من الإدمان إلى التعافي.. شاب يعود للحياة بعد 10 سنوات ويحلم بالرجوع لأسرته

من الإدمان إلى التعافي.. شاب يعود للحياة بعد 10 سنوات ويحلم بالرجوع لأسرته
الأربعاء, 16 يناير 2019 13:34
كتبت: رغدة خالد – تصوير: دينا الباسوسي

مع وقع دوي الزهر يتردد بين زوايا لعبة الطاولة معلنًا عن افتتاح دور جديد من اللعب تتحرك الأقراص السوداء بـ"هاب يك" فتتأرجح ذكريات أكثر من 10 سنوات مضت بين حنايا ذهن شاب ثلاثيني يجلس إلى طاولة صغيرة مواجهًا زميله وخصمه الذي يكيل له الضربات بينما يشرد بعيدًا مستعيد أطوار حياته الماضية بين الهزيمة والفوز على الشبح الأسود،"الأدمان"، الذي التهم صباه وكاد يودي بسني عمره، في معركة ضارية كبدته الكثير من الآلم والندم كان لـ "أحمد يحيى" الكلمة الأخيرة فيها.

داخل فيلا محفوفة بالأشجار والزهور تحرسها الكلاب البوليسية تقبع بقلب مدينة الشروق يقضي "يحيى" المتعافي من الإدمان أغلب وقته منشغلًا بإدارة حسابات مصحة تحمل اسم المدينة نفسها، تحتضن بين أرجائها العشرات من أقرانه بمختلف الأعمار ممن يخوضون حربًا مستعرة على الوحش الذي نشب أنيابه بأجسامهم وتغلغل بسمومه في دمائهم، ينعم قلبه بالدفء وسط رحابة المنزل الذي حرم منه قبل 4 سنوات بعد أن أبلى الإدمان آخر حبال الوصل بينه وأسرته فأضحى شريدًا يتخذ من المكان مآوى وملجًأ.

حرب الكر والفر.. مر " يحيى" برحلة فريدة مع الإدمان بدأت مع نهاية سنوات المراهقة وامتدت إلي أواسط الثلاثينات يفتح صندوق الذكريات بروية ويقلب بين صفحات السنين الرمادية مسترجعًا ذكرى أول سيجارة "حشيش" تناولها خلال رحلة صيف لوح بها معلنًا عن تمرده وبداية منحدر دفعه إلى الهاوية، حاملًا هاتفه بين يده يستدعي صوره القديمة شواهد من الماضي، هالات تغزو أسفل عينيه وشحوب يزحف على ملامحه العشرينية البريئة التي تعلوها عينين تشييان بفطنة ماكرة.

 

الدنيا طوع يد "أحمد" وملك يمناه:

كالخيل الجامح شب "أحمد" على التمرد ومقت القيود وبين وسائد ريش النعام نعم برغد العيش، لم يذق مرارة الحرمان في أسرة متيسرة مزقها الإدمان وألقى بأشلائها على قارعة الطريق، كان أول ضحاياها والدته التي صفعتها الحقيقة فتملكتها موجات غضب كان يسكنها هو بفيضان من الأكاذيب أجاد حياكتها ببراعة تحت سطوة التعاطي الذي ملك زمام أمره مع الأيام فرفع يده مستسلمًا لسيده الجديد "المزاج" الأمر الناهي في حياته والقلم الذي خط باللون الأسود الكاحل سنوات حياته.

 

سباق مع الزمن للسقوط في الهاوية:

بين شتى ألوان الأقراص المخدرة والمنومة والمنشطات مارس الإدمان سحره علي "أحمد" وألف عليه تعاويذه وبعد أن كان يسير بوتيرة بطيئة نحو الهاوية بينما يتنقل بين أشهر المصارف محاسبًا يتدرج على سلم الترقيات يستخفى في الظل ليمد جسده بالمخدرات، موهومًا بقدرتها على تجاوز التوتر والهروب من وطأة المسؤوليات لعالم من النشوة والمتعة انزلق إلى النهاية بظهور "البودرة" في طريقه ليخسر رهان "السيطرة" ويتبارى على جمع السموم مخلوطة من كل نوع وحالة في مزيج كيميائي "يشده" إلي حالة من اللاوعي يسري خلالها الخدر بين خلايا ذهنه ويزجي عقله بأبرع الخطط الشيطانية للحصول على المال فلم تكن السرقة من والديه آخر ما اقترفته يداه المخدرتين فالسم أيقظ "عفاريته" ليستولي على كل ماتطوله يداه من متعلقات والديه وشقيقتيه انتهت بآخر قطع من مصوغاتهن وحتى المؤنة الغذائية للمنزل لم تسلم منه.

 

على أعتاب المصحة..مرفأ الأمان ونور يقود إلى حياة جديدة: 

 

يدخل في حالة من الاسترخاء بعد جرعة من "سطرين" يسكن على وقعها صوت ضميره، فكل شئ "تحت السيطرة" لاينقصه سوى أن يقرر الإقلاع ليستجيب جسده كما خدر الجميع بذلك، تسرع وتيرة إنزلاقه للقاع "عندما تكون في القاع لايوجد لديك طريق سوى لأعلى" هدأ صخب كل شئ مع انهزام محاولات والدته وشقيقاته فدوت صفارة الحكم لتعلن النهاية لم يبقى سوى السبيل الأخير "مصحة لعلاج الإدمان" 4 رجال يقيدونه من كل جانب يحبطون أي بادرة لمقاومة  بينما يتعالى صوت والدته "روح معاهم من سكات".

من الدار للنار اختبر "يحيى" اسوأ لياليه منذ سنوات فشلت خلالها حتى الأدوية المسكنة في تهدئه نداءات جسده للمخدر قبل أن تبدأ المرحلة التالية بفيلا الشروق، وعلى دوي اصطكاك الكراسي تشكل دائرة يشد أفرادها على أيدي أحدهما الآخر يطلق الجميع مكنون صدورهم بالحديث عن الخطوة التي نجح كل منهم في الوصول إليها من برنامج الـ 12 خطوة "NA" الذي روض عنفوانه بنظامه الصارم وهدأ على وقعها أزيزعقله حيث ينهل "يحيي" من بحر خبرات مشرفه "أحمد بنداري" الذي سبقه بفارق بسيط في رحلة التعافي من المرض لكنها لحظات قاسية كفيلة أن تشحذه بالخبرات وتربط على قلبه لتعيد الطمأنينة المفقودة.

"يارب ساعدني أفضل مبطل":

 

"اللهي امنحني السكينة لأتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها..والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها..والحكمة لمعرفة الفرق بينهما".."يارب ساعدني" يقف أحمد ليلتقط أنفاسه بعد معركة تكفي لحياة واحدة، كابوس راوده ليلًا انتكس فيه وعاد إلى "سكة الهلاك" وبينما تدق الساعة العاشرة يستعد لنفض آثار النوم والنزول لتناول الإفطار الجماعي قبل البدء بالتأمل وحضور اجتماع مابعد الظهيرة لمناقشة الصفحة المطالب بقراءتها من كتاب "زمالة المدمنين المجهولين..من ماذا كيف ولماذا" إصدار مترجم للنسخة الأمريكية المنشورة عام 2004، يشارك باعترافات لاتزال موصدة بقفل الذكريات يسري عليها ميثاق سرية المجموعة "اللي نشوفه هنا، ويتقال هنا، يفضل هنا".

نحو المستقبل.. يبدأ دور جديد في لعبة الحياة:

 

يغالب "يحيى" الحنين لمنزله وحضن والدته وحكاوي شقيقاته التي انقطت منذ سنوات، وفيما يواصل بناء مستقبله بيد يتلمس بالأخرى طريقًا للعودة إلى المكان الذي يحفظ موقعه عن ظهر قلب ولايحمل الجرأة لطرق بابه، يضنيه الشوق وتزوره وخزات الضمير ليلًا فيطلق زفراتها في منشورات على "جروب" عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تطوي نداءات خفية لأهله عسى أن يجد بين صدورهم منفذًا للمغفرة وبشرى ترده إلى البيت ليبدأ دورة لعب جديد على طاولة الحياة.