العمالة اليومية فى رقبة «أمان»

العمالة اليومية فى رقبة «أمان»
الجمعة, 15 مارس 2019 22:11
تحقيق وتصوير- إسلام أبوخطوة / إشراف:نادية صبحي

 

 

ظلو طيلة السنوات الماضية يعانون التهميش والإهمال الحكومى لهم، يضعون حياتهم على أيديهم سعياً للرزق، لا يتعدى قوت يومهم فى أغلب الأحوال جنيهات معدودة فيما يظل البعض أياماً لم يتحصل عليهم، عدد كبير منهم أتوا من الصعيد أملاً فى البحث عن فرصة عمل لسد احتياجات منزله، هكذا هو حال من ملايين عمال اليومية، والذى جاء قرار الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 8 فبراير العام الماضي، ليكون بمثابة طوق النجاة لهم، بعدما وجه بإنشاء نظام تأمين على الحياة للعمالة الحرة بالقطاع الخاص بالدولة للفئة العمرية من 18 إلى 59 سنة وبدون كشف طبى، وعلى أن يتم إطلاق التأمين الجديد فى أقرب وقت.

ويتضمن التأمين الجديد شهادة تأمين على الحياة بفئات تتراوح من 500 و2500 جنيه تُسدد مرة واحدة وتُستحق قيمتها فى حالات الوفاة الطبيعية أو بحادث، بمقدار يتراوح من 50 ألفاً إلى 250 ألف جنيه أو بمنح معاش شهرى لمدة ما بين 5 و10 سنوات بقيمة تتراوح من 1000 و3000 جنيه.

وأطلقت الدولة مبادرة للتأمين على حياة العمالة الحرة، فى صورة شهادة بنكية أطلقت عليها شهادة «أمان المصريين»، تطلقها 4 بنوك، البنك الأهلى وبنك مصر وبنك القاهرة، والبنك الزراعى المصري، بالمشاركة مع شركة تأمين حكومية وهى شركة مصر لتأمينات الحياة، وبحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة القوى العاملة فإن عدد العمالة غير المنتظمة يبلغ 15 مليون عامل.

وحول طريقة الحصول على الشهادة، فيقدم العامل على شهادة بفائدة 16% لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتجديد ثلاث مرات، على أن يكون الحد الأقصى للشهادة 9 سنوات، وفى نفس الوقت، تحصّل شركة التأمين جزءًا من الفائدة، يتراوح نقديًا ما بين أربعة جنيهات، و20 جنيهًا شهريًا، لتٌتيح لأصحاب الشهادات تأمينًا فى حالة الوفاة الطبيعية، أو بسبب حادث، حده الأدنى 10 آلاف جنيه، وحده أقصى 250 ألف جنيه، على ألا يتمّ استرجاع قيمة الشهادة قبل 6 سنوات من تاريخ شرائها.

وحالياً يخضع العامل الحر، لقانون 112 لسنة 1980، والذى ينظم عملية التأمين الاجتماعى الشامل على غير الخاضعين لأحكام قانون التأمينات الحالى رقم 79 لسنة 1975 والذى يخاطب العاملين فى القطاع العام والخاص.

ويضم قانون 112 نحو 16 فئة، أبرزهم العاملون المؤقتون فى الزراعة وعمال التراحيل وأصحاب المراكب والصيادون والباعة الجائلين وماسحو الأحذية وعمال المنازل، وتعد الأزمة فى ذلك القانون والذى دفع الرئيس عبدالفتاح السيسى بالتوصية لرعاية العمالة الحرة هو أن قانون 112 لا يسمح بالحصول على المعاش إلا بعد بلوغ سن 65 عاما، فى الوقت الذى يتعرض فيه العامل يومياً للموت المفاجئ.

علماً بأن عدداً كبيراً من العمالة فى مصر تأتى من محافظات الصعيد بحثاً عن الرزق، فتصدرت أسيوط المركز الأول ووصلت نسبة الفقر بها لـ66%، طبقاً لما أعلنه الجهاز المركزى للإحصاء، فى تقريره عام 2016، وحلت سوهاج المرتية الثانية، وقنا ثالثًا، ثم المنيا وأسوان، ويلجأ أغلب سكان الصعيد للهجرة نحو المركز فى إقليم القاهرة الكبرى بحثًاً عن فرص عمل.

وبعد مرور قرابة عامًا على توصية الرئيس عبدالفتاح السيسى بالتأمين على العمالة الحرة، أجرت «الوفد» جولة ميدانية للتواصل عن قرب مع العمال، الذين أكدوا عدم جدية الجهات التنفيذية فى توصية الرئيس السيسى بشأن تطبيق نظام التأمين على حياتهم، ما وضع الموظفين فى الدولة موضع الاتهام أولاً؛ بتهميش توصيات الرئيس، ثانياً عدم تحقيق أحلام العمال وضمان حقوقهم التى أوصى بها الرئيس السيسي.

وقال عدد من العمال لـ«الوفد» إنهم فور سماعهم بتوصية الرئيس السيسى بشأنهم، شعروا بفرحة عارمة ولم يمر الأسبوع إلا وأنهم توجهوا إلى أقرب مكتب تأمينات لمعرفة الإجراءات الواجب اتخاذها لتطبيق القرار، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم يطبق القرار، ولم يفد الموظفين لهم بأى معلومة.

وتواصلت «الوفد» مع سامى عبدالهادي، رئيس صندوق التأمينات العام والخاص بوزارة التضامن، والذى قال إن شهادة تأمين الحياة ليس لها علاقة بنظام التأمينات الاجتماعية الحكومية، بل يقدم عليها العامل فى أحد البنوك سواء الأهلى المصرى أو بنك القاهرة أو البنك الزراعي، أو بنك مصر، يدفع قيمة الشهادة التى تناسبه ومنها يبدأ نظام التأمين له.

 

بالأرقام.. المركزى يُعلن عدد الحاصلين على «شهادة أمان»

أصدر البنك المركزي، بيانًا أعلن فيه عدد الحاصلين على «شهادة أمان» من العمال غير المنتظمين، حيث بلغ 1.5 مليون عامل بقيمة 1.6 مليار جنيه فى الفترة الزمنية بداية من مارس 2018 حتى ديسمبر 2018، كما أشار البيان إلى أن عدد عملاء شهادات أمان من الأفراد والشركات بعد خصم الاستردادات وصل  إلى 706 آلاف عميل بقيمة 667 مليون جنيه وذلك خلال الفترة من مارس حتى نهاية سبتمبر العام الماضي،  كما تلقت البنوك طلبات لإصدار شهادة أمان لعدد 809 آلاف عميل، و170 شركة بإجمالى تمويلات 941 مليون جنيه، وفقا لبيانات المركزي.

وفى بيان صادر عن بنك مصر، أعلن إجمالى حصيلة مصرفة من بيع شهادة أمان المصريين، بداية يونيو العام الماضي، بالفروع فى القاهرة والمحافظات بـلغ نحو 612 مليون جنيه، خلال 13 أسبوعًا، لنحو 551.8 ألف عميل، ويرجع هذا إلى زيادة الوعى التدريجى بالشهادة، كما تم إصدار الشهادات لنحو 551.8 ألف عميل تشمل الشهادات المصدرة للأفراد والشركات، والتى تم تحصيلها، ومنها نحو 249 ألف شهادة قيد التنفيذ، حيث تم تحصيل رسومها بقيمة تزيد على 357 مليون جنيه.

البنك الزراعى المصري، قال فى بيان له إن إجمالى الشهادات التى أصدرها البنك منذ صدورها بلغ 156.4 الف شهادة، بإجمالى حصيلة 174.6 مليون جنيه.

 

برلمانى يعلن موعد صدور قانون العمالة الموسمية

فور أن أوصى الرئيس عبدالفتاح السيسى، بالعمالة الموسمية، وضمان حقوقهم، قدم إسماعيل نصر الدين، عضو مجلس النواب، مشروع قانون بشأن أوضاع وحقوق العمالة الموسمية والتى تحتوى فى بنودها على وضع تعريف شامل وجامع للعمالة الموسمية، وكيفية حصولهم على حقوقهم كاملة ودمجهم بشكل عام فى المجتمع العمالى بقانون يضمن حقوقهم، وتعريف آخر لمصطلحى «الأجرية والأرزقية».
يتكون مشروع القانون المقدم من 6 مواد أساسية، حيث يتضمن القانون النص على إنشاء نظام تأمينى على عمال اليومية يكفل لهم تعويضا ماليا عند العجز أو الوفاة، أو صرف معاش بحسب الأحوال، كما وضع القانون قيمة اشتراك للعمالة لا تجاوز 20 جنيها شهريا لصرف تعويضات العجز والوفاة، كما يلزم مشروع القانون الدولة بدفع اشتراكات من يصاب بعجز كلى أو جزئى يقعده عن العمل.
وتواصلت «الوفد» مع النائب لمعرفة سير مشروع القانون، وقال إن الهدف من مشروع القانون مساواة العمالة غير المنتظمة أو الموسمية بنظيرهم العاملين فى الدولة، لهم نظام تأمين على حياتهم بخلاف نظام شهادة تأمين الحياة، فيتقدم العامل لأقرب مكتب تأمينات تابع له ويخبرهم بمتوسط دخله، وعلى هذا الأساس يتم تحديد قيمة التأمين.
وأضاف «نصر الدين» لـ«الوفد» أن مشروع القانون يعد إعادة صياغة للقانون الخاص بالتأمينات، وليس قانونًا منفردًا عنه، وعن سبب تأخير صدوره، رد قائلاً: إن مشروع القانون سيتم طرحه على لجنة الاقتراحات بمجلس النواب على أن يتم دراسته فى مارس الجاري، وخلال انتهاء الدورة البرلمانية سيخرج مشروع القانون للنور وعلى هذا يكون للعامل تأمين بحسب قيمة متوسط دخله.

 

عمال «نشعر بالأمان مع شهادة أمان»

..وآخرون خليها على الله!!

تحمل المسئولية منذ نعومة أظافره، فمنذ أن تخطى عمره الـ13 عاماً بدأ يشق طريقه فى فترة الاجازة سعياً للرزق، هذا هو عبدالناصر شعبان، من أبناء محافظة سوهاج، أتى إلى القاهرة للعمل بعدما ضاق به الحال فى المحافظة.

وقال «عبدالناصر» أتيت إلى القاهرة منذ أن بلغ عمرى 20 عاما، وتعرفت على العديد من مقاولى الأنفار، وهنا بدأت العمل فى الطوب، رفع وبناء، وتحويل وغيرها، وتابع: «أنا مش باقف عند نشاط محدد ممكن اشتغل محارة وسيراميك» بحسب المطلوب فى السوق.

يوم «عبدالناصر» يبدأ من الساعة الخامسة فجرًا، يخرج من مسكنه فى أرض اللواء، متجهاً إلى مكان عمله فى بولاق الدكرور، يقضى يوما شاقا، وفى المغرب يعود لمسكنه بصحبة بعض العمال المقيمين معه فى شقه تتكون من غرفة وصالة ومطبخ وحمام، ويقول: «وادفع إيجار 400 جنيه أنا و4 تانى معايا.. وأهى بترزق».

«عرفت بقصة التأمين اللى أوصى بيه الرئيس السيسى ورحت أقدم اتقال ليا لسه مفيش حاجة اطبقت ومروحتش تانى من ساعاتها».. يتابع العامل حديثه، وقال إنه مثل الكثير من العمال، فور علمه بقرار الرئيس السيسى فرح فرحا شديداً، وكثير من العمال كانوا يسعون إلى التأمين وذهبوا لمكتب التأمينات مراراً ولكن بدون جدوى، فلم يتم تطبيق القرار منذ تم الوصاية به من الرئيس السيسى وحتى الآن.

«مبعرفش اشتغل غيرها.. دى مهنة أبويا وأجدادي».. بهذه الجملة استهل عوض مرزوق، عامل، حديثه، وقال إن يومية العامل لا تتجاوز 100 جنيه، يتكلف منها طعاما وشرابا وإيجارا، قائلاً: «جيت من المنيا عشان أشتغل فى التراحيل وما عرفش أشتغل غيرها وبنيجى كل يوم للميدان فى أرض اللواء وعلى حسب ما ربنا بيكرمنا، وبنقعد من 8 صباحًا حتى 5 مساءً من أجل زبون أو مقاول نطلع معاه».

وأشار العامل إلى أنه مثل ملايين العمال يخشون الموت المفاجئ دون تأمين حياتهم، وقال: «ساعات بنطلع مرتفعات عالية جداً وممكن نموت فى أى لحظة».

وتابع: «احنا بنطلع الصبح ومبنبقاش عارفين راجعين بيوتنا تانى ولا لا»، وناشد العامل رئاسة الجمهورية وجميع الجهات التنفيذية عن طريق "الوفد" النظر إليهم بعين الرحمة.

«ما رمانا على المر إلا الأمر منه».. مثل شعبى استهل به عبدالكريم خلف، حداد مسلح، حديثه، وقال إنه أتى من محافظة سوهاج، ولديه 4 أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، وفور علمه بقرار الرئيس «السيسى» وحرصه على تأمين حياة العمالة الحرة شعر بفرحة شديدة، قائلا: «حسيت الدنيا لسه بخير وممكن أموت وأنا مطمن على عيالى».

وأشار إلى أنه فور التوجه إلى أقرب مكتب تأمينات، أفاده الموظف بالتوجه إلى أحد البنوك سواء الأهلى أو بنك القاهرة للتقديم على شهادة «أمان المصريين»، وبالفعل سعى العامل لسحب الشهادة، وفوجئت بأن أقل قيمة شهادة 500 جنيه، وتابع: «أجيب منين أنا 500 جنيه علشان أدفعهم للشهادة دى تكفينى شهر كامل ليا ولعيالى أكل وشرب ومصاريف».

واستكمل «خلف» حديثه قائلاً: «أصعد مرتفعات عالية تصل 30 متراً.. وممكن مرة واحدة أبقى على الأرض.. عايشين على رعاية الله وحده»، يشير العامل إلى أن متوسط دخل العامل فى الشهر لا يتجاوز 700 جنيه، مع كثرة أعداد العمالة.

وتابع: «ممكن أشتغل يوم وأريح أسبوع.. وممكن اشتغل الشهر كله.. دى أرزاق».

من جانبه، قال صابر جمال، عامل، إنه كثيراً حاول التقديم على شهادة تأمين الحياة، ولكن عجز عن سداد قيمة سحب الشهادة، فمع متوسط دخل العامل 700 جنيه فى الشهر، أصبح دفع قيمة 500 جنيه كحد أدنى لأقل قيمة شهادة فى البنك أمرا فى غاية الصعوبة.

وأشار العامل إلى أنه لديه 3 أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، ومتوسط مصاريفه 2000 جنيه، وقال إنه يتحصل فى اليوم على 100 جنيه قيمة اليومية، وكثيراً ما يحاول الاجتهاد للعمل يومياً لسداد احتياجات منزله فى الصعيد وسد احتياجاته فى القاهرة من سداد إيجار وكهرباء ومياه وغيرها من المصروفات الشخصية.

على النقيض قال شريف طارق، عامل نجارة، إنه فور علمه بنظام التقديم على شهادة تأمين الحياة، هرع لأقرب بنك منه، وقدم على الشهادة بقيمة 500 جنيه، وتابع: «تعبت شوية علشان الـ500 جنيه دول بس أحسن من مفيش».

وأشار «طارق» إلى أنه يحاول جاهدًا العمل يوميًا لكى يستطيع سد احتياجات أسرته المكونة من 4 أفراد فى مراحل تعليمية مختلفة وقال: «شهادة تأمن الحياة شوية خلانى أبقى مطمن على عيالى لما أموت يكون ليهم فلوس يصرفوا منها».

«فى الأول مكنتش فاهم حاجة.. وإزاى أجيبها لحد ما ولاد الحلال فهمونى».. تابع «طارق» حديثه وقال إن كثيرًا من العمال عزفوا عن شراء شهادة تأمين الحياة، إما لا يعلم عنها شيئًا أو عاجزا ماديًا عن شرائها بسبب ضعف الدخل.

فى السياق ذاته، قال زين رفعت، حداد، إنه تقدم لشراء شهادة تأمين الحياة من قيمة ايراده الذى اقتصده خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن ذلك حل مؤقت لحين صدور قانون التأمينات الخاص بهم كما أوصى الرئيس السيسى.

وتابع: «مرضتش أستنى لحد ما القانون يطلع محدش ضامن عمره.. فلما أتعب نفسى دلوقتى علشان خاطر العيال.. لو جرالى حاجة يلاقوا قرش يصرفوه».