نصر اكتوبر العظيم

الفساد.. معركة على 36 جبهة

الفساد.. معركة على 36 جبهة
الثلاثاء, 10 يوليو 2018 20:01

تحقيق - إسلام أبوخطوة:

 

فى كل عملية ضبط لفاسد، نجد الرقابة الإدارية حاضرة وبقوة، فدائماً ما تكون هى بطل عمليات كشف المفسدين، فهى التى راقبت الواقعة وهى التى ضبطت الفاسدين، وهى التى قدمتهم للمحاكمة.. ومن هنا يثور السؤال: هل الرقابة الإدارية هى الجهاز الرقابى الوحيد فى مصر؟.. الإجابة طبعاً بالنفى، ففى مصر 36 جهازاً رقابياً، كلها تخوض معركة ضد الفساد والمفسدين.

 

أول هذه الأجهزة وأشهرها على الإطلاق هو الجهاز المركزى للمحاسبات، والذى يعد المسئول الأول عن الرقابة على أموال الدولة ومراقبة إنفاق الموازنة العامة والموازنات المستقلة، ومراقبة أموال الجهات التى يحددها القانون.

والمركزى للمحاسبات هو جهاز رقابى مستقل حيث يعين رئيس الجهاز بقرار من رئيس الجمهورية لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة، ولا يجوز إعفاؤه من منصبه ويكون قبول استقالته بقرار من رئيس الجمهورية.

والهيكل التنظيمى للجهاز يضم 27 إدارة مركزية على رأس كل منها وكيل للجهاز، و36 إدارة مراقبة حسابات على رأس كل منها مدير من فئة وكيل أول.

ويُشكل الجهاز من رئيس ونائبين ووكلاء الجهاز وأعضاء فنيين، أما مكتب الجهاز فيُشكل من رئيس الجهاز ونائبيه وأقدم الوكلاء ويجتمع بدعوى من رئيسه وبحضوره وتصدر قراراته بأغلبية الحاضرين وإذا تساوت الأصوات يرجح الجانب الذى فيه الرئيس.

منذ عام 1964، انتقلت مهام الجهاز إلى ممارسة أنواع جديدة من الرقابة ما بين المالية بشقيها المحاسبى والقانونى والرقابة على الأداء ومتابعة تنفيذ الخطة إلى الرقابة القانونية على القرارات الصادرة فى شأن المخالفات المالية، ويندرج تحت كل شق من الثلاثة العديد من الاختصاصات الفرعية.

 

قائمة طويلة

النيابة الإدارية.. جهاز رقابى آخر يتولى فحص الشكاوى الموكل إليها من الرؤساء المختصين والجهات الرسمية، بشأن الإهمال والتقصير فى العمل، كما تختص بإجراء التحقيقات اللازمة فى المخالفات الإدارية والمالية من خلال الاطلاع على المستندات واستدعاء الشهود وسماع أقوالهم، والإذن بتفتيش أشخاص ومنازل الموظفين المتهمين فى مخالفات مالية وإدارية، ووقف الموظفين عن العمل، وتوقيع الجزاء التأديبى المناسب للواقعة التى ارتكبها الموظف.

أما مباحث الأموال العامة ثالث الأجهزة الرقابية فتختص بمواجهة جرائم الأموال العامة، وتستهدف مكافحة الفساد وتعمل على مواجهة الجرائم التى تمثل عدواناً على اقتصاد البلاد، كما أنها تتلقى بلاغات المواطنين الخاصة بوقائع الرشوة والفساد.

فيما تختص الرقابة على المصنفات الفنية والسمعية والبصرية بمنح تراخيص تصوير المصنفات المشار إليها أو تسجيلها أو أدائها أو عرضها أو إذاعتها فى مكان عام أو توزيعها أو تأجيرها أو تداولها أو بيعها أو عرضها للبيع أو تحويلها بقصد الاستغلال، وتحظر المصنفات التعريض بالأديان السماوية وتصوير أو عرض أعمال الرذيلة أو تعاطى المخدرات.

وتشرف هيئة الرقابة المالية على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية، كما تحد من مخاطر عدم التنسيق والتوصل للحلول فى الإشكاليات التى تنجم عن اختلاف الأطراف الرقابية، وذلك طبقاً للقانون الخاص بها رقم 10 لسنة 2009.

وتتولى الرقابة على المطبوعات إرسال الإنذار إلى المسئولين عن إصدار المطبوعات الدورية، وتوقف نشر الكتب ومصادرتها، وإلغاء الحجز الإدارى للمطبوعات من تلقاء نفسها ودون أمر من السلطة القضائية إذا رأت فيها أموراً مضرة بالمصلحة العامة أو انتهاكها نصاً من نصوص القانون.

ومن بين الأجهزة الرقابية الأخرى هيئة الرقابة والبحوث الدوائية، وهى الهيئة الوحيدة فى مصر للرقابة على الأدوية والمسئولة عن فساد الأدوية ونقص مادته الفعالة أو عدم فاعلية الدواء أو تصنيع دواء غير صالح أو استيراده من الخارج.

فيما تقوم مصلحة الرقابة الصناعية بمهمة التفتيش الدورى والمستمر على نظم الجودة بالوحدات الإنتاجية وتقديم المشورة الفنية اللازمة لإجراء أية تعديلات مطلوبة ولازمة على النظم الموجودة والتفتيش على المراحل المختلفة وحتى مرحلة المنتج النهائى مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المنتج غير المطابق.

أما الهيئة العامة للرقابة على الصادرات فهى هيئة خدمية تعمل على حماية المستهلك من خلال فحص الصادرات والواردات بأحدث الأساليب والتجهيزات العلمية، وكذلك إعداد الإحصائيات عن الصادرات والواردات السلعية.

 

صعوبات

وحسب الخبراء فإن هناك أكثر من خمس معوقات تقف أمام الجهات الرقابية فى مواجهة الفاسدين، وهو ما جعل عدداً منها تكتفى بكتابة التقارير فقط دول إحالتها للجهات القضائية، أبرز هذه التحديات الحصانة التى يتمتع بها المحافظون والوزراء، والتى تصعب على الجهات الرقابية محاكمتهم جنائياً.

فمنذ عام 1958 لم يصدر قانون لمحاكمة الوزراء جنائياً، وحتى الآن لم يحاكم وزير فى مصر سياسياً منذ ثورة 1952، رغم أن البرلمان يمتلك هذا الحق.

وأيضاً من أجل قيام الأجهزة الرقابية بضبط الفاسد لابد من الحصول على إذن مسبق سواء من رئيس الحكومة أو الوزير المختص أو رئيس الجهة التى شهدت الواقعة، فينص قانون الرقابة الإدارية الحالى رقم 54 لسنة 1964 فى مادته الثامنة على أنه لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية فى قضايا الفساد ضد مديرى العموم أو ضد كل من يصل راتبه إلى 1500 جنيه إلا بعد موافقة رئيس الوزراء.

وطبقاً لهذا القانون فإن محاسبة موظف راتبه الشهرى 1200 جنيه، يستلزم موافقة رئيس الوزراء!

لا يختلف الأمر كثيراً مع المخالفات التى تحدث فى الجهاز المصرفى، والتى لا تحال للمحاكمة الجنائية إلا بعد موافقة رئيس الحكومة أو الوزير المختص أو رئيس البنك المركزى، وذلك طبقاً لقانون البنك المركزى والجهاز المصرفى رقم 88 لسنة 2003.

الأمر نفسه مع قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 الذى تشير مادته 53 على أنه لا يمكن لجهاز المحاسبات اتخاذ إجراءات جنائية ضد أى فاسد فى شركة من شركات القطاع العام إلا بعد موافقة رئيس الوزراء أو الوزير المختص أو رئيس الشركة القابضة التابع لها الشركة التى شهدت واقعة فساد، كما تنص المادة 3 من قانون النيابة الإدارية رقم 117 لسنة 1958 على أنه لا يجوز اتخاذ إجراء ضد الموظف الكبير إلا بعد استصدار إذن من الوزير أو الرئيس الأعلى الذى يتبعه الموظف الكبير.

كما يعد قانون سرية الحسابات رقم 205 لسنة 1990، أحد المعوقات التى منعت الأجهزة الرقابية من القيام بدورها، ففى المادة الأولى نجد شرط الإذن الكتابى من صاحب الحساب ضرورة فى الاطلاع على الحسابات البنكية، ويسرى هذا الحذر على جميع الجهات والأشخاص بما فيها الجهات التى يخولها القانون سلطة الاطلاع أو الحصول على البيانات.

كما يعد التأخير فى إجراءات التحقيق، من ضمن الأسباب التى تعوق عمل الأجهزة الرقابية، فإن الوقت المستغرق للتحقيق يستمر لمدد تتراوح بين 3 و4 سنوات، وأحياناً يتم ركن تقارير الأجهزة الرقابية فى الأدراج للأبد، وحال تفعيل هذه التقارير، فإن التحقيق فيها يحتاج لعدة سنوات أخرى، ما يسهل على المتهم البحث عن سبل الهرب.

دائرة طويلة تتخذها القضية لإنهائها فيقوم الوزير أو المحافظ بإحالة القضية إلى الشئون القانونية بالوزارة أو المحافظة لاتخاذ اللازم، وبدورها تحيلها الشئون القانونية للنيابة الإدارية لاتخاذ اللازم، وتبدأ النيابة الإدارية فى التحقيق فى الشق الإدارى للمخالفة، وبعد أن تحقق فى الشق الإدارى تحيل الواقعة للنيابة العامة للتحقيق فى الشق الجنائى.

وبعد تحقيقات النيابة تتم إحالة الواقعة للمحكمة المختصة لمحاكمة المتهمين، وفى الغالب تحيل المحكمة القضية للخبراء للبت فيها، وبعدها تصدر المحكمة حكمها.

ومن ضمن الأسباب التى تعوق عمل الجهات الرقابية، تكرار العمل الواحد من أكثر من جهاز رقابى، ففى أوقات كثيرة يكون هناك تشابه بين تقارير الأجهزة الرقابية الصادرة حول واقعة واحدة، وفى بعض الأحيان تكون تلك التقارير متضاربة، وهذا الاختلاف فى التقارير الرقابية يستغله المتورطون فى الفساد، لكى يحصلوا على البراءة إذا ما تمت إحالتهم للمحاكمة، خاصة وأن جهات التحقيق تفسر هذا الاختلاف بأنه فى صالح المتهم وبالتالى يحصل فى النهاية على البراءة.

 

خطر التعدد

وأكدت دراسة علمية أجراها مركز العقد الاجتماعى بعنوان «الإطار القانونى والمؤسسى لمكافحة الفساد الإدارى فى مصر» أن تعدد الأجهزة الرقابية فى مصر وتداخل اختصاصاتها يحد من قوتها فى مواجهة الفساد الإدارى.

وأشارت الدراسة التى أعدها حسين محمود، أخصائى أول فريق الحوكمة ومكافحة الفساد بالمركز إلى أن تعدد الأجهزة وتداخل اختصاصاتها يعد إهداراً للوقت والمال العام، فضلاً عن افتقار بعض أعضاء الأجهزة الرقابية إلى الحصانات الكافية للقيام بدورهم الرقابى.

وأكدت الدراسة أن الأجهزة الرقابية تتعامل مع الجهات التى تقوم بالرقابة عليها دون تنسيق، وأن الموظفين يكادون يتفرغون لإعداد البيانات والإحصائيات اللازمة لتلك للأجهزة الرقابية منصرفين عن الدور الأساسى فى زيادة الإنتاج، كما نوهت الدراسة إلى أن انتشار الفساد يرجع إلى عدم مراعاة بعض الأجهزة الرقابية للإجراءات الجنائية، مما يخلق ثغرات ينفذ منها المتهم من العقوبة، وانتقدت الدراسة طول الفترة الزمنية التى يستغرقها التحقيق والمحاكمة فى جرائم الفساد الإدارى، مما يضعف من قوة الردع، ويحدث كثيراً أن يهرب البعض إلى الخارج قبل المحاكمة.

 

ضربات الأجهزة الرقابية فى أرقام

14 ضربة استباقية هى محصلة بطولة الرقابة الإدارية فى شهر يونيو الماضى، ومنذ بداية العام الحالى استعادت ما يقرب من مليار و408 ملايين و113 ألف جنيه، كما وجهت النيابة الإدارية ما يقرب من 12 ضربة قوية للفساد أبرزها إحالة طبيبة نساء وتوليد للمحاكمة العاجلة لتسببها فى وفاة مريضة أثناء إجراء عملية توليد لها بالعيادة الخاصة بها وغير المرخصة أو مجهزة لاستقبال مثل تلك الحالات، كما أحالت النيابة الإدارية مدير مبيعات بشركة مصر للبترول للمحاكمة.

كما حققت إدارة مباحث الأموال العامة عدة نجاحات مهمة، منها: القبض على 11 متهماً لقيامهم بالاتجار غير المشروع فى النقد الأجنبى من خلال التحويلات المالية غير المشروعة، بمبالغ قدرها «220 ألف دولار أمريكى، مليونا ريال سعودى، 10 ملايين و92 ألفاً و500 جنيه مصرى».

كما ضبطت أجهزة الأمن 11 متهماً لتلقيهم مبالغ مالية بقصد توظيفها وتهريبها من الرسوم الجمركية المستحقة بمبالغ مالية قدرها «24 مليون جنيه مصرى، 115 ألف يورو، 950 دولاراً أمريكياً»، وتم ضبط 25 متهماً لقيامهم بارتكاب جرائم «تزوير محررات رسمية، تقليد عملات وطنية، نصب».

كما تم ضبط 25 متهماً لقيامهم بارتكاب جرائم «الرشوة، استغلال النفوذ، فساد المحليات»، و10 متهمين لاختلاسهم وإضرارهم العمدى بأموال جهة عملهم بمبلغ 284 ألف جنيه مصرى، وضبط 4 متهمين لاستيلائهم على مبلغ مليون و850 ألف جنيه، قروضاً من البنوك بموجب مستندات مزورة.

وتم حصر ممتلكات 4 متهمين، لقيامهم بغسل الأموال حصيلة أنشطتهم الإجرامية من خلال عدة أساليب بهدف إخفاء وتمويه طبيعته، إذ قدرت أفعال الغسل من متحصلات جرائمهم مبلغ 10 ملايين و500 ألف جنيه، وحصر ممتلكات 3 متهمين لقيام كل منهم باستغلال موقعه الوظيفى فى تكوين ثروة لا تتناسب مع مصادر دخلهم المشروعة، حيث قدرت ثرواتهم بمبلغ 34 مليون جنيه.