د. صبرى الشبراوى أستاذ الإدارة: التنمية البشرية.. كلمة السر فى تقدم الأمم

د. صبرى الشبراوى أستاذ الإدارة: التنمية البشرية.. كلمة السر فى تقدم الأمم
الأربعاء, 13 مارس 2019 21:06
حوار— أيمن عدلى وكريم المصري

آن الأوان لكى تحتضن الدولة «طيورها المهاجرة»

نختار قادة مؤسساتنا بطريقة عشوائية

محاربة الفكر الجديد.. أكبر إشكالية واجهتها فى مصر

الدولة التى تفشل فى استغلال «الأرض» و«الوقت» تظل محلك سر

 

حذر الدكتور صبرى الشبراوى أستاذ الإدارة ورائد التنمية البشرية فى مصر الدولة المصرية من سوء الإدارة البشرية، مشددًا على أنه يمكن لمصر أن تستثمر العنصر البشرى الكبير المتوافر لديها عن طريق إفراز العناصر المتميزة بداخله, أو من خلال إرسال مجموعة من الشباب للدراسة فى الجامعات الكبرى بمختلف دول العالم مثلما كانت تفعل الدولة المصرية فى الماضى بشرط أن تتبناه الدولة عند عودته وعدم قتل الطموح بداخله.

وأكد «الشبراوى» فى حواره لموقع «أخبار مصر»، أن الإدارة باتت صانعة للحضارة، وإذا كانت الإدارة ناجحة سوف ينتج عنها دولة ناجحة والعكس صحيح، ضاربًا مثالًا بالصين، فبعد أن كانت دولة متخلفة قبل تولى «بينغ» رئاسة البلاد وقام بإرسال مجموعة من الشباب الصينى لدراسة الإدارة فى أهم الجامعات بأمريكا وعند عودة هؤلاء الشباب إلى الصين سمح لهم الرئيس الصين بإدارة المؤسسات الصينية وكذلك فعلت الهند، فمن يصنع التغيير داخل الدول هو من يرفض الوضع الخاطئ بعكس ما نشهده داخل الدول المتخلفة، فالأشخاص يناصعون للأوامر حتى وإن كانت خاطئة.

< فى البداية.. حدثنا عن التعليم فى الماضى مقارنة بالفترة الحالية؟

- فى الماضى كنا نتعلم تعليمًا جيدًا وكانت اللغات الأجنبية تدرس بصورة جيدة داخل المدارس وكانت الامتحانات ذات قيمة, أيضًا الأساتذة كانوا يهتمون بمظهرهم, والفصول الدراسية كانت محدودة العدد ولم تكن تشهد هذا التكدس الذى نشهده الاَن, وكنت أمارس رياضة كرة القدم فى التعليم الابتدائى، حيث كان النشاط الرياضى عاملاً أساسيًا وكانت المدرسة تحرص على دعمنا بشكل كبير فى هذا المجال, بالإضافة إلى وجبات الغداء التى كانت تقدمها لنا المدرسة يوميًا, فبالرغم من كونها مدارس حكومية، إلا أنها كانت تهتم بالصحة والرياضة والتعليم، وكانت المدرسة نموذجًا مشرفاً، وفيما يخص مرحلة تعليمى الثانوى فكانت متزامنه مع فترة الاستعمار، وكنت مهتمًا بقضية الحريات حينها وكنت أقود الطلبة فى المظاهرات التى تنادى بإسقاط الاستعمار، وكنا نهتف «مصر والسودان لنا وانجلترا إن أمكن» فكان لنا توجه سياسي وعلمي رغم صغر عمرنا.

عام 1956 نجحت فى الثانوية العامة بمجموع كبير من الدرجات كانت تؤهلنى للالتحاق بكليات القمة، ولكن هذه الفترة كانت تطفو على الساحة العالمية قضية الطاقة النووية، والدولة المصرية كانت تريد إقامة مفاعل نووى عقب حرب 56 ولهذا بدأت التفكير فى الالتحاق بكلية العلوم لدراسة الطاقة النووية وهو ما حدث بالفعل, وكان الغرض من دراستى بهذه الكلية هو أن أصبح عالمًا فى مجال الطاقة النووية, وفى بداية دراستى بالكلية وأثناء مناقشتى مع أحد أساتذة الكيمياء بها واخبرته بغرضى من الدراسة بالكلية ولكنه لم يحترم حديثى وقال لى بسخرية لن تستطيع أن تصبح سوى مدرس بمدرسة إعدادية وليس عالمًا فى الطاقة النووية، حينها غضبت كثيرًا وقمت بالاتصال بوالدى وأبلغته ما حدث معى، وأن هناك أستاذًا أحبط توقعاتى وأننى أريد تغيير مسار دراستى وأدرس بكلية التجارة بدلًا من العلوم, فتعجب والدى وقال لى لماذا كل ذلك، أجبته بأننى سأدرس بكلية التجارة وسوف أصبح مديرًا وهذا الأستاذ سوف يعمل تحت إشرافى يومًا ما، وبالفعل درست بقسم الإدارة بكلية التجارة، وكان هذا القسم حديثًا حينها وتأثرت بالأستاذ العظيم أحمد فؤاد شريف أستاذ التنمية البشرية والذى وضع ثقته بى وساعدنى كثيرًا واستدعانى للعمل معه بالمؤسسة الاقتصادية رغم صغر عمرى إلى أن بعثت للدراسة فى الولايات المتحدة الأمريكية.

< وكيف كان وضع الدولة المصرية قبل سفرك لأمريكا؟

- كانت هناك قيم أساسية فى تعامل الأشخاص مع بعضهم البعض من حيث الاحترام ولكن هذه الفترة كانت تتزامن مع الاحتلال الإنجليزى لمصر وكان شغلنا الشاغل هو التحرر من هذا العدوان، وكان لدينا طموح التحرر ومن ثم بناء الدولة المصرية وجعلها بلدًا قويًا.

< ماذا عن فترة سفرك لأمريكا؟

- سافرت إلى أمريكا ولم يكن بحوزتى سوى 5 دولارات، وعندما وضعت قدمى فى نيويورك وتجولت فى الشوارع هناك وشاهدت ناطحات السحاب شعرت بفارق كبير بيننا وبينهم, ولكننى استطعت التأقلم سريعًا على العيش هناك, وساعدنى فى ذلك توافر الحريات داخل هذة المجتمعات والتى هى أساس التقدم, فالطلاب هناك يعيشون فى جو من الحرية تساعدهم على الابتكار والاختراع، حيث لا يستطيع الطالب أن يبتكر سوى عندما تكون حالته النفسية مستقرة، ولهذا أقول دائمًا إن الابتكارات ترتبط بالحرية، ومن هنا شعرت بأننى سأستطيع تحقيق طموحاتى الكبيرة فى هذا البلد وبالتالى درست بجامعة كالفورنيا وحصلت على الدكتوراه منها إلى أن أصبحت مستشارًا لأهم الشركات فى أمريكا بجانب ممارستى التدريس بمختلف الجامعات الكبرى هناك، ونجحت فى بناء حياتى المادية والعلمية والثقافية فى مجتمع تنافسى عتيق, وكنت دائمًا أفكر فى المجىء إلى مصر لأقدم الإفادة لها، وفى إحدى زيارات والدتى لى بأمريكا قالت لى «انت تروى فى أرض غير أرضك», ولكننى منذ مجيئى إلى مصر لم أتطلع إلى منصب أتقاضى منه أموالًا أو سيارة أو غير ذلك، فثروتى تحصلت عليها من عملى بأمريكا, ولكن هناك أشخاصًا يتسمون بالجشع ولى أصدقاء تقدر ثرواتهم بالمليارات ولكننى كنت أشعر بأنهم فقراء بداخلهم.

< عدت إلى مصر حاملًا أفكارًا وطموحات وآمالًا للنهوض بالبلاد.. فماذا عن الصعوبات التى واجهتك؟

- جئت لأضيف قيمة مستخدمًا علمى لتقدم البلاد، ولكننى اصطدمت بالحزب الوطنى الديموقراطى آنذاك وكنت اَرى أن الأمة لن تتقدم سوى عن طريق التنمية البشرية، فلدى قناعة شديدة بأن البشر أساس التقدم, وكتبت هذا الأمر للدكتور أسامة الباز رحمه الله، حيث كانت تجمعنى به صداقة قوية وقلت له إن «البشر قبل الحجر» ونتيجة لذلك انشأنا لجنة التنمية البشرية بالحزب الوطنى الديموقراطى عام 1986 وترأست هذه اللجنة، ولكن تمت محاربتى حربًا ضروسًا نتيجة مناداتى بالتنمية البشرية وبالأفكار الخارجة عن الصندوق لدرجه أن البعض اتهمنى بأننى أفعل ذلك لكى أصبح رئيسًا للوزراء، ومن ثم عانيت معهم وواجهوا جميلى بالنكران، فالموظفون الذين كانوا يديرون البلاد حينها كانوا يقومون بتهجير الشباب المبدع، وبالرغم من كونى رئيسًا للجنة داخل الحزب وعضوًا بمجلس الشورى، إلا أنه تمت محاربتى ولم يستفيدوا بأفكارى، فكانوا يروان أننى لا بد أن أكون موظفًا أخدم على موظف أكبر منى وهكذا لكى أتقلد منصبًا, مثلما قال الراحل سيد درويش» لأجل ما تعلى لازم تطاطى».. ولكننى لست كذلك.

< من وجهة نظرك.. لماذا يتقدم الغرب ونحن نظل «محلك سر»؟

- الندرة البشرية هى التى تساعد على التقدم، فالدول تتقدم من خلال العلماء والمبدعين والمبتكرين, والابتكار يأتى من مجموعة محدوده من الأشخاص وليس جميعهم، وعند عودتى للبلاد لم تكن مصر تمتلك عالمًا يحظى بعلمى فى مجال الإدارة البشرية، وبالرغم من ذلك تمت محاربتى كما ذكرت، وأتساءل كيف سنتقدم ونحن نحارب الندرة البشرية التى نمتلكها؟ هل بأنصاف المتعلمين؟ فعلى سبيل المثال الذى اخترع الهاتف المحمول كان شابًا وتم تمويل فكرته والإيمان بها، بخلاف ما يحدث داخل مجتمعاتنا إذا ما تقدم شاب بمثل هذه الابتكارات فلم يجد التشجيع والدعم بل بالعكس يتم إحباطه, فالأشخاص الذين يديرون البلاد درجه ثالثة فكيف سيستطيعون إفراز درجات أولى لنا؟.

< تتحدث دائمًا فى كتاباتك عن الثورة التكنولوجية بالهند والصين.. فلماذا هذه الدول بالتحديد؟

- لأنه عندما ننظر إلى دولة مثل الهند والتى قامت بإرسال مجموعة من الشباب للتعليم فى أمريكا وعند عودتهم أقامت لهم مدينة علمية ووفرت لهم كل شىء، وبالتالى ساهموا هؤلاء الشباب فى جعل الهند دولة قوية، تمامًا مثلما فعلت الصين من قبلها حين أرسلت نحو ألفى طالب للتعليم فى أمريكا واستفادت منهم بعد عودتهم مرة أخرى للصين، بخلاف الدولة المصرية فالشباب الذى يسافر للتعليم بالخارج يتم تطفيشه عند عودته لمصر ولم يتم احتضانه والاستفادة منه, فنحن لم ننشأ لهم مدينة علمية للمبدعين كما فعلت الهند ولم نمول الأفكار والابتكارات العلمية الجديدة، ولكن مؤخرًا الرئيس السيسى بدأ يهتم بالشباب ويحرص على عقد مؤتمرات لهم وعليها أن تخرج لنا بنتائج على أرض الواقع.

< كيف ترى أهمية الإدارة بالنسبة للدول؟

- الإدارة صانعة الحضارة, فالإدارة المتخلفة ينتج عنها دولة متخلفة والعكس صحيح، فالصين كانت دولة متخلفة ولكن عندما تولى «بينغ» الرئاسة لم يسير على النهج القديم وقام بإرسال مجموعة من الشباب الصينى لدراسة الإدارة فى أهم الجامعات بامريكا وعند عودة هؤلاء الشباب إلى الصين سمح لهم الرئيس الصين بإدارة المؤسسات الصينية وكذلك فعلت الهند، فمن يصنع التغيير داخل الدول هو من يرفض الوضع الخاطئ بعكس ما نشهده داخل الدول المتخلفة، فالأشخاص ينصاعون للأوامر حتى وإن كانت خاطئة.

< كيف يمكن لمجتمع فقير ماليًا أن يتقدم؟

- عن طريق العلم والابتكار والإنتاج وهما فى حاجة إلى نهج صحيح لتفجير طاقات البشر، فمعظم شعوب العالم كانت فقيرة ولكن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شعب أرض ووقت، فالشعوب التى استغلت وقتها وأرضها بالعلم تقدمت, والشعوب التى ظلت فى غيبوبة باتت «محلك سر».

< ما هى روشتة النجاح التى يمكن أن تقدمها للشباب المصرى؟

- نحن فى حاجة إلى مؤسسات فيما يخص التميز, ولا بد أن يكون مدارس وجامعات متميزة خاصة بالشباب المتميز, فالتعليم هو الأساس وإذا كان مميزًا سيخرج لنا شبابا متميزاً, أيضًا التعليم هو من سيفرز لنا درجات التميز بين الطلاب ومن ثم الاستثمار فى هؤلاء الشباب والإيمان بهم وضخهم فى مؤسسات الدولة لتنميها, فنحن نختار أفراد لقيادة المؤسسات بطريقة عشوائية وبمعايير الأقل تميزًا وليس الأكثر, بعكس ما يحدث عند اختيار قادة المؤسسات فى الدول المتقدمة، حيث تتم استضافتهم على شاشات التلفاز ويتم سؤاله عن الإنجازات التى حققها من قبل مجاله ويكون هناك لجان استماع فى هذا الشأن.

< إذن كيف يمكن لمصر أن تستثمر العنصر البشرى الكبير المتوافر لديها؟

- عن طريق إفراز العناصر المتميزة بداخله, أو من خلال إرسال مجوعة من الشباب للدراسة فى الجامعات الكبرى بمختلف دول العالم مثلما كانت تفعل الدولة المصرية فى الماضى بشرط أن تحتضنه الدولة عند عودته وعدم قتل الطموح بداخله.

< وبماذا تخشى على الدولة المصرية مستقبلاً؟

- أخشى عليها من سوء الإدارة البشرية.

< أخيراً.. كيف نعزز الانتماء لدى الشباب؟

- من خلال إبراز النماذج الناجحة التى تضيف قيمة للبلاد، أيضًا المؤسسات والهيئات يجب أن تكونا مؤسسات للتعليم ولا توقف تنمية الشباب وتحترمهم وتستثمر فيهم.