يبحث عنها ويريدها. فى اليوم التالى حكمت المحكمة عليه بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، ثم خفف الحكم للمؤبد وتجريده من شرف المواطنة. وبالفعل حصل الزعيم على ما تمناه وقبض على السلطة 16 عامًا، حتى رحل فى عام 1970. وفى نفس الوقت دخل الصحفى إلى السجن ليقضى وراء قضبانه 17 عامًا من أجل«الحرية» التى آمن بها وعاش لها، حتى وهو وراء الأسوار كل هذه السنوات. وعندما جاء الرئيس السادات للسلطة، قرر - لظروف صحية - الإفراج عن أبو الخير نجيب.. وقد كان! خرج الرجل، فلم يجد صحيفته ولا المقر، ولا منزله، بعدما تم الاستيلاء على كل ممتلكاته مثلما حدث مع غيره. فى عام 1975 قرر رفع قضية أمام القضاء يطالب فيها بإعادة اصدار صحيفته وتعويضه 200 ألف جنيه بسبب سجنه ومصادرة أملاكه منذ عام 1954.                        

ـ ( شارع عبد الخالق ثروت ـ 1983 )

فى الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم الحزين - 7 إبريل - كتب القدر نهاية مؤلمة، ومحزنة، لحياة «أبو الخير نجيب» بدهسه تحت عجلات أتوبيس نقل عام، لا يعرف سائقه أنه داس بعجلات مركبته الطائشة والقاسية والقاتلة على جسد مواطن برئ، شريف، ضحى بحريته وحياته، من أجل أن ينعم هو - ومن معه من الركاب - بالعيش فى عزة، وحرية وعدالة، وكرامة، وديمقراطية حقيقية. مات الرجل وهو يمسك بيده «فرخة» مذبوحة بطريقة ديمقراطية، هى التى خرج بها من دنياه؛ لتنتهى هذه (المأساة- المهزلة) كما يقول عباس محمود العقاد أو (المهزلة - المأساة)!

ـ ( مشرحة زينهم ـ 1983 )

الآن لفظ « أبو الخير نجيب» أنفاسه الأخيرة.. وهو الذى عاش عمره كله، يَذكر- ويُذكر - بالحرية والديمقراطية، والإنسانية، والعدل، والمساواة إلى أن فاضت روحه البريئة لخالقها - على رصيف الشارع - وهى مازالت تنادى على الحرية.. يا حرية:

(اذكرينى..

اذكرينى إذا نَسيِتَنى شُهُودُ العيانِ

ومَضْبَطَةُ البرلمانِ

وقائمةُ التُّهم الُمعلنة).