عودة الروح.. لبحيرة المنزلة

عودة الروح.. لبحيرة المنزلة
الأحد, 10 فبراير 2019 21:38
تحقيق وتصوير: محمد طاهر / إشراف: نادية صبحي

 

من رأى بحيرة المنزلة منذ شهور قليلة، ثم يراها الآن، فلن يصدق عينيه، وسيشعر لفترة أنه يحلم، والسبب أن البحيرة تغيرت بشكل كامل.

قبل شهور كانت البحيرة وكراً للمطاريد والخارجين على القانون والبلطجية الذين استولوا على أجزاء كبيرة منها، حتى تقلصت مساحتها من 750 ألف فدان إلى 250 ألفاً فقط.

وكان ورد النيل والحشائش يغطى مساحات كبيرة منها، وكان مصرف بحر البقر يقذف إلى جوفها يومياً كميات هائلة من المياه الملوثة، التى تقتل الأسماك، وهو ما أدى إلى اختفاء 18 نوعاً من أسماك البحيرة.

وكان طبيعياً والحال هكذا أن تنخفض إنتاجية البحيرة إلى 60 ألف طن أسماك سنوياً بعد أن كان إنتاجها يزيد علي 100 ألف طن سنوياً، وأن يهجرها آلاف الصيادين فانخفضت أعدادهم من 450 ألف صياد إلى 200 ألف فقط.

الآن كل هذا تغير.. تحررت البحيرة من قبضة البلطجية، وتم تطهير مساحات كبيرة منها، وجار حالياً منع تسرب المياه الملوثة إليها، وعادت إليها من جديد أسماكها القديمة، أما صيادو البحيرة فيقولون إن ما يرونه أمام أعينهم أشبه بالحلم الذى تحقق بعد طول انتظار.

«الوفد» رصدت بالصوت والصورة الميلاد الجديد لأحد أكبر بحيرات مصر.

بحيرة المنزلة من أقدم البحيرات المصرية والتى كان من المفترض أن تكون محمية طبيعية، ويقول التاريخ إنه قبل الفتح الإسلامى لمصر عام 641 ميلادية بمائتى عام حدثت هزة أرضية عنيفة، نتج عنها تصدع فى المنطقة التى توجد فيها البحيرة حالياً، وانخفاض أرضى غمرته مياه النيل ودخلته أيضاً مياه البحر المتوسط، فتكونت فى النهاية بحيرة على مساحة أكثر من 750 ألف فدان.

البحيرة أيضاً منطقة لها تاريخ عظيم، حيث استقبلت العائلة المقدسة، السيدة مريم العذراء وابنها عيسى عليهما السلام، كما أن أهلها قاموا بحماية القاهرة من غزو العدوان الثلاثى الذى حاول المرور منها إلى الدلتا لأنها مياه ضحلة العمق لا يزيد علي متر ونصف المتر، ولكن الأهالى تصدوا للقوات الغازية وردوهم على أعقابهم خاسرين.

ومع الحكومات المتعاقبة تعرضت البحيرة لإهمال جسيم صاحبه تعديات وسطو على أراضيها، وتقلصت مساحتها من 750 ألف فدان، لتصل حالياً إلى 250 ألف فدان، تنوعت التعديات ما بين البناء ومزارع سمكية بمساحات مختلفة تتراوح من 50 إلى 300 فدان للأسرة الواحدة وتتركز فى المثلث الذهبى تجاه محافظة بورسعيد، حيث كان الاستيلاء والتجفيف المستمر للمسطح المائى لبحيرة المنزلة يعانى منه الصيادون حتى وقت قريب.

وقد انعكس هذا الإهمال ليصبح ناتج البحيرة لا يزيد علي 60 ألف طن سنوياً، وكانت البحيرة تنتج 30٪ من الثروة السمكية فى مصر، وفى أحيان أخرى جاء خمس الإنتاج السمكى على مستوى مصر، وتقلصت أنواع الأسماك داخل البحيرة مما يزيد علي 20 نوع أسماك مثل «الطوبار، والبلطى، والبورى، والدنيس، والأروص، والبياض، والحنشان، والجمبرى، والكابوريا» وهى أسماك مياه المالح والعذب معاً، ليصبح الموجود حالياً نوعين فقط هما «البلطى والقراميط» فقط.

كما انخفض عدد صيادى البحيرة من 450 ألف صياد إلى 200 ألف صياد يبحثون عن أرزاقهم فى 10 آلاف فدان فقط مسطح مائى متمثل فى الممرات ما بين الحوش والجزر المستولى عليها المعتدون، ولهذا ضاق الحال بالصيادين وهربوا إلى أماكن أخرى، فالبعض خرج فى رحلات الصيد المحفوفة بالأخطار على مراكب الصيد بالبحر المتوسط أو البحر الأحمر، والبعض الآخر ترك المهنة وراح يعمل فى مصانع ببورسعيد أو فى العتالة بميناء دمياط الجديدة.

ومع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى رئاسة الجمهورية جاء تحقيق الحلم الذى طالما راود صيادى بحيرة المنزلة لتعود الطيور المهاجرة من الصيادين إلى موطنها وتستقر أسرهم، بوقف نزيف الدماء مع رحلات البحث عن الرزق بالصيد خارج المياه الإقليمية المصرية، وتنبهت الدولة مؤخراً لتطوير البحيرة وإزالة كل الصعوبات عنها مع تطهيرها، فى مشروع تطوير متعدد الجوانب، شمل أيضاً حل مشاكل الصيد والصيادين، ووقف مصادر التلوث، ووقف التعديات المختلفة على المسطح المائى، وإزالة كل ما يعيق حركة المياه من الحشائش وورد النيل والبوص وإنشاء محطة معالجة لمياه الصرف لمصب بحر البقر الذى يلقى بمياهه فى البحيرة.

وهنا تحولت البحيرة إلى خلية نحل واستقبل الصيادون الكراكات والحفارات بالترحاب والمزمار وفرقة السمسمية ورفعوا صوراً للرئيس، وتحول اليأس إلى أمل مع بزوغ فجر جديد وفتح آفاق الرزق بالصيد فى بحيرة آمنة مفتوحة للصيد الحر للجميع.

ورصدت «الوفد» عمليات التكريك وإزالة التعديات التى تتم على قدم وساق بمناطق متعددة ببحيرة المنزلة، حيث بدأت فى منطقة بورسعيد وامتدت حتى منطقة الدقهلية.

ويؤكد الأهالى أن تطهير البحيرة كان حلماً صعب المنال إلا أن الحلم أصبح حقيقة.. وتم البدء فى تنفيذه وتم فتح مسطح مائى كبير فى بعض القطاعات فى البحيرة.

أكد طه الشريدى، نقيب الصيادين المستقلين بالمطرية، أن نسبة التطهير وصلت إلى 40% حتى الآن ومستوى العمل جيد جداً، حيث يأتى التطهير بمشاركة ما يوازى 200 حفار برى ومائى، وشفاطات هيئة قناة السويس، والهيئة المصرية البحرية للكراكات، وعدد 12 شفاط عملاقة تابعة للشركة الإماراتية المصرية، ومرجح زيادتها خلال الفترة المقبلة لتحقيق الإنجاز المطلوب فى المدة التى حددها الرئيس، وهى عامان فقط. وعلى مدار عام ونصف العام تمكنت الكراكات والحفارات من إزالة أكثر من 50 ألف فدان من التعديات عبارة عن مراحات، ومبان، ومزارع سمكية مخالفة داخل وخارج البحيرة، كما تم تكريك وتطهير الأماكن التى تمت إزالة التعديات منها لتعميق البحيرة وتقليل الطمى بها.

ومن أهم المناطق التى تمت إزالة التعديات بها مناطق «دسدى بالنسايمة، والجميل، وكرمس، وليسا الجمالية، ومنطقة وش البلد»، بينما هناك مناطق لم تتم إزالتها حتى الآن، وهى «العجايبى، وتنيس، والخزان، والجحر والغزال، والضلع، والدنكة» إضافة إلى المثلث الذهبى ومساحته 26 ألف فدان موجود داخل بحيرة المنزلة جنوب بورسعيد.

فيما عبر جموع الصيادين فى بحيرة المنزلة عن سعادتهم البالغة فى تحقيق الحلم المستحيل والذي تحقق مع الرئيس السيسى والذى أعاد البسمة لوجوه الصياد الحر والذى ظل لسنوات متعاقبة ينتظر هذا الإعجاز فى إعادة البحيرة وتطهيرها من التلوث والفساد وأصحاب النفوذ بإزالة التعديات واستعادتها لتساهم كمشروع قومى يساهم فى زيادة الناتج القومى للثروة السمكية.

وقال أحمد الفقى، صياد، من أهالى المطرية: منذ أكثر من 40 عاماً لم أر أسماك سخرم والسيجان والسردين والكلوخ، والتى عادت إلى البحيرة نتيجة التطهير الذى تقوم به الدولة حالياً.

وأشار النائب محمد العتمانى، نائب دائرة المطرية، إلى أن الدولة تخطط للقضاء على التلوث فى البحيرة بتحويل 5 ملايين متر مكعب من مياه الصرف القادم من مصرف بحر البقر إلى سيناء لاستخدامها فى الزراعة، بالإضافة إلى أنه سيتم إنشاء محطة معالجة لمياه الصرف القادم من مصرف بحر البقر، حيث تم بالفعل مناقشة قرض قادم من الكويت للبدء فى الإنشاء وتمت الموافقة عليه من مجلس النواب الأسبوع الماضى، على أن تنتهى عملية الإنشاء فى منتصف عام 2020 وهذا سيقضى على التلوث فى البحيرة تماماً.

كما أن منطقة المثلث الذهبى تضم عدة مناطق لجزر وتلال أثرية تحتوى على آثار وهناك من يقومون بالتنقيب.

وطالب «العتمانى» نائب المطرية بالدقهلية، بتعديل قانون الصيد، وقال: غرامة الصيد الجائر سواء صيد الكهرباء أو صيد الزريعة أو الاستيلاء على المساحات التى تتم إزالتها لا تتعدى 500 جنيه، ورغم أن القانون أباح سجن المتورطين ولكن أغلب المحاكم تكتفى بالغرامة فقط. وأضاف: فى البرلمان قمنا بمناقشة التعديل لتغليظ العقوبة، واستمرت المناقشات 6 اجتماعات، وفوجئنا بأن التعديلات لم يتحدد لها موعد لمناقشتها فى الجلسة العامة، وهذا أمر غريب، لأننا من المفترض ونحن نقيم مشروعًا قوميًا للبحيرات أن يكون بالتوازى معها مشروع قانون يغلظ العقوبة حتى نحقق الحماية بالردع لكل من تسول له نفسه بالتعدى على البحيرات أو الصيد الجائر.

 

عمليات إنقاذ بحيرة المنزلة لم تقتصر على تحريرها من أيدى المغتصبين والخارجين على القانون، ولا تطهيرها من ورد النيل والحشائش، ولكنها امتدت أيضًا إلى مواجهة التلوث الذى كاد يقتل أسماك وصيادى البحيرة، خاصة بعد أن وصل إلى معدلات تفوق كل مراحل الخطر.

فطبقًا لدراسة سابقة للباحث إبراهيم محمد حمزة، نال بها درجة الماجستير من كلية علوم المنصورة، أن مدينتى المنزلة والمطرية من أكثر مدن الجمهورية إصابة بأمراض كبدية ومعدية.

وأرجع الباحث انتشار الأمراض الكبدية والمعوية بين صيادى البحيرة إلى ما وصفه بأنه «تلوث بيئى خطير يهدد حياة آلاف الأهالى، خاصة الصيادين بسبب مخلفات المصانع التى تلقى فى البحيرة، ما أدى لإصابة العديد من الصيادين بالأمراض الكبدية والمعوية فضلًا عن انتشار كارثى لحالات التسمم».

وقال حمدى الحسينى، مدير معهد بحوث الأرض والمياه، فى دراسة أعدها عن خطورة مصرف بحر البقر وأثره على البحيرة: «إن المصرف يصب فى بحيرة المنزلة نحو 845 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحى القادمة من القليوبية والشرقية والإسماعيلية والدقهلية، فضلًا عن مخلفات 80 مصنعًا فى القاهرة الكبرى».

وأضاف: «هذا التلوث أدى لهجرة أنواع كثيرة من الطيور وتدمير الثروة السمكية، وتجرى حاليًا محاولات بالتعاون مع الأمم المتحدة لمعالجة 25000 متر مكعب يوميًا من مياه الصرف الزراعى المختلطة بالصرف الصحى والصناعى والتى يحملها المصرف إلى البحيرة».

وأكد تقرير تقييم الوضع البيئى، لزمام بحيرة المنزلة، ومصرف بحر البقر، بورسعيد، من خلال مشروع تعاون دولى بين كليتى هندسة جامعة بورسعيد، وقسم الموارد المائية بهندسة جامعة لوند بالسويد، أن جميع عينات المياه التى أخذت من بحيرة المنزلة، احتوت على أعداد كبيرة من بكتيريا القولون البرازية، ما يؤكد وجود مياه الصرف الصحى غير المعالج، تصب فى البحيرة بطريقة مباشرة، كما بين التقرير وجود بكتيريا القولون البرازية فى المياه القريبة من مخرج محطة الصرف الصحى فى غرب بورسعيد، ويعد دليلًا واضحًا على عدم معالجة المياه الخارجة من المحطة.

وأشار التقرير إلى ارتفاع المعادن الثقيلة، مثل الرصاص والزنك والنحاس، فى تربة قاع البحيرة، والتى وجدت فى موقع مصرف بحر البقر، نتيجة للصرف الصناعى، مشيرًا التقرير إلى تسجيل أعلى معدلات للكالسيوم بالقرب من المنطقة الصناعية الجنوبية، كدليل واضح على صرف المصانع المباشر، وغير المعالج، فى البحيرة وخصوصًا مصانع البويات.

كما سجل التقرير، ارتفاع معدن الرصاص فى مياه البحيرة، بالقرب من بوغاز الجميل، وكشف علامات استفهام كبيرة على صرف مصانع الغاز ومشتقاته، التى تصب فى جزء خطير من البحيرة الذى أعتقد أنه أنقى البحيرات.

كما كشف التقرير النقاب، أثناء زياراته الحقلية للبحيرة، عن قواقع للبلهارسيا التى شوهدت بالعين المجردة، مما يهدد حياة الصيادين الذين يستخدمون الغطس، بالإضافة إلى استخدام مياه الصرف الصحى فى احتياجات سكان ضفتى مصرف بحر البقر اليومية، فى الاستحمام واللهو.

وأوضح التقرير إصابة الإنسان بالأمراض الخطيرة عند تناوله الألبان ولحوم الماشية التى تتغذى على النباتات الملوثة بشكل مباشر بسبب تراكم العناصر الثقيلة فى لحومها وألبانها.

كما تطرق التقرير مؤكدًا أن جميع عينات الأسماك احتوت خياشيمها وبطونها على أعداد كبيرة فاقت المسموح بها من بكتيريا القولون البرازية، واحتوت على تركيزات عالية من مادة الرصاص، وسجلت نسبًا عالية من التركيزات لعناصر الزنك والكالسيوم والنحاس والمنجنيز.

وأكد التقرير، أن أسماك البحيرة غير صالحة للاستخدام الآدمى، مؤكدًا أن استهلاكها فيه خطورة شديدة على الصحة العامة، حيث يسبب تراكم هذه العناصر الثقيلة الأمراض الخبيثة كالسرطان، والفشل الكلوى، الآن تغير هذا الأمر تماماً، وبدأت البحيرة تتطهر من كل ملوثاتها.