الجمعيات العلمية..صراع من أجل البقاء

الجمعيات العلمية..صراع من أجل البقاء
الأربعاء, 02 يناير 2019 21:22
إشراف: نادية صبحي وأعد الملف: حمدى أحمد

تمتلك مصر كنوزًا علمية تاريخية كان لها أدوار مهمة فى تاريخ مصر علميًا وثقافيًا، وما زالت تمارس هذه الأدوار حتى الآن لكن تواجهها العديد من العقبات، الكثير منها تجاوز عمره المائة عام، وتحتوى على مقتنيات نادرة ووثائق تاريخية قد لا توجد فى أماكن أخرى من العالم، هذه الكنوز تتمثل فى الجمعيات العلمية التى أصبحت تصارع من أجل البقاء والاستمرار، وقد لا يعرفها الكثيرون منا ولم يسمع عنها من قبل، فهى تعانى من مشاكل متعددة تعيق حركتها وزيادة أنشطتها، أهمها ضعف الموارد المالية الخاصة بها، التى تساعدها فى العمل وزيادة الإنتاج العلمى، ولولا تبرعات المهتمين بالعلم والثقافة، ما استمرت هذه الصروح العلمية فى أداء رسالتها العظيمة.

«الوفد» تضع هذا الملف أمام الجهات المسئولة أحوال هذه الجمعيات التاريخية، وما آلت إليه، والصعوبات والمشاكل التى تواجهها ومطالبها من الحكومة لمساعدتها فى الاستمرار والعمل بدلاً من التوقف والإغلاق.

 

«الدراسات التاريخية».. حياة على تبرعات الأعضاء

تاريخ تأسيسها يتجاوز 70 عاماً، صدر قرار إنشائها بمرسوم ملكى فى عهد الملك فاروق يوم 20 يوليو 1945، بهدف النهوض بالدراسات التاريخية ونشر الوعى التاريخى بين أبناء الوطن وحفظ الوثائق التاريخية، تضم مخطوطات ووثائق نادرة وأوائل المطبوعات فى القرن التاسع عشر، تعرضت للكثير من المشكلات التى كادت أن تقضى عليها، ولكنها صمدت بفضل أبناء مصر المخلصين للتاريخ والثقافة.. إنها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، إحدى أقدم الجمعيات العلمية فى مصر والوطن العربى.

هذه الجمعية التى تعرضت للنقل من مقرها أكثر من مرة طوال تاريخها، وكاد هذا النقل أن يقضى على حلم استمرارها، حيث اتخذت عند تأسيسها مقرا مؤقتا بمكتب المؤرخ الراحل محمد شفيق غربال بوزارة المعارف العمومية، ثم خصصت لها غرفتين بجمعية الاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، ولكن مع اتساع نشاطها وزيادة أعضائها انتقل مقرها إلى مكان خصص لها بمبانى الجمعية الزراعية الملكية مارس 1950.

ظلت الجمعية تمارس نشاطها بذلك المقر حتى عام 1958 عندما اضطرت إلى إخلائه بعد صدور قرار جمهورى قضى بإقامة هيئة المعارض فى نفس المكان، فانتقل مقر الجمعية إلى شارع البستان بالقاهرة، ولكن تعثرت الحالة المالية للجمعية نتيجة صدور قانون إيجارات الأماكن غير المخصصة لأغراض السكن الذى ضاعف إيجار المقر إلى ثمانية أضعاف مع زيادة سنوية فى القيمة الإيجارية، ما عرض الجمعية للطرد من مقرها.

طرقت الجمعية جميع الأبواب طلباً للعون حتى تستطيع الاستمرار فى أداء رسالتها، واستجاب الراحل سعد فخرى عبدالنور سكرتير عام حزب الوفد السابق، الذى تبرع بسداد إيجار المقر لمدة عامين، كما تلقت تبرعات من شخصيات أخرى مصرية من رجال الأعمال.

استمر الوضع كما هو عليه، حتى صدر قرار بإزالة للعقار الذى كان يقع به مقر الجمعية فى التسعينات، وعقب الإزالة تبرع الشيخ الدكتور سلطان القاسمى حاكم إمارة الشارقة بدولة الإمارات لشراء أرض بمدينة نصر لبناء مبنى حديث للجمعية وتجهيزه وتقديمه هدية منه إلى مصر، وانتقلت الجمعية وثروة البلد التاريخية إلى مقرها الجديد.

ورغم ذلك فإن الجمعية ما زالت تعانى من أزمة مالية حتى الآن لا تساعدها فى تحسين الخدمات المقدمة للباحثين وزيادة نشاطها ودورها فى المجتمع لإيصال المعلومات التاريخية الصحيحة للمواطنين فى القضايا المختلفة بدلا من الاعتماد على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى المليئة بالأخطاء، حسبما أكد الدكتور أيمن فؤاد رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

وأشار «فؤاد» إلى أن الجمعية علمية أكاديمية تهدف إلى جمع المتخصصين الدارسين للتاريخ مع بعضهم البعض وعمل مؤتمرات وندوات فى مختلف نواحى التاريخ بعصوره المختلفة.

وأضاف أن ما يعبر عن ذلك دورية علمية متخصصة مُحكمة تصدر عن الجمعية سنويا بعنوان «المجلة المصرية التاريخية»، وصدر أول عدد لها عام 1948 والآن نحن على وشك إصدار العدد رقم 52 لعام 2018، ويكتب فيها كبار المتخصصين وشباب الباحثين بالجامعات المصرية فى فروع التاريخ المختلفة سواء التاريخ القديم والرومانى واليونانى والعصر الإسلامى والعصور الوسطى ثم فترة الدولة العثمانية والتاريخ الحديث والمعاصر.

وأوضح رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، أن الجمعية لديها علاقات تعاون بالجمعيات المماثلة فى العالم سواء فى أوروبا أو أمريكا أو الوطن العربى وتنظم مؤتمرات سنوية تخصص لقضية معينة تدعو فيها المتخصصين، إضافة إلى نشاط الموسم الثقافى طوال العام والذى يناقش المستجدات على الساحة وتستطيع الجمعية تغطيتها وإعطاء صورة حقيقية عن الأحداث من خلال المتخصصين.

«تمتلك الجمعية مكتبة من أكبر المكتبات المتخصصة فى الدراسات التاريخية سواء المصادر أو الوثائق أو الدوريات المتخصصة أو الرسائل الجامعية التى تمت مناقشتها وتنقسم إلى قسمين أحدهما عربى والآخر باللغات الأجنبية، إضافة إلى وجود مجموعة كبيرة من أوائل المطبوعات خاصة التى طبعت فى القرن التاسع عشر وأبرزها نسخة أصلية من كتاب «وصف مصر» الذى كتب أثناء وجود الحملة الفرنسية بمصر «1798-1801»، فضلاً عن دوريات من جريدة «الوقائع المصرية» والدوريات العلمية الأجنبية، لكن فى الفترة الأخيرة بدأ اقتناء وشراء الدوريات الأجنبية يتناقص بسبب ارتفاع سعرها وضعف موارد الجمعية»، وفقاً لرئيس الجمعية.

ولفت فؤاد إلى أن الجمعية تعانى حالياً من عدة مشكلات مثل سائر الجمعيات العلمية الأخرى، تتمثل فى أن الدولة تصنفها على أنها جمعية خدمية ربحية مثل جمعيات الحج والعمرة ودفن الموتى والجمعيات الخيرية وهذا غير صحيح، ولابد أن يكون للجمعيات العلمية نظام ووضع خاص كما هو معمول به فى الدول المتقدمة، حيث كانت هناك محاولة لوضع مقترح مشروع قانون خاص بالجمعيات العلمية فى فترات سابقة من جانب الراحل الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس الوزراء والدكتور عصام شرف رئيس الوزراء السابق أيضاً لكنها باءت بالفشل ولم تصل لنتائج، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين الجمعيات العلمية والجمعيات الخيرية الخدمية.

وأضاف «لابد من إعادة النظر فى مسألة تبعية الجمعيات العلمية لوزارة التضامن لأنها يجب أن تكون تابعة لوزارة البحث العلمى، وتحصل على تمويل منها، حتى نعطى دفعة للجمعيات لزيادة نشاطها ودراساتها لخدمة المجتمع بشكل أكبر وإعطاء المواطنين المعلومات التاريخية الحقيقية عن أى حدث بدلا من حصولهم عليها من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى المليئة بالمعلومات الخاطئة وتؤدى إلى إحداث بلبة فى المجتمع».

وحول موارد الجمعية المالية، قال فؤاد إنها تتمثل فى اشتراكات الأعضاء الذين يتراوحون ما بين 500 و600 عضو وقيمة الاشتراك لا تتعدى 30 جنيها، فضلاً عن تبرعات بعض المواطنين للجمعية، لافتا إلى وجود منحة من الشيخ سلطان القاسمى للجمعية موضوعة فى أحد البنوك ويتم الصرف من عائدها لكن مصروفات الجمعية تشير إلى ضرورة مضاعفة هذه المنحة حتى يستمر العمل بكفاءة، موضحا أن كل ما تحصل عليه الجمعية من الدولة منحة قيمتها 3 آلاف جنيه من وزارة الثقافة عن طريق الشئون الاجتماعية.

وطالب بأن تنظر الدولة للجمعيات العلمية بنظرة تعادل القيمة الحقيقية لها ومكانتها، وتساعدها فى إقامة علاقات واتصالات دولية لدعوة شخصيات عالمية لزيارتها وحضور الندوات والمؤتمرات بها ومشاركتها فى المؤتمرات الخارجية، والاشتراك فى الدوريات العلمية الأجنبية بحيث تكون متواجدة باستمرار فى مكتبات الجمعيات، لافتا إلى أن بعض الدوريات العلمية فى الجمعيات والجامعات أيضاً تاريخها يعود إلى 20 سنة ولم يتم تحديثها وشراء الجديد منها بسبب ضعف الموارد المالية.

وأشار «فؤاد» إلى أن ذلك يؤثر سلبا على الباحثين المصريين الذين لا يتابعون الجديد فى العلم الحديث باستمرار ولذلك فالباحثون التونسيون والجزائريون والمغاربة حاليا متفوقون على المصريين بسبب احتكاكهم المباشر مع فرنسا وإتقانهم اللغة الفرنسية.

وعن تأثير ضعف الموارد المالية على الجمعية، أوضح أنها لا تستطيع توظيف أشخاص بالحد الأدنى للأجور وكل موظفيها على المعاش ويحصلون بجانب معاشهم على مبلغ بسيط يساعدهم على العيش، ولذلك يجب على الدولة أن تأخذ فى الاعتبار هذا الأمر وترفع مساهمتها للجمعيات خاصة أن هذه الجمعيات لديها حاجز على التمويل الخارجى بقوة القانون، متابعا «على الأقل لازم يكون فى تمويل داخلى والحصول على الإمكانيات دون اللجوء للخارج».

وأكد فؤاد أن الدراسات والوثائق التاريخية لها دور كبير فى المجتمع فلولا هذه الوثائق لما كانت مصر أثبتت مصرية طابا واستعادتها من إسرائيل، ومؤخرا بدأت الدولة تستعين بالجمعية فى مشكلة حلايب وشلاتين وهل هى مصرية أم سودانية، مشيرا إلى أن الوثائق والدراسات تؤكد أنها مصرية أما مسألة جزيرتى تيران وصنافير لم تستعن الدولة بنا رغم أن الوثائق التاريخية تشير أيضاً إلى أنها سعودية.

 

«الجغرافية المصرية».. كنوز نادرة فى أيدى المحتالين

أنشأها الخديو إسماعيل لاهتمامه بالبحوث الجغرافية بأفريقيا ولا سيما فى منطقة منابع النيل، يقترب عمرها الآن من 145 عاماً، أول جمعية جغرافية خارج أوروبا والأمريكتين، تناوب على رئاستها عدد من الشخصيات البارزة عالمياً ومحلياً، استولى على الوقف الخيرى الخاص بها مجموعة من الأشخاص فى 2003، ولكن صدر حكم قضائى بأحقيتها فى الوقف عام 2015.. إنها الجمعية الجغرافية المصرية.

الجمعية هى تاسع جمعية جغرافية على مستوى العالم، وأول جمعية خارج أوروبا والأمريكتين، أنشأها الخديو إسماعيل فى 19 مايو 1875, وعهد إلى عالم النبات الألمانى والرحالة المشهور جورج شفاينفورث رئاستها ووضع نظامها الأساسى، حيث كانت أول جمعية جغرافية تأسست فى العالم فى باريس عام 1821.

كان أول موقع اُختير لكى يصبح مقراً للجمعية (1875 - 1878) عبارة عن قاعة فى بيت محمد بك الدفتردار (كبير الإدارة المالية) وأحد الرحالة الذين جابوا الأقطار الأفريقية، ثم انتقلت إلى مقر جديد (1878 - 1895) حلت فيه محل المحكمة المختلطة القديمة، كما انتقلت بعد ذلك إلى مقر آخر (1895- 1922) كان يقع عند ناصية شارع قصر العينى وشارع مجلس الشعب الحاليين، وقد تم هدم هذا المبنى ليحل محله المبنى الملحق بمجلس الشعب، إلى أن انتقلت للمرة الرابعة فى 1922 إلى مبنى أثرى قديم يقع داخل سور عدد من الأبنية السياسية والحكومية داخل حرم مجلسى الشعب والشورى، وهو مبنى أنشأه الخديو إسماعيل فى 1865 ليكون مدرسة لتعليم بنات الخديو وقد شغلته وكالة حكومة السودان فى العقدين الأولين من القرن العشرين.

ومن أبرز الأسماء التى ترأست الجمعية جورج أوجست شفاينفورث، أول رئيس للجمعية، الأمير عباس حلمى، الذى أصبح فيما بعد خديو مصر، إسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء الأسبق، وكذلك انضم إلى عضوية مجلس الإدارة عدد من الشخصيات الهامة أبرزهم سعد باشا زغلول، أحمد لطفى السيد، عبدالخالق باشا ثروت، طلعت حرب، نوبار باشا.

وتضم الجمعية مقتنيات وخرائط ووثائق جغرافية نادرة، تتواجد فى المتحف الإثنوجرافى، الذى يتكون من 4 قاعات هى قاعة القاهرة «عادات وتقاليد» التى تعرض للعادات والتقاليد التى كانت سائدة فى القاهرة وبعض مناطق مصر فى القرنين الـ18 و19 وأوائل القرن العشرين، وتضم بعض الأدوات المستخدمة فى ذاك الوقت، مثل أدوات التدخين والحلاقة والزينة وأنواع الحلى والمجوهرات وأنواع الخط والكتابة, والحى البلدى والمواكب الدينية والأعياد والأزياء والأقمشة والأسلحة والموازين والمكاييل.

القاعة الثانية هى قاعة القاهرة «حرف وصناعات» وتعرض الصناعات التى كانت سائدة خلال هذه الفترة مثل الصناعات الحديدية والنحاسية والزجاجية وصناعات الأحذية والنسيج والأحذية والصناعات المرتبطة بالخدمات المنزلية، إضافة إلى قاعة أفريقيا التى توضح عادات وتقاليد سكان وادى النيل وشرق أفريقيا، كما تضم المقتنيات التى أهداها ضباط الجيش المصرى والرحالة والمستكشفون، مثل الأسلحة الحربية وأدوات المنزل والموسيقى والحلى ومجموعة الفخار وتحف أخرى متنوعة.

أما القاعة الرابعة، فهى قناة السويس، وقد أهدتها شركة قناة السويس للجمعية بناء على أمر من الملك فؤاد عام 1931، وتوضح مراحل حفر قناة السويس، والاحتفالات التى أقيمت بمناسبة افتتاح القناة، حيث تشمل مجسمات تذكارية وخرائط مجسمة وتوضح القناة والمدن القائمة على ضفتيها بين بورفؤاد وبورتوفيق وبعض الصور الملونة والرسوم البيانية النادرة.

الدكتور السيد الحسينى، رئيس الجمعية الجغرافية المصرية، أوضح أنه بجانب المتحف الاثنوجرافى، تمتلك الجمعية مكتبة تحتوى على خرائط وأطالس وموسوعات جغرافية نادرة، يتم الاستعانة بها فى أى قضية جغرافية تخص البلاد العربية والأفريقية، أبرزها خرائط الاكتشافات الجغرافية فى أفريقيا وأعالى النيل، خرائط هيئة أركان حرب الجيش المصرى، وخريطة العالم للإدريسى.

وحول إصدارات الجمعية العلمية، أشار الحسينى إلى أن الجمعية خلال الفترة من 1875 وحتى 1950 نشرت تسعة إصدارات من المذكرات أهمها ما كتبه جونديه، كبير مهندسى مصلحة الموانئ سنة 1919 عن ميناء السويس، وسنة 1921 عن الأطلس التاريخى لمدينة وميناء الإسكندرية، وما كتبه عمر طوسون عن جغرافية مصر فى العهد العربى، إضافة إلى قاموس جوتييه عن الأسماء الجغرافية فى النصوص والكتابات الهيروغليفية، وكتاب لوزاك سنة 1935 عن «دلتا النيل دراسة فى الجغرافيا البشرية».

وتصدر الجمعية مجلة الجمعية الجغرافية المصرية بالفرنسية والإنجليزية، وهى الدورية العلمية الأساسية التى صدر أول عدد منها باللغة الفرنسية عام 1876، وهى مستمرة فى الصدور حتى الآن، وما زالت بحوثها تنشر بغير اللغة العربية واسمها الرسمى باللغة الفرنسية منذ عام 1952، وفى عام 1967 بحث مجلس إدارة الجمعية إصدار مجلة جغرافية عربية تصدر مرتين فى السنة بجانب المجلة الرئيسية التى تصدر سنوياً بالفرنسية والإنجليزية، وصدر العدد الأول منها فى عام 1968 لتزايد الحاجة إلى نشر المعرفة الجغرافية باللغة العربية، سواء فى صورة كتب أو بحوث أو محاضرات أو مقالات.

وعن موارد الجمعية المالية، قال الحسينى إنه فى عام 1930 أوقف محمد راتب باشا الجركسى «سردار الجهادية المصرية» هو وزوجته إكليرى هانم معتوقة الخديو إسماعيل وقفاً خيرياً للجمعية عبارة عن 538 فداناً زراعياً بمركز بسيون بمحافظة الغربية ومنذ ذلك الحين كانت تصرف الجمعية من ريع هذا الوقف على جميع أنشطتها ورواتب العاملين بها، ولكن فى 2003 استولى مجموعة من المحتالين على هذا الوقف بزعم أنهم أحفاد راتب باشا, وبعد نزاع قضائى طويل صدر حكم قضائى بات ونهائى عام 2015 بأحقية الجمعية فى هذا الوقف الخيرى لأنه لا يخضع للميراث.

وأوضح رئيس الجمعية أن الإجراءات ما زالت متواصلة لاسترداد مستحقات الجمعية من وزارة الأوقاف التى من المفترض أن ترسل إلى الجمعية ريع وإيرادات الوقف، مشيراً إلى أن الفساد والبيروقراطية وراء تأخر إرسال المستحقات، متابعاً: «نحن نكافح مع الأوقاف لصرف مستحقات الجمعية، ونطالب الحكومة بسرعة التدخل لإرسال الأوقاف مستحقات الريع».

وإلى جانب ريع هذا الوقف الخيرى توجد إعانة غير مستمرة أو ثابتة من وزارة الأوقاف، وإعانة من صندوق التنمية الثقافية، وأخرى من أكاديمية البحث العلمى لمطبوعات الجمعية، فضلاً عن اشتراكات الأعضاء السنوية، وتصوير الخرائط والوثائق ورسوم زيارة المتاحف وبعض المنح والهبات القليلة.

 

«الحشرات».. فريسة الإهمال والإرهاب

بلافتة مهشمة دون زينة أو أنوار توضح اسمها، قابعة فى شارع رمسيس أمام مصلحة الشهر العقارى، وكغيرها من الجمعيات العلمية تعانى مشاكل مادية متعددة، لكنها تختلف عنها حالياً فى أنها أصبحت شبه «مهجورة»، بعد أن أصابتها يد الإرهاب الغاشم خلال السنوات الماضية، ودمرت أجزاء كبيرة من محتوياتها التى لا تقدر بثمن، تأسست فى 1907، خامس جمعية من نوعها فى العالم، تحتوى على ٧٠ ألف عينة ومقتنيات نادرة قد لا يوجد مثلها فى أى مكان آخر.. إنها الجمعية المصرية لعلم الحشرات.

هذه الجمعية من الممكن أن نطلق عليها الآن «جمعية الحشرات المهجورة» وليس «جمعية علم الحشرات»، بعد أن كانت شعلة نشاط فى عالم أبحاث ودراسات أنواع الحشرات، ضربها الإرهاب مرتين وقضى على كثير من محتوياتها النادرة، الأولى عندما وضع الإرهابيون قنبلة أمام دار القضاء العالى، ومرت هذه الضربة بخسائر بسيطة، لكن الضربة الثانية كانت هى المؤلمة والموجعة عندما فجر الإرهاب سيارة مفخخة أمام القنصلية الإيطالية فى شارع الجلاء المجاورة لمبنى الجمعية، ما أدى إلى سقوط الأرفف والمقتنيات والمعارض الزجاجية التى تسكنها آلاف الحشرات النادرة المحنطة، ما اضطر الجمعية إلى إغلاق كل القاعات وتوقف الأنشطة والعمل بها.

ومنذ تفجير القنصلية الإيطالية فى يوليو 2015 وأنشطة الجمعية متوقفة ولا توجد بها إلا أعمال الترميم والصيانة المتقطعة التى تقوم بها إحدى الشركات فى أوقات متفرقة من العام، وليس بشكل مستمر، وهو ما يؤخر الانتهاء من إعادة الجمعية إلى ما كانت عليه قبل التفجير، بحسب حارس الأمن الخاص بالجمعية، الذى لم تجد «الوفد» حين انتقلت إليها سواه لأن العمل متوقف، قائلاً «مفيش شغل وأنشطة خالص فى الجمعية، وأعمال الترميم لا تتم إلا كل فترة، فى حالة زيارة أحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية، وعلشان كده ترميم الجمعية لم ينته منذ 2015».

وعلى مدى تاريخ الجمعية، التى تعتبر أقدم جمعية لعلم الحشرات على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا، والخامسة على مستوى العالم بعد الجمعية الفرنسية والبريطانية والكندية والأمريكية، فقد شاركت فى إجراء البحوث والدراسات عن البيئة المصرية وعلم الحشرات، بعد تخصص عدد كبير من الباحثين المصريين فى هذا المجال، وقدمت فى سنواتها الأولى أبحاثاً أفادت البيئة الاقتصادية، لكن عدم وجود مقر مناسب للجمعية كان عقبة فى طريقها، ولذلك طلب أعضاء الجمعية من الملك فؤاد مبنى مستقلاً عن المجمع العلمى، فطلب من ٤ أعيان أن يتبرع كل منهم بمبلغ عشرة آلاف جنيه للجمعية مقابل منحه لقب الباشوية، وبالفعل تم جمع مبلغ ٤٠ ألف جنيه، تم تخصيص ٢٦ ألف جنيه منها للمبنى وأثاثه ووضع ١٤ ألف جنيه فى البنك العقارى للإنفاق عليها وعلى الأبحاث الدورية.

منذ ذلك التاريخ، نهضت الجمعية نهضة كبيرة، وبدأت فى إجراء بحوث تصنيفية وأيديولوجية وفسيولوجية وبحوث خاصة بسلوك الحشرات، وأخرى ترصد مدى الخسائر التى تسببها الآفات الحشرية للمحاصيل الزراعية، وقدمت دراسات تفصيلية عن الحشرات الناقلة الأمراض، وحشرات الحبوب المخزونة وحشرات الرعاشات وناخرات الأخشاب، وأنشئ بها متحف يضم مجموعة حشرية تصنيفية ممثلة للبيئة المصرية، تم جمع عيناتها منذ عام ١٩٠٧، وتحتوى على ٧٠ ألف عينة حشرية تمثل ٤ آلاف نوع من الحشرات.

كما أصدرت الجمعية أول عدد من مجلتها السنوية عام ١٩٠٨، وهى مجلة علمية تحتوى على البحوث الحديثة للباحثين فى مجال الفروع الأساسية لعلم الحشرات، وأصدرت مجلة أخرى خاصة بالحشرات الاقتصادية عام ١٩٦٣، وأنشئ بها متحف للطيور المحلية والمهاجرة، يضم نحو ٨ آلاف نوع، وتضم أيضاً مكتبة علمية متخصصة تحتوى على نحو ٣٣ ألف مجلد من الكتب والمراجع والدوريات العلمية.

وتتمثل موارد الجمعية المالية فى اشتراكات الأعضاء الذى تقلص عددهم من 1200 عضو إلى 630 عضواً، وقيمة الاشتراك عشرة جنيهات، إضافة إلى الإيجار الذى تتحصل عليه من تأجير الطابق الأول لأكاديمية السادات، حيث إنه لما أراد الرئيس الراحل أنور السادات اختيار مكان مناسب للأكاديمية يليق باسمه، لم يجد سوى جمعية علم الحشرات، ولكن الأكاديمية حصلت على الدور الأرضى فقط.

 

«الاقتصاد السياسى والتشريع».. فى انتظار الإنقاذ

الكثير منا يمر أمام مقر جمعية «الاقتصاد السياسى والتشريع» بشارع رمسيس، وقد لا يلاحظ أنه يسير بجانب أحد أعرق وأقدم الجمعيات العلمية فى مصر والعالم أيضاً، تاريخها يمتد إلى أكثر من مائة عام، يتولى رئاستها دائماً أحد الشخصيات العامة المرموقة فى البلاد، بقرار جمهورى مدى الحياة ولا يمكن إقالته، الملك فؤاد كان أول رئيس لها، إنها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع.

7500 كتاب من المراجع الثمينة للباحثين تضمها مكتبة الجمعية حالياً، بعد أن كان 1500 كتاب عام 1925 و4000 كتاب عام 1935، وأهم هذه المراجع فهرس «bibliographie» الجامع لما كتب عن مصر الحديثة من 1798 إلى 1916 فى الشؤون الاقتصادية والقانونية والاجتماعية.

وشهد عام 1909، إنشاء هذه الجمعية بأمر من الأمير أحمد فؤاد –الذى أصبح الملك فؤاد فيما بعد- فى 8 أبريل 1909 باسم الجمعية الخديوية، وكان مقرها فى الطابق العلوى من المبنى الحالى للجامعة الأمريكية فى ميدان التحرير، على أن يكون غرضها دراسة مسائل الاقتصاد والتشريع والإحصاء، علماً وعملا، ونشر تلك الثقافة الخاصة بين أعضائها والجمهور.

ويعتبر الأمير أحمد فؤاد هو أول من ترأس الجمعية، لكنه لم يستمر طويلاً، لتوليه الحكم سنة 1917، ثم تولى الجمعية القاضيان «مسيو بيولا كازيللى ومسيو بيتر» حتى 1937، ثم الدكتور عبدالحميد بدوى، وتوالى على رئاستها العديد من الشخصيات المهمة كان آخرهم الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الأسبق والذى لا يزال رئيساً لها حتى الآن.

الجمعية ساهمت فى إعادة هيكلة الاقتصاد وتطوره على النحو الذى يحقق الغايات والطموحات، كما أثرت الحركة التشريعية بهدف تحقيق التنمية، فبعد الحرب العالمية الأولى اهتمت الجمعية بتعديل القانون الجنائى ونظام المحاكم المختلطة كما اهتمت بشؤون النظام الجمركى وعملت على رفع مستويات المعيشة والإنتاج، كما اهتمت بعد الحرب العالمية الثانية بمشكلة التنمية الاقتصادية والنهوض بالصناعة لكى تتلاءم مع حاجات البلاد ومواردها.

وبعد انتهاء الاحتلال البريطانى لمصر واندحار النفوذ الأجنبى تفاعلت الجمعية مع جميع التحولات الاقتصادية ومن أهمها تمصير الاقتصاد الأجنبى، ثم جاء التدخل المباشر للدولة فى النظام الاقتصادى وما استتبعه من قيام قطاع عام مسيطر يقود التنمية، وأعقب ذلك انفتاح الاقتصاد المصرى على القطاع الخاص، وجاء بعد ذلك تحرير الاقتصاد والأخذ بنظام اقتصاديات السوق.

الدكتور محمد عبدالظاهر، سكرتير عام جمعية الاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، يكشف عن الأنشطة الرئيسية فى الجمعية حالياً، مشيراً إلى أنه تتمثل فى تنظيم مؤتمر اقتصادى سنوى وآخر قانونى، فضلاً عن الموسم الثقافى طوال العام بواقع محاضرتين شهرياً نستضيف خلالها مجموعة من كبار الشخصيات المتخصصة فى المجال الذى تتم مناقشته وحضور مسئولين من الوزارات المعنية.

وأضاف «عبدالظاهر» أن الجمعية تمتلك مكتبة علمية بها عدد كبير من الكتب والدراسات التى تفيد الباحثين والدارسين، وتصدر مجلة مُحكمة فصلية بعنوان «مصر المعاصرة» 4 مرات فى العام كل ثلاثة شهور.

وأشار سكرتير عام جمعية الاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، إلى أن الحكومة تستعين بجهود الجمعية ولكن بشكل غير مباشر، حيث إن الجمعية بعد انتهاء كل ندوة أو مؤتمر ترسل إلى الجهات المعنية من الوزارات التوصيات التى صدرت عن المؤتمر أو الندوة، ومن أبرز القضايا التى أرسلت الجمعية توصياتها كانت أثناء كتابة دستور البلاد فى 2014، حيث أرسلت الجمعية التوصيات إلى مجلس الوزراء ولجنة كتابة الدستور.

وعن موارد الجمعية المالية أوضح عبدالظاهر، أنها لا تتلقى أى دعم مالى من الحكومة ومواردها تتمثل فى اشتراكات الأعضاء التى لا تتجاوز 100 جنيه لكل عضو، حيث إن عدد المشتركين يبلغ نحو 5 آلاف عضو، ولكن النشطاء منهم لا يتجاوز 1500 عضو، بجانب رسوم نشر دراسات وأبحاث الباحثين والطباعة فى المكتبة، كما أن رواتب الموظفين تدفع أيضاً من أموال الاشتراكات.

وأضاف أن الحكومة دعمت الجمعية مرة واحدة فقط فى عام 2009 أثناء الاحتفال بمئويتها، حيث أعطى عدد من الوزارات الجمعية منحة مالية ووضعت فى أحد البنوك ويتم الصرف من عائدها حتى الآن ولكنها لا تكفى لإدارة الجمعية، ولذلك فنحن نحتاج إلى دعم مالى من جانب الحكومة حتى تزيد أنشطة الجمعية ونشترى كتباً ودوريات علمية حديثة تفيد الباحثين والدارسين، ولولا بروتوكولات التعاون التى عقدتها الجمعية مع مكتبة الإسكندرية وبعض المكتبات الأخرى لما استطاع الباحثون العثور على ما يحتاجونه من كتب ودراسات، ولذلك فنحن نحتاج بالإضافة للمكتبات المحلية أن نشترك مع المكتبات الدولية التى تتطلب أموالا كثيرة لا تملكها الجمعية حتى نستطيع تقديم خدمات جيدة للباحثين.

وقال: «الجمعية كانت مشتركة فى دوريات أجنبية كثيرة ولكن بعد ارتفاع سعر الدولار عقب تحرير أسعار الصرف فى نوفمبر 2016 أصبحت الجمعية لا تستطيع تجديد الاشتراك ما يؤثر سلباً على نشاطها ودراسات الباحثين».