البالطو الأبيض.. فى خطر

البالطو الأبيض.. فى خطر
الأربعاء, 06 مارس 2019 19:30
إشراف: نادية صبحى - تحقيق: حمدى أحمد

القطاع الصحى فى مصر على موعد مع خطر شديد قد يصيبه خلال السنوات القليلة المقبلة، بسبب استقالات الأطباء خلال السنوات الثلاث الماضية والتى وصل عددها إلى 6 آلاف استقالة، معظمهم هاجر خارج البلاد.

هذه الاستقالات أو ما يعرف بهجرة الأطباء تنذر بكارثة محققة على تقديم الخدمات الصحية فى مصر، لأن المستشفيات صارت تعانى عجزًا شديدًا فى أعداد الأطباء والتمريض أيضاً، حيث أصبح الطبيب حديث التخرج لا يفكر سوى فى الحصول على دورات تدريبية فى اللغات الأجنبية وشهادات المعادلة عقب تخرجه مباشرة من أجل السفر للعمل بالخارج، وعدم التوجه للعمل فى المستشفيات الحكومية، لدرجة أن المملكة العربية السعودية وحدها تحتضن 70 ألف طبيب مصرى، ودولتى استراليا والولايات المتحدة الأمريكية نحو 25 ألف طبيب.

تدنى هيكل الأجور والحوافز والبدلات للأطباء يعد السبب الأبرز والرئيسى فى هجرتهم من مصر، حيث لا يتجاوز راتب الطبيب حديث التخرج 2000 جنيه، فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعيشها المواطن المصرى، بجانب مشكلات الاعتداء المستمر والممنهج على الأطباء بسبب نقص الإمكانيات والمستلزمات فى المستشفيات، فضلًا عن نقص فرص الدراسات العليا ومصاريفها.

متوسط المعدل العالمى المقبول للأطباء يبلغ 3 لكل 1000 مريض، ونحن فى مصر لدينا طبيب واحد فقط لكل 1000 مريض، وهذا ما عبرت عنه مؤخرًا وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد، بقولها خلال اجتماع بمجلس النواب إن قطاع الصحة يعانى من نقص القوة البشرية.

وأضافت: «معندناش بنى آدمين تشتغل، نحن نعانى عجزًا تامًا فى القوة البشرية»، مشيرة إلى أن 60% من الأطباء موجودون فى السعودية فقط، والباقى يسعى للعمل فى القطاع الخاص.

وأشارت إلى أنها طالبت كثيرًا بوضع حد للإعارات للخارج، بينما هناك زيادة فى عدد الصيادلة، مؤكدة أنها سعت من أجل زيادة عدد كليات الطب ومعاهد التمريض، مثل العريش والسويس ودمنهور والأقصر وحلوان.

وأوضحت وزيرة الصحة أنه رغم إعداد مشروع الكادر، وتحسن الرواتب إلا أن أداء المنظومة الصحية لم يتحسن، متابعة: «مش هقدر أنافس رواتب السعودية والقطاع الخاص».

ووفقًا للدكتور عماد الدين راضى، وزير الصحة السابق، فإن كليات الطب بمصر تخرج 9 آلاف طبيب سنوياً، 8 آلاف منهم لا يستطيعون ممارسة المهنة بالمعلومات التى حصلوا عليها فى كلياتهم.

 

أمين صندوق النقابة: الاستقالات ظاهرة مستمرة

 

الدكتور محمد عبدالحميد، أمين صندوق نقابة الأطباء، يقول: إن استقالات الأطباء ظاهرة فى تزايد مستمر وليست حالات فردية كما يردد البعض، ومن المتوقع ألا نجد أطباء فى مصر خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأوضح «عبدالحميد» أن عدد الأطباء الذين تقدموا باستقالاتهم خلال 3 سنوات نحو 6 آلاف طبيب، ففى 2016 تقدم 1044 طبيبا باستقالاتهم، و2549 فى 2017، و2397 حتى نوفمبر 2018.

وكشف أمين صندوق نقابة الأطباء، أن أسباب الاستقالات متعددة، منها ضعف الأجور وبدل العدوى والاعتداء المستمر والممنهج على الأطباء بسبب نقص الإمكانيات والمستلزمات فى المستشفيات سواء الجامعية أو التابعة لوزارة الصحة، إضافة إلى نقص فرص الدراسات العليا للأطباء ومصاريفها.

وأضاف: «نحن لدينا قانون رقم 14 لسنة 2014، ينص على أن مصروفات الدراسات العليا على حساب جهة العمل وحتى هذه اللحظة منذ 4 سنوات لم يتم دفع مصاريف الدراسات العليا لطبيب واحد فى مصر.. ولذلك إيه اللى يخلى طبيب يقعد فى مكان مش قادر يشتغل فيه ومش بياخد مرتب كويس وبيتم الاعتداء عليه؟!».

وتابع «عبدالحميد»: «الأسوأ من ذلك الأمر حالياً هو تفكير الطلبة فى السفر للخارج وعدم الانتظار فى مصر، وبدأوا يحصلون على دورات لغات بحيث أنه بمجرد الانتهاء من الدراسة يسافر خارج البلاد»، مشيراً إلى أن تاريخ هذه المشكلة طويل ولكنها زادت بشكل كبير فى السنوات الأربع الأخيرة نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية فى مصر.

ولفت إلى أن راتب الطبيب الشاب حالياً 2000 جنيه أى نحو 120 دولاراً، وهذا مستوى متدنٍ مقارنة بمرتبات الأطباء فى الدول الخليجية والأفريقية أيضاً، قائلاً: «لما دولة أفريقية ما مش خليجية مرتب الطبيب المصرى فيها 3 آلاف دولار شهرياً يبقى الطبيب يقعد فى مصر ليه.. وكمان بيقدر يشتغل فى مكان يساعد فيه المريض من غير ما يعتدى عليه».

وأوضح أن الخدمة الطبية فى مصر سيئة جداً سواء فى نقص الإمكانيات والمستلزمات الطبية بالمستشفيات أو ضعف الأجور أو نقص الأدوية، فالطبيب يكتب للمريض الدواء وعندما يذهب لشرائه لا يجده فى الصيدليات ثم يعود بعد ذلك ويلقى باللوم على الطبيب.

وعن حلول المشكلة، أكد أمين صندوق نقابة الأطباء، أنها تتمثل فى ضرورة رفع الحكومة لأجور الأطباء، لأنه فى عام 2014 عندما رفعت النقابة قضية وحصلت على حكم واجب النفاذ بزيادة بدل العدوى للطبيب 1000 جنيه، استأنفت الحكومة على الحكم وظل الأمر فى المحاكم عدة سنوات، فنحن لا نطالب الحكومة بإعطاء الطبيب 3 آلاف دولار مثل الدول الأخرى ولكن المرتب يجب أن يواكب الزيادة فى الأسعار وغلاء المعيشة التى طرأت على المجتمع المصرى فى السنوات الأخيرة، فضلا عن زيادة بدل النوبتجية للطبيب وحل مشكلات السكن.. متابعاً «ماينفعش طبيب يقعد نوبتجية 24 ساعة وياخد فى الآخر 60 جنيه، ومش بيقدر يدخل الحمام علشان غير لائق».

وأضاف: «لابد من تطبيق قانون 14 لسنة 2014 بحساب مصاريف الدراسات العليا على جهة العمل وليس الطبيب وهذا قانون موجود بالفعل لن يحتاج إلى تشريع جديد»، موضحاً أن تنفيذ الحكومة لهذه المطالب سوف يقلل بشكل أو بآخر ظاهرة استقالات الأطباء وهجرتهم للخارج لأنها ستسهم فى تحسين الخدمة الطبية المقدمة للمرضى لأن بيئة العمل ستتحسن للطبيب وكذلك توفير الإمكانيات والمستلزمات الطبية سيحسن الخدمة للمرضى.

وأشار إلى أن هناك تواصلاً بين نقابة الأطباء ووزارة الصحة لمناقشة هذه المشكلات ولكن هذه اللقاءات والاجتماعات لم تسفر عن أى شىء ملموس على أرض الواقع.

 

منسق لجنة الحق فى الصحة: تدنى الرواتب أهم الأسباب

 

قال الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة: إن النظام الطبى فى مصر يعانى من 5 مشاكل هيكلية تتمثل فى التمويل ونقص الأطباء والتمريض ونقص المستلزمات والأجهزة فضلًا عن عدم الكفاءة.

وأضاف «خليل» أن نقص الأطباء فى مصر قبل استقالات السنوات الثلاث الماضية كان 30%، ووزارة الصحة كانت تنفى الأمر وتبرر هذا النقص بسوء التوزيع، ولكن وزيرة الصحة اعترفت مؤخرًا بالنقص فى أحد اجتماعات مجلس النواب، كما أن النقص فى التمريض بلغ 55%.

وأوضح منسق لجنة الدفاع عن الصحة، أن عدد الأطباء العاملين فعليًا فى البلاد يبلغ نحو 100 ألف طبيب، وليس كما يدعى البعض بأنهم 300 ألف، حيث إن مصر أصبحت بلداً طارداً للأطباء والتمريض، لدرجة أن السعودية أعلنت مؤخرًا أن عدد الأطباء المصريين لديها 70 ألفاً، وأستراليا وأمريكا يتواجد فيها ما بين 20 إلى 25 ألف طبيب.

«طرد وهجرة الأطباء عنصر مهلك لأى نظام صحى فى العالم، ونحن نعانى فى مصر من وضع كارثى نتيجة استنزاف الثروة البشرية من الأطباء وهجرتهم إلى الخارج»، هذا ما أكد عليه منسق لجنة الحق فى الصحة.

وأشار إلى أن متوسط المعدل العالمى المقبول للأطباء هو 3 لكل 1000 مريض، ونحن فى مصر لدينا طبيب واحد فقط لكل 1000 مريض، كما أن 30% من أسرة العناية المركزة فى الحكومة مغلق بسبب نقص التمريض والأطباء، إضافة إلى أن متوسط المعدل العالمى 2.9 سرير لكل 1000 مريض، ونحن فى مصر لدينا 1.4 سرير فقط لكل مريض.

وأكد «خليل» أن السبب الرئيسى لهجرة واستقالات الأطباء من مصر هو هيكل المرتبات، لافتًا إلى أن لجان القوى العاملة فى عدد من الشركات تقول إن الحد الأدنى للعامل حاليًا من المفترض أن يصل إلى 3500 جنيه، فما بالنا براتب الطبيب حديث التخرج الذى لا يتجاوز حاليا 2000 جنيه، وحتى عام 2013 كان 250 جنيهاً فقط.

وقال: إنه إذا أرادت الدولة حل هذه المشكلة التى تضر كثيرًا النظام الصحى فى مصر وتنبئ بانهياره فى السنوات المقبلة، لا بد من إصلاح هيكل الأجور وزيادة موازنة وزارة الصحة تدريجيًا إلى 6% من الناتج المحلى، كما ينص الدستور لأنها حاليًا 1.5%.

 

وكيل لجنة الصحة بالبرلمان: يجب إعادة ترتيب سوق العمل

 

قال الدكتور أيمن أبوالعلا، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب إن متوسط المعدل المقبول للأطباء فى فرنسا مثلًا طبيب لكل 390 مريضًا وفى مصر هناك طبيب لكل 1000 مريض، ولو تم الاحتفاظ بالأطباء الذين يهاجرون من مصر سيكون هناك طبيب لكل 450 مريضًا.

وأضاف «أبوالعلا» أن هجرة الأطباء مشكلة حقيقية يواجها المجتمع المصرى نتيجة أسباب مادية واجتماعية ولا بد على الدولة إيجاد الحلول لها، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست معقدة وقابلة للحل.

وأوضح وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب أن هناك قرارًا صدر فى 2008 بتقليص عدد كليات وخريجى الطب فى مصر وكان من المفترض مضاعفته لوضع رؤية مستقبلية بالنسبة للزيادة السكانية، ولذلك لا بد من تعديل هذا القرار وزيادة عدد المقبولين نسبيًا فى الجامعات المصرية بكليات الطب، وإذا كانت الدولة لا تستطيع ذلك فلا بد من تشجيع المستثمرين فى كل محافظة أن ينشأوا كليات طب ومستشفيات ملحقة بها للتدريب.

وقال: «إن المشكلة ليست مقصورة على أعداد الأطباء فقط وإنما أيضًا التخصصات وهى المسألة الأخطر، فهناك مستشفيات عامة فى بعض المحافظات من المفترض أن يتواجد بها 20 طبيب تخدير ولكن الواقع لا يوجد سوى اثنين فقط، فالتخدير به نقص حاد كتخصص، كذلك تخصص طب الأسرة والمخ والأعصاب، ولذلك لا بد على الدولة بحث طرق التسجيل والتحفيز لهذه التخصصات»، بحسب الدكتور أيمن أبوالعلا.

وأكد وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، ضرورة دراسة وزارة الصحة احتياجات سوق العمل أولًا ومعرفة التخصصات التى تحتاجها المستشفيات بدقة ومراعاة التوزيع الجغرافى للأطباء، لأن هناك بعض المناطق فى المحافظات شبه محرومة من الأطباء.