نصر اكتوبر العظيم

امسك.. مدرس خصوصى

امسك.. مدرس خصوصى
الثلاثاء, 06 نوفمبر 2018 20:00
تحقيق - أمانى زايد:

مشروع قانون لتجريم الدروس الخصوصية.. والعقوبة الحبس والغرامة

تستنزف 26 مليار جنيه سنوياً من جيوب المصريين.. والعمال والموظفون الأكثر إنفاقاً عليها!

منذ أيام أعلنت وزارة التعليم عن إعدادها لمشروع قانون يجرم الدروس الخصوصية.. وأعلن طارق شوقى وزير التعليم عن مشروع قانون سيكون رادعاً لجميع المدرسين الذين يتعاطون الدروس الخصوصية ويهددهم بالحبس.

مشروع القانون تضمن فرض عقوبات مالية كبيرة والحبس للمراكز غير المصرح لها من الوزارة وإغلاقها، مع حبس المعلم حال ضبطه يعطى دروساً خصوصية بعيداً عن إشراف الوزارة، كما سيتضمن تغليظ عقوبة التعدى على المنشآت التعليمية والمعلمين أثناء تأدية عملهم، والتى قد تصل إلى السجن, فضلاً عن تعديل مادة بقانون التعليم الحالى لوضع مادة جديدة من شأنها رفع سقف العقوبات المنظمة للتعامل ما بين الطلاب والمعلمين، والتى ستصل للفصل فى حالة ثبوت المخالفة التى لا تليق بالمؤسسة التعليمية, ومعاقبة من يمارس المهنة بدون تصريح، ومن المنتظر أن يقدم مشروع القانون لمجلس النواب بعد موافقة مجلس الوزراء.

تشير البيانات إلى أن عدد المدارس فى مصر يبلغ 52 ألف مدرسة، منها 45 ألفاً و279 مدرسة حكومية، و7385 مدرسة خاصة، فى حين بلغ إجمالى عدد الفصول بالمدارس الحكومية 419 ألفاً، و900 فصل بمدارس الحكومة و62 ألفاً و700 فصل بالمدارس الخاصة، بينما يصل عدد الطلاب إلى 20 مليون طالب وطالبة، ويصل عدد المدرسين إلى مليون و600 ألف، وتلتهم الأجور والمرتبات الجزء الأكبر من ميزانية التعليم، حيث بلغت موازنة قطاع التعليم هذا العام 115.667 مليار جنيه، بينما تبلغ قيمة الأجور والرواتب ٦٨ ملياراً و٤٧٩ مليوناً و١٥٣ ألف جنيه.

الإحصائيات أكدت أن عدد مراكز الدروس الخصوصية يصل إلى 2250 مركزاً على مستوى الجمهورية، وتستنزف الدروس الخصوصية ما لا يقل عن 26 مليار جنيه سنوياً من جيوب أولياء الأمور.

وفى الأسبوع الماضى قامت وزارة التعليم بالتنسيق مع محافظة القاهرة بحملة مفاجئة على مراكز الدروس الخصوصية بمنطقة مصر الجديدة والتى نتج عنها إغلاق 4 مراكز للدروس الخصوصية، وتم العثور على كشوف تضم حوالى 590 طالباً، مقسمين على عدة فصول داخل المركز وتبين أن حصيلة المركز فى الساعة 4500 جنيه، إذ يبلغ سعر الحصة 50 جنيهاً ويختلف السعر على حسب المادة، ويضم المركز عدة فصول السعة الاستيعابية لكل فصل من 25 إلى 30 طالباً.

تشير الدراسات إلى أن الدروس الخصوصية تلتهم ما يزيد على ثلث الأموال التى تصرفها الأسر على تعليم أبنائها سنوياً بنسبة تصل إلى 39.4%، يليها مباشرة الإنفاق على المصروفات والرسوم الدراسية بنسبة تصل إلى 30.9%، والباقى على الملابس والشنط المدرسية والكتب والأدوات الكتابية، ومصاريف الانتقالات والمصاريف التعليمية الأخرى.

ويعد العمال والموظفون أكثر إنفاقاً على الدروس الخصوصية، فى حين أن أصحاب المهن العلمية ورجال التشريع وكبار المسئولين والمديرين، هم الفئتان الأقل إنفاق على الدروس الخصوصية بواقع 30.1% و31.7%.

كما تشير الدراسات إلى أن ما بين 61- 77% من طلاب المدارس فى السنوات الدراسية المختلفة يحصلون على دروس خصوصية، لعدم قدرتهم على تحصيل المعلومات داخل الفصول.

جولة ثالثة من المواجهة

«الرافعى» طاردها بالضبطية القضائية.. و«الهلالى» حاربها بمبادرة مجتمعية.. و«شوقى» يواجهها بسيف القانون

قبل تولى الدكتور طارق شوقى وزارة التعليم توافد على الوزارة العديد من الوزراء الذين سعوا بشتى الطرق للقضاء على الدروس الخصوصية، وإغلاق السناتر، فوضعوا الخطط وأصدروا القرارات للحد من تلك الظاهرة، إلا أن جميعها باءت بالفشل.

فخلال فترة تولى الدكتور الهلالى الشربينى، أكد وقتها أن ظاهرة الدروس الخصوصية من أكبر المشكلات التى تواجه الأسر المصرية، ليس فقط من الناحية الاقتصادية وإنما من الناحية الاجتماعية والنفسية، وأوضح أنها تقضى على روح الابتكار والإبداع لدى الطلاب وتخلق شخصية تعتمد على أسلوب الحفظ والتلقين، وأطلق مبادرة محافظات بلا دروس خصوصية وكانت تهدف إلى تحسين المستوى العلمى للطلاب فى جميع المواد الدراسية، وجعل المدرسة أكثر جذباً للطلاب.

وأعلن الوزير وقتها عن تبنى عدد من المحافظات للمبادرة منها بورسعيد، والبحيرة، والبحر الأحمر، والإسكندرية، وشمال سيناء، والدقهلية، والشرقية، وبنى سويف، والقليوبية، إلا أن تلك المبادرة لم يكتب لها النجاح.

وقبل ذلك حاول الدكتور محب الرافعى، الذى تولى الوزارة فى مارس 2015 الماضى والذى لم يستمر طويلاً فى مكانه، تطبيق ما يسمى بالضبطية القضائية والتى أكد أنها ستكون رأس الحربة التى تستخدمها الوزارة فى القضاء على الدروس الخصوصية، التى أصبحت آفة العملية التعليمية فى مصر، وأشار وقتها إلى أن مراكز الدروس الخصوصية أصبحت ظاهرة متوغلة فى ثقافة المجتمع وخرج وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور محب الرافعى ليؤكد أنه تم التعاون مع وزارة الداخلية والمحافظات لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية التى لا يخلو منها أى شارع والمنتشرة فى المحافظات.

كشف الرافعى عن الخطط التى ستنتهجها الوزارة لمواجهة الدروس الخصوصية، وتحسين العملية التعليمية فى المدارس، والتى كانت تعتمد على تنظيم محاضرات للصف الثالث الثانوى.

واختيار الطالب للمعلم الذى يدرس له، مما سيتيح التنافس الشريف بين المعلمين لتقديم أفضل خدمة تعليمية بالمدارس، إلا أن تلك الخطط لم تؤت ثمارها، بل على العكس ازدادت إعداد مراكز الدروس الخصوصية وانتشرت فى كل حدب وصوب، ولم تقتصر على طلاب الثانوية العامة فقط، بل فتحت أبوابها لطلاب المراحل الابتدائية أيضاً.

قبل بداية العام الدراسى، اشتعلت اسعار الدروس الخصوصية فى السناتر التى أصبحت الملجأ الوحيد لطلاب الثانوية العامة، والمراحل الدراسية الأخرى حيث يبدأ حجز المكان فى السناتر للعام الدراسى الجديد بعد انتهاء الامتحانات، وتختلف اسعار الحصص باختلاف المواد حيث تتراوح أسعار الحصص من 50 إلى 100 جنيه للحصة.

طالب أولياء الأمور من جانبهم بايجاد بدائل للدروس الخصوصية قبل محاربة القائمين عليها، فتقول علياء عبدالحميد إحدى أولياء الأمور: لابد من حل المشاكل التى تعانى منها المدارس قبل تطبيق أية قوانين، فالمدارس فى حالة تسيب وإهمال، وأصبحت الدروس الخصوصية هى الحل الوحيد أمامنا فى ظل ارتفاع كثافة الفصول، وغياب اهتمام المدرسين فى متابعة الطلاب فى المدارس، فالطالب لم يعد قادر على استيعاب ما يتم شرحه خلال الحصص، كما أن المدرس لم يعد قادراً على متابعة مستوى الطلاب وتقييمهم كما كان من قبل، بسبب تكدس أكثر من 60 طالباً فى الفصل الواحد، ولم تعد هناك امتحانات شهرية، لذا نلجأ للدروس الخصوصية لأنها البديل الوحيد أمامنا، وعلى الوزارة أن تضع البدائل أولاً.

ويشكو محمود عبدالوهاب من تكاليف الدروس الخصوصية التى أصبحت عبئاً عليه طوال العام قائلاً: لدىّ ابنة فى المرحلة الإعدادية وأخرى فى المرحلة الثانوية، وأصبحت الدروس هماً كبيراً يستنزف دخل الأسرة، فالطالب ليس أمامه سوى شهر واحد فى السنة ليستريح من المذاكرة، حيث تبدأ الدروس فى شهر يوليو وتظل حتى نهاية العام الدراسى، ومع الأسف اشتعلت أسعار الحصص فى السناتر، وأصبحت فوق طاقتنا.

ويقول أحمد رشاد موظف: لدى طفلان فى المدارس التجريبية أحدهما فى المرحلة الابتدائية والآخر فى المرحلة الإعدادية، ونظراً لعدم قدرتهما على متابعة دروسهما فى المدرسة اضطر لإعطائهما الدروس الخصوصية، فالمدرس يقوم بشرح ما يحتويه الكتاب المدرسى فقط ولا يمكنه حل أى أسئلة فى الفصل، وبذلك يصبح الطالب غير قادر على حل أى تطبيقات، ومن ناحية أخرى تعانى أغلب المدارس من عجز شديد فى المدرسين، مما يؤثر على مستوى تحصيل الطلاب وتأخرهما الدراسى، كما يحدث لدى أولياء الأمور حالة من التشتت بسبب عدم توافر كتب اللغات والمستوى الرفيع فى المدارس مما يضطرنا لشرائها من المكتبات بأسعار مرتفعة، ولا يتم حل ما بها من أنشطة إلا فى الدروس الخصوصية.

الخبراء: مطلوب معالجة سلبيات المنظومة التعليمية أولاً

 

خبراء التعليم أكدوا أن منظومة التعليم تحتاج لمزيد من الضوابط قبل البدء فى تطبيق قانون يجرم ظاهرة الدروس الخصوصية، الدكتورة ماجدة نصر عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، ترى أنه من الأفضل تأجيل مشروع القانون لحين الانتهاء من معالجة السلبيات التى تعانى منها المنظومة التعليمية، فحتى الآن لا يوجد انضباط بالعملية التعليمية، فلابد من إلزام المدرس بتأدية واجبه أولاً، وأن تكون هناك رقابة على كافة المدرسين داخل المدرسة، والبدء فى حل المشاكل التى تعانى منها المنظومة وأهمها ارتفاع كثافة الطلاب داخل الفصول، وعدم ثقة أولياء الامور فى مجموعات التقوية، وعدم انتظام المدرسين بالحضور، والاعتماد على التلقين بدلاً من الفهم، هذا فضلاً عن عدم وجود رقابة جادة، فأغلب السناتر يتم فتحها بعد غلقها من قبل المسئولين، لذا يجب البحث عن بدائل قبل تطبيق مشروع القانون ويجب ألا نقوم بإعداد قوانين ثم نجد صعوبة فى تنفيذها، وترفض الدكتورة ماجدة عقوبة حبس المدرسين لأن ذلك يخالف القواعد والقوانين فلا يجب أن يعاقب المعلم كالمحتال والنصاب، ومن حيث المبدأ من الأفضل أن تقتصر العقوبة على الغرامة المالية والفصل من الوظيفة، فالعقوبة يجب أن تطبق على كل من يمارس مهنة التدريس بلا تصريح، وتطالب بضرورة تدخل المجتمع المدنى لإيجاد حلول للأزمات التى تعانى منها المنظومة التعليمية، والقضاء على كثافة الفصول من خلال المساهمة فى بناء المدارس والتبرع بتجهيز الفصول، حتى يتسنى لنا القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية.

ومن جانبه يرى أيمن البيلى الناشط فى مجال التعليم، أن لابد من وجود قانون يجرم الدروس لأنها تستنزف 26 مليار جنيه سنوياً من دخل الأسر المصرية، فهى جريمة ترتكب داخل المجتمع نتيجة لغياب دور الوزارة فى تطوير المناهج وتحسين أوضاع المدرسين، فقد ظهرت تلك الظاهرة منذ أكثر من 30 عاماً واستمرت حتى الآن، وذلك بسب السياسات الاقتصادية فى التعليم، وتراجع دعم التعليم من قبل المسئولين، وإهمال المدارس، وعدم الاهتمام بجعلها بيئة جاذبة للتلاميذ، مما أدى لعدم وجود بدائل أمام أولياء الأمور سوى الدروس الخصوصية، كما أن المناهج التى وضعتها الوزارة منذ سنوات كانت تعتمد على الحفظ والتلقين وساهمت الدولة فى دعم الظاهرة عن طريق منح التراخيص وتم تحصيل ضرائب من المدرسين، مما شجعهم على التمادى فى إعطاء الدروس، ومن ناحية أخرى ساعدت منظومة الأجور التى لا تتلائم مع الأسعار فى انتشار الدروس، ويقول: الآن أصبح من الممكن القضاء على الدروس الخصوصية من خلال مشروع قانون تجريم الظاهرة الذى أعلنت عنه الوزارة، لكن الأمر يحتاج لتحسين منظومة الأجور أولاً وإدخال التكنولوجيا حتى يتحول المعلم إلى وسيط تعليمى، وحتى يتسنى للطالب جمع المعلومات بطرق متعددة.