اللواء حسام سويلم يكتب: سد النهضة لن يؤثر على حصتنا فى مياه النيل (2/2)

اللواء حسام سويلم يكتب: سد النهضة لن يؤثر على حصتنا فى مياه النيل (2/2)
الأربعاء, 08 أبريل 2020 21:01

تركيا وقطر تلعبان دوراً مشبوهاً لتعطيش أم الدنيا وضرب اقتصادها

إثيوبيا أحرجت أمريكا.. واللوبى اليهودى ينحاز لهم لحسابات إسرائيلية قديمة وحديثة

الدبلوماسية المصرية تحملت تقلبات السياسة الإثيوبية وتجنبت أى أزمة بين البلدين

الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان استخدام أديس أبابا كقاعدة للسيطرة على المنظومة الإقليمية

 

شكل موقف السودان الأخير من قضية سد النهضة، حين امتنع عن التوقيع على الاتفاق فى واشنطن، وتحفظ على بيان وزراء الخارجية العرب فى دعم ومساندة مصر فى موقفها من قضية سد النهضة، صدمة أمام الجميع ليس فى مصر فقط، بل وفى كثير من الدول العربية، ربما باستثناء قطر المعروف عداؤها لمصر، فلا شك أن موقف السودان هذا قد أضر كثيراً بالموقف المصرى، بل إنه وضع القضية كلها فى موقف لا تحسد عليه، مما أثار غضب كثير من المصريين الذى اعتقدوا طويلاً فى أن العلاقة بين البلدين ترتفع فوق مستوى الدول الصديقة إلى مستوى الدولتين الشقيقتين، فكثيراً عبر التاريخ وحتى اليوم، وهو ما تشهد به أحداثه وحتى الأمس القريب واليوم، أن مصر فضلت السودان على نفسها فى كثير من المواقف والأزمات التى تعرض لها السودان، وهو ما عمق الشعور لدى المصريين بأنهم تلقوا فى ظهرهم «طعناً بخنجر» من دولة السودان التى كانوا يظنون أنها بمثابة الأخ الشقيق.

وإذا كنا توقفنا كثيرا عند موقف السودان أيام الرئيس السودانى السابق البشير بحكم انتمائه الإخوانى الإرهابى ضد مصر، فماذا نقول فى موقف السودان الآن؟!.. فهل يقتصر موقف السودان الآن على منافع وفى مقدمتها الكهرباء، وإمكانية حماية أراضيه من الغرق تحت مياه الفيضان، فى حين أن السودان ليس دولة مصب، بل دولة معبر، لأن النيل بعد أن يعبر أرض السودان يواصل طريقه إلى مصر ليصب فيها، كما أنه ليس بحاجة إلى مياه النيل الأزرق، إذ به العديد من الأنهار مثل إثيوبيا أيضاً، لكن الموقف السياسى، والتنافس التاريخى بين مصر وإثيوبيا، اتضح أنه لحد كبير يحرك الأمور فى العلاقات القديمة والحديثة مع إثيوبيا.

وقد جاءت تصريحات عدد من المسئولين السودانيين لتزيد من خيبة أمل المصريين فى الموقف السودانى، وهو ما انعكس فى تلميحات وتلقيحات ضد مصر، فهى تقول: إن إثيوبيا هى الصديق الحقيقى، وكأن مصر ليست صديقاً ولا شقيقاً للسودان! كما أثار موقف السفير السودانى فى إثيوبيا كثيراً من الاستغراب، عندما تحدث عن دور إثيوبى فى التحول السودانى الحالى، وينكر دور مصر نحو تثبيت الدولة السودانية، وعبور الأزمة، وزاد السفير قائلاً: إن السودان ممتنة لدعم إثيوبيا الحقيقى، وكأن دعم مصر كان دعماً وهمياً. كما صرح الأمين العام لهيئة الطاقة والتعدين والكهرباء والتنظيم السودانية - تيجانى آدم - منتقداً سياسة مصر فى تدويل الأزمة، قائلاً: إن تدويل قضية سد النهضة لا يمكن أن يوقف المشروع، ولا يزيد ذلك إلا تعقيد الأمور وتأخير الحلول المتوقعة. وأضاف: أنا ضد تدويل هذا الملف، وزعم تيجانى بأن لأديس أبابا الحق الكامل فى استغلال مواردها الطبيعية وبناء سدها، مضيفاً: أن أصل النهر من إثيوبيا، فدع شعب إثيوبيا يأخذ احتياجاته، ثم يذهب الباقى إلى السودان، والباقى يذهب إلى مصر!

ولا يصدق أحد أن موقف السودان من ملف سد النهضة يرجع إلى مجرد وعد من إثيوبيا بمد الخرطوم بالكهرباء التى سيتم توليدها من السد، فالموضوع أكبر من ذلك، ففى بداية شهر فبراير الماضى استقبل د. عبدالله حمدوك رئيس السودان وفداً أمريكياً برئاسة مارشال «بلينجسلى» مساعد وزير الخزانة الأمريكى، وهو نفسه الذى يمثل بلاده فى مفاوضات سد النهضة منذ انتقالها إلى واشنطن. فقد جاء الوفد الأمريكى ليبلغ «حمدوك» بأن رفع السودان من قائمة الإرهاب مسألة وقت، وهذه فى حد ذاتها مسألة محيرة لأن الوزارة المعنية بقائمة الإرهاب أمريكياً هى وزارة الخارجية لا الخزانة، وأن مساعد وزارة الخارجية كان قبل أسابيع قد وصف موضوع رفع السودان من قائمة الإرهاب بأنه طويل ومعقد وليس سهلاً، هكذا قال عندما سألوه فى القضية، فبدا أى شىء يومها أقرب إلى الحكومة السودانية، إلا أن يكون هذا الشىء هو رفع السودان من هذه القائمة.. فإذا بالشىء ذاته مسألة وقت لا أكثر!.. وبالتزامن مع زيارة وفد وزارة الخزانة، نقلت وكالة الأنباء السودانية «سونا» عن «ألبوت إنجل» رئيس لجنة الشئون الخارجية فى الكونجرس الأمريكى، أنه تقدم بمشروع قانون إلى الكونجرس لدعم البرامج التنموية التى تتبناها الحكومة السودانية الحالية!.. وإذا كانت مصر، ولا تزال، ليست ضد دعم السودان بكل ما هو ممكن، ولكن عندما يتوازى هذا الدعم الأمريكى المفاجئ مع موقف سودانى مفاجئ أيضاً، ومعاكس فى ملف سد النهضة، فلابد أن يثير الانتباه والتساؤل.. فإذا عرفنا أنه ليس دعماً مفاجئاً على مستوى أمريكا وحدها، إنما على مستوى أوروبا أيضاً، ومن خلال زيارة للرئيس الألمانى إلى محطة كهرباء الخرطوم، وأيضاً من خلال محاضرة ألقاها فى جامعة الخرطوم «جوزيب بوريل» مسئول السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، فإن الحيرة تزداد، والتساؤل يصبح أوجب، خصوصاً وأن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية فى تعاملها مع الدول الأخرى، فإذا بذلت شيئاً، أو وعدت بشىء، فإن ذلك من أجل هدف سياسى تسعى لتحقيقه بكل وسيلة.

وتزداد الأمور وضوحاً بشأن الموقف السودانى المعادى لمصر من قضية سد النهضة، عندما نربطه بتصاعد فعاليات حملة شعبية فى السودان للتحذير من مخاطر هذا السد على السودان.. وهو ما انعكس فى سلسلة ندوات يحاضر فيها خبراء ومسئولون سابقون فى ملف المياه بالسودان، من أعضاء مجموعة «مخاطر السد الإثيوبى» والتى حذرت من «غرق السودان» إذا لم تراجع اتفاقيات سد النهضة.. كما حذر آخرون من تأثير السد على «شعب بنى شنقول»، وهم جماعة عرقية تعيش على الحدود الإثيوبية - السودانية، وهو أحد الأقاليم المكونة للفيدرالية الإثيوبية، التى أصبحت عشرة أقاليم بعد تصويت غالبية أفراد قومية «سيداما» الإثيوبية لصالح استحداث إقليم جديد يتمتع بالحكم الذاتى، حسبما أعلن المجلس الانتخابى الوطنى مؤخراً، وحيث يقع السد فى إقليم بنى شنقول، الذى يعتبره السودانيون إقليماً خادماً للاحتلال الإثيوبى، ويعيش فى هذا الإقليم نحو 4 ملايين نسمة، معظمهم من أصول سودانية.. وكانت الحكومة الإثيوبية أعلنت سنة 2017 أن أجهزتها الأمنية تصدت لهجوم مجموعة مسلحة تتبع حركة تحرير بنى شنقول الإثيوبية المعارضة، وكانت هذه المجموعة تتكون من 20 فرداً، انطلقوا من إريتريا بهدف الاعتداء على سد النهضة، لكن القوات الأمنية الإثيوبية تصدت لهم وقتلت 12 مهاجماً وهرب 7 آخرون إلى داخل السودان، ولكن الحكومة السودانية سلمت المهاجمين فوراً إلى نظيرتها الإثيوبية. وقد أفاد «إبراهيم الحناقى» رئيس مؤسسة بنى شنقول لحقوق الإنسان، بأن الشعب السودانى مغيب عن تاريخه الذى يذكر أن بنى شنقول كان أحد أهم المراكز الحضارية فى السودان تاريخياً، لأنه كان منبع النيل الأزرق، ومركزاً للثروات المعدنية، خاصة الذهب، وكل أراضى بنى شنقول تتبع السودان، وبذلك فإن الاعتراف بالسد يعنى إعطاء إثيوبيا حقاً لا تملكه، وتنازل عن سودانية إقليم بنى شنقول المحتل من إثيوبيا، والموافقة على ذلك تعنى تكريس احتلال بنى شنقول.. وطالب الخناقى حكومة رئيس الوزراء السودانى عبدالله حمدوك بتغيير نهجها الراهن إزاء سد النهضة نظراً لأضراره «المدمرة» على السودان وسيادته.

 

ثالثاً: الموقف التركى والقطرى:

لم يكن غريباً أن تلعب تركيا دوراً مشبوهاً لدعم إثيوبيا فى ملف سد النهضة، بهدف الانتقام من مصر، ومحاولة تعطيشها وضرب اقتصادها، بعد أن أحبطت ثورة 30 يونيو مخطط أردوغان للتدخل فى شئون مصر الداخلية واستعادة وهم الخلافة العثمانية عبر جماعة الإخوان التى ينتمى لها أردوغان، والتى كان قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ أخونة الدولة المصرية.

فقد وضع أردوغان يده فى يد رئيس وزراء إثيوبيا «آبى أحمد على» لحرمان مصر من حقها التاريخى فى مياه النيل، إذ أعلن دعم أنقرة لمشروع سد النهضة، ووعد الحكومة الإثيوبية بالمعدات والأموال اللازمة لضمان نجاح المشروع لتقليص حصة مصر من مياه النيل، وما يترتب على ذلك من تراجع المساحات الزراعية بنسبة تصل إلى 25٪، ويعنى ازدياد معدلات البطالة.

وقد وضع أردوغان خطة ذات محاور متعددة لتحقيق أطماعه، حيث يرى أن سيطرته على إثيوبيا تضمن له دوراً محورياً فى المنطقة، لكونها تتحكم فى منابع النيل الأزرق الذى يشكل حوالى 85٪ من إجمالى مياه نهر النيل، ما يجعل جميع دول حوض النيل «11 دولة» مرهونة بموقف أديس أبابا من بناء السدود المائية.

وبحسب موقع المعارضة القطرية «قطريليكس» يعد الدور التركى - القطرى المشبوه السبب الرئيسى فى تعثر مفاوضات سد النهضة فى أمريكا، إذ إن وفداً قطرياً - تركياً سافر إلى أديس أبابا وحمل رسالة مفادها أن الموافقة على المفاوضات المصرية - الإثيوبية فى واشنطن ستكون لها خسائر كبيرة لن يستطيع النظام الإثيوبى تحملها.. حيث تبلغ حجم الودائع التركية - القطرية فى إثيوبيا 6 مليارات دولار سيعطل بناء السد من الأساس، ويؤخر خطة التنمية الإثيوبية فى ظل أزمات عالية متلاحقة.. كما يمكن عرقلة تمويل مشروع استثمارى زراعى ضخم، لزراعة مليون ومائتى ألف فدان فى منطقة السد.. كما سيتأثر سلباً نصيب إثيوبيا - 2٫5 مليار دولار - من الاستثمارات التركية فى إفريقيا، وإجمالها 6 مليارات دولار، تتطلع تركيا زيادتها لتصل إلى 10 مليارات دولار، حيث احتلت تركيا المركز الثانى بين الدول الأجنبية الأكثر استثماراً فى إفريقيا، هذا فضلاً عن وجود أكثر من 350 شركة تركية تعمل فى إثيوبيا بها أكثر من نصف مليون إثيوبى.

وقد كشفت شبكة «قطريليكس» بعداً جديداً عن عمق التآمر والحقد والكراهية، عندما أعلنت عن زيارة وفد أمنى قطرى - تركى مشترك لأديس أبابا لتحريض إثيوبيا على عدم توقيع الصيغة التى أعدتها وحررتها وزارة الخزانة الأمريكية فى الجلسة النهائية لمفاوضات سد النهضة.. وهى مسألة تقتضى الكثير من التوقف والانتباه، فقطر لم تكتف فقط بالمشاركة الفعالة فى دعم ذلك السد، ولكنها قامت بالاشتراك مع تركيا بتهديد إثيوبيا بسحب ودائعهما من إثيوبيا والمخصصة لتمويل بناء السد، وتقدر بـ3 مليارات دولار من قبل كل منهما. والغريب فى هذه الزيارة، أنها تمت من قبل وفد ذو صبغة «سياسية - أمنية» وليس فنية، فى حين أنه من المفترض أن يناقش موضوعاً اقتصادياً. والموضوع على هذا النحو أوسع من أن يقتصر على سد النهضة فقط، بل يكشف عن قيام الدولتين بتنفيذ مخطط دولى كبير بدأ فى عام 2004 حين شارك كل من مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق بيرجنسكى مع الملياردير جورج سورس فى إنشاء مجموعة إدارة الأزمات الدولية (International Crises Management (ICM فى بروكسل، وهى المجموعة التى احتضنت فكرة تصعيد جماعة الإخوان لتتولى الحكم فى البلدان العربية والإسلامية، وتغيير الأنظمة والقوانين فى عدد من الدول على رأسها مصر، بل لا تتوقفان عند تعاونهما المريب، بالذات فى وجود قاعدة عسكرية تركية فى الدوحة لدعم الدور التركى فى معادلة أمن الخليج، فضلاً عن الدعم المباشر لجماعة الإخوان الهاربة خارج مصر، لكنهما تطاردان مصر حتى فى إفريقيا، خاصة إثيوبيا لضمان عدم حصولها على حصتها من مياه النيل!

وقد شجع الدعم القطرى - التركى لإثيوبيا ضد مصر على مطاردتها فى إفريقيا، كما وفر لها قوة فى ذلك، وهو ما تمثل فى الجولة الأخيرة التى قامت بها رئيسة إثيوبيا «سهدورق زودى» إلى كل من كينيا وأوغندا لخلق تكتل من دول حوض نهر النيل ضد مصر، وهو ما تجاوب معه الرئيس الأوغندى «يورى موسيفينى» بتأييده أهمية ضمان الاستخدام العادل لمياه نهر النيل، وضرورة عقد قمة إفريقية عاجلة لدول حوض النيل.. ومن ضمن مصادر القوة الإثيوبية التى اكتسبتها إثيوبيا أخيراً، وربما أهمها ما برز من تحالف إثيوبى - إسرائيلى - أمريكى، وهو ما تمثل فى دعم إسرائيل لنظام الدفاع الجوى الإثيوبى لموقع سد النهضة، وما كشفت عنه زيارة وزير الخارجية الأمريكية «مايك بومبيو» لأديس أبابا قبل أسبوع واحد من موعد توقيع الاتفاق الذى رعته بلاده، وإعلانه من هناك أن هذا الاتفاق لن يوقع فى موعده، وربما يستغرق الأمر عدة أشهر.

وكانت تركيا قد وقعت مع إثيوبيا اتفاقية تعاون لتوليد الطاقة الكهربائية من سد النهضة وإيصالها لدول الجوار، باعتبار تركيا دولة منبع، وله خبرة واسعة فى إنشاء السدود واستثمارها، وفى الخلاصة تمثل إثيوبيا بالنسبة لتركيا سوقاً اقتصادية واعدة بفضل مواردها المتعددة، ويحرص أردوغان على اختراقها بإشراكها فى العديد من الاتفاقيات التى تخدم مصالح أنقرة، ولذلك تعد تركيا الشريك الاقتصادى الرئيسى لإثيوبيا، وهو ما أكده وزير الخارجية الإثيوبية.

والمتتبع لسياسة أردوغان فى إفريقيا، يلمس حرصه الشديد فى العشر سنوات الأخيرة، على التقارب مع دول القرن الإفريقى «إثيوبيا، إريتريا، الصومال، جيبوتى» مستنداً فى ذلك على أكاذيب حول حقوق تاريخية لتركيا فى هذه البلدان، وللأهمية الجيو-استراتيجية لهذه المنطقة أنشأ عدة قواعد عسكرية تركية، أبرزها الموجودة فى الصومال، وتوقيع اتفاقية تعاون عسكرى مشترك مع إثيوبيا، فالجيش الإثيوبى لا يغيب أبداً عن نظر أردوغان الذى عقد معه عدة اتفاقيات تعاون عسكرى فى مجالات الصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، وتحديث الموجودات العسكرية لإثيوبيا، هذا فضلاً عن اتفاقية دفاع مشترك مع أديس أبابا فى مايو 2013، تنص على قيام تركيا بمساعدة إثيوبيا فى الدعم الفنى والعسكرى واللوجيستى، خاصة بالنسبة للدفاع الجوى والصاروخى عن منطقة سد النهضة، بأنظمة رادارية للإنذار المبكر، وأنظمة دفاع جوى وصاروخى حديثة.

ويستخدم أردوغان قواه الناعمة وسلاح المساعدات الإنسانية لاختراق إثيوبيا، وحتى يجعل لنفسه موضع قدم فى المنطقة، وأن يكون له مخلب قط لمناكفة مصر، ولتكون أداة ضغط على القاهرة.. وأنشأ لذلك منظمة للتعاون والتنسيق فى إفريقيا، أطلق عليها «تيكا» قامت بتطوير المناطق المرتبطة بالتاريخ الإسلامى، وافتتاح مراكز ثقافية تقوم بتعليم اللغة التركية، وبناء المساجد، وتقديم المنح والبعثات التعليمية فى الجامعات التركية إلى جانب تقديم المساعدات الطبية للمستشفيات فى إثيوبيا، ولا سيما مستشفيات الأطفال لخلق جيل يدين بالولاء لتركيا.

 

رابعاً: الموقف الأمريكى:

لا أحد يعلم إلى أى مدى سوف يصل الموقف الأمريكى الذى استضاف المفاوضات مع البنك الدولى، بجانب محادثات بين رئيس وزراء إثيوبيا والرئيس الأمريكى ترامب، فى ذات الوقت الذى وعد فيه الرئيس الأمريكى، الرئيس السيسى بأنه لن يسمح بأن تتضرر مصر من وراء إقامة هذا السد.. فمما لا شك فيه أن الجانب الأمريكى يشعر بالحرج أمام موقف إثيوبيا، والذى يمثل إهانة واضحة للدولة العظمى أمام العالم.. وهو ما دفع وزير الخزانة الأمريكى لإطلاق تصريح مهم للغاية قال فيه: إن إثيوبيا لن تستطيع ملء السد، أو إجراء تجارب الملء، أو تشغيل السد بالتبعية، من دون اتفاق بين دول الاتفاق الإطارى وواشنطن.

إلا أن إثيوبيا تدرك جيداً حرج الإدارة الأمريكية فى هذا الوقت بالذات، والذى تخوض فيه معركة انتخابات الرئاسة، حيث يضغط عامل الوقت على قرارات الرئيس الأمريكى ترامب، لمنعه من اتخاذ قرارات حاسمة، قد لا تتفق مع الموقف الإسرائيلى واللوبى اليهودى فى أمريكا والمنحاز لإثيوبيا تاريخياً وواقعاً، وذلك لحسابات استراتيجية إسرائيلية قديمة وحديثة.. ولذلك فليس غريباً أن تتحدى إثيوبيا الإدارة الأمريكية فى هذا الوقت بالذات، وتسابق الزمن من أجل فرض الأمر الواقع باستكمال بناء السد وملء بحيرته، ومن هنا فإن تصريح وزير الخزانة الأمريكية الأخير هو تنبيه مهم فى ذلك الإطار، هذا رغم أن إثيوبيا تعتمد على دعم أمريكا والبنك الدولى فى مروحة واسعة من المشروعات والمجالات.

ناهيك عما هو معروف عن الموقف الأمريكى المبدئى من أحداث «الربيع العربى» فى يناير 2011، حول مخطط «تفتيت العالم العربى» تنفيذاً لاستراتيجية «الشرق الأوسط الجديد» الذى أعلنه الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش عام 2003، وسياسة «الفوضى الخلاقة» التى أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس فى عام 2006 تنفيذاً لهذه الاستراتيجية، وقد ظهر ذلك بوضوح كامل فى الدور الأمريكى لدعم جماعة الإخوان أثناء فترة حكمها لمصر عام 2012، وحتى ما بعد ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر، والتى أطاحت بالأحلام الأمريكية فى دعم تنظيمات الإسلام السياسى فى العالم العربى، كما يفسر رفض إدارة ترامب حتى اليوم اعتبار جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، رغم توصية الكونجرس بذلك، وهو ما يفسر كثيراً الموقف الأمريكى المانع من قضية سد النهضة.

 

خامساً: الموقف الإسرائيلى:

تؤكد تقارير معلومات دولية أن المخابرات الإسرائيلية عقدت اجتماعات أمنية مع بعض دول حوض النيل من أجل تحريضها والضغط على مصر لتعديل اتفاقية دول الحوض، وتقديم مساعدات مالية مغرية وسخية وتقنيات حديثة من أجل بناء سدود ومشروعات زراعية فى كل من إثيوبيا وأوغندا، وهذه المساعدات التى تقوم بها إسرائيل تتجاوز حدود ما يسمى بالمنافسة الدبلوماسية مع مصر، ناهيك عن هدف إسرائيل القديم والحديث فى الحصول على 10٪ من مياه النيل، منذ أن تم شق ترعة «الشيخ جابر» فى أوائل التسعينيات التى تنقل مياه النيل إلى سيناء أسفل قناة السويس، وهو ما تحسبت له مصر بإغلاق هذه الترعة مؤقتاً، كما لا يمكن تجاهل تهديد إسرائيل لأمن السودان وبما يهدد بالتالى الأمن القومى المصرى، وهو ما تمثل فى الدور الذى لعبته إسرائيل لفصل جنوب السودان عن شماله، ناهيك عن الدور الإسرائيلى فى إشعال الاضطرابات الانفصالية التى وقعت فى إقليم درافور شرق السودان، وإقليم كردفان فى غرب السودان، وذلك فى محاولة لتفكيك السودان.

ووفقاً لهذا التصويت أنشأت وزارة الخارجية الإسرائيلية داخلها «المؤسسة الدولية للتعاون والتنمية» MASHAV «موشاف»، والتى تقوم بمهام الربط بين مؤسسات الدولة وشركات القطاع الخاص لإحداث اختراق إسرائيلى محكم للقارة الإفريقية، وأبرز الأنشطة التى تقوم بها MASHAV تقديم المساعدات المالية والتقنية فى مسائل إقامة السدود والمزارع وتأسيس غرفة للتجارة الإفريقية والإسرائيلية، فضلاً عن الدعم فى مجالات الصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية والمجالات التكنولوجية والعلوم التطبيقية، إلى جانب تقديم المنح والقروض والدورات التدريبية فى العديد من الأنشطة التى تحتاجها دول القارة الإفريقية، ويتركز نشاط هذه المؤسسة فى فئات معينة مثل القادة والخبراء والشباب والنساء الذين سيصبحون صناع السياسة مستقبلاً.

ولا ينبغى أن ننسى تأثير إسرائيلى كبير على إثيوبيا من الباب الواسع المتمثل فى العقيدة والمصاهرة وصلة الدم،

ودور المخابرات الإسرائيلية فى نقل يهود «الفلاشا» من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر السودان، وبموافقة نظام حكم جعفر نميرى فى السودان خلال ثمانينيات القرن الماضى، وهو التعاون الذى استأنفه الوزير الإسرائيلى «أفيجدور ليبرمان» منذ عام 2011، عندما قام بزيارة عدد من دول حوض النيل استكمالاً للمخطط الإسرائيلى لفرض نفوذها والاستيلاء على منافع النيل، وهو المشروع الذى بدأ فى عقول رواد الصهيونية الأوائل - أمثال هرتزل - قبل قيام إسرائيل على أرض فلسطين بسنوات كثيرة، ثم تطورت العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية - الإثيوبية، حتى إن وزير الزراعة الإثيوبى «تفرادبرو» أعلن مؤخراً أن 250 شركة إسرائيلية طلبت الحصول على تصاريح للعمل فى قطاعات مختلفة، هذا فضلاً عن قيام أكثر من خمسين من رجال الأعمال الإسرائيليين باستثمارات فى مجال الرى والزراعة فى إثيوبيا، كما ظهر التعاون الأمثل بين تل أبيب وأديس أبابا فى مجال الطاقة والكهرباء وإنشاء محطات طاقة، والاستفادة من الطاقة التى ستتولد من سد النهضة فى تنفيذ مشروعات زراعية وتنمية أخرى.

أما أحدث المعلومات التى توافرت مؤخراً عن دعم إسرائيل لإثيوبيا فى موضوع سد النهضة، فهى تفيد بأن إسرائيل بطلب من إثيوبيا تخطط لبناء حائط صواريخ مضاد للطائرات والصواريخ حول منطقة السد، لمواجهة احتمال قيام مصر بضرب سد النهضة بالطائرات والصواريخ، وهو سيناريو لا تستبعده إثيوبيا، رغم أن مصر لم تشر له، لا سياسياً ولا إعلامياً.

ولا يمكن أن ننسى أو نتجاهل، أن ما إن تحط إسرائيل رحالها فوق أى بقعة من بقاع الأرض، إلا وتظهر دويلة قطر لتقديم الدعم المالى غير المحدود لتنفيذ مخططات تل أبيب، وهو ما يحدث الآن، حيث هناك استثمارات قطرية كبيرة فى إثيوبيا، بجانب ودائع بقيمة 3 مليارات دولار، وهو ما كشفت عنه المعارضة القطرية فى الأيام القليلة الماضية، وهددت الدوحة بسحب استثماراتها، واسترداد ودائعها فى حالة توصل أديس أبابا إلى اتفاقيات نهائية مع القاهرة حول سد النهضة، وذلك بإيعاز من إسرائيل.

 

مصر تأخذ بكل أسباب المواجهة:

إلا أن هذا الإيمان واليقين القوى بنصر الله تعالى لمصر وشعبها، لم يمنع مصر من أن تأخذ بكل أسباب المواجهة السياسية والاقتصادية والدفاعية، لمواجهة هذا الخطر الكيانى، وهو ما يتمثل فى الجهود التى تبذلها كافة أجهزة الدولة، وعلى رأسها الرئيس السيسى شخصياً لمنع وقوعه، أو الحد من تأثيراته السلبية، حيث لم يأل جهداً فى سلوك كافة دروب التفاوض السياسى مع كافة القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية للضغط على إثيوبيا، وقد يصل الأمر بمصر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن وغيره من المؤسسات الدولية مثل المحكمة الدولية، كما حدث مع إسرائيل عقب حرب أكتوبر 1973 لاستعادة باقى أراضى سيناء حتى آخر حبة رمل فى سيناء فى أبريل 1982، فى حين لا تزال باقى الأراضى العربية المحتلة فى حرب 1967 محتلة من قبل إسرائيل حتى اليوم، وهو أبرز درس ودليل على إصرار مصر وتصميمها على نيل حقوقها كاملة غير ناقصة بكافة الوسائل العسكرية وغير العسكرية، وهو للأسف ما لم تستوعبه إثيوبيا ومن ورائها فى المعركة التى تخوضها مصر دفاعاً عن حقوقها فى نهر النيل.

فعلى الصعيد السياسى، تحملت الدبلوماسية المصرية الكثير من تقلبات السياسة الإثيوبية، وتعاملت بسعة صدر وصبر بهدف تجنب أي أزمة فى العلاقات بين البلدين، حتى إن الرئيس السيسى قام أكثر من مرة بزيارة أديس أبابا، وخطب فى برلمانها مؤكداً أن مصر تحترم حقوق إثيوبيا فى التنمية، خاصة على صعيد الطاقة، ولكن ليس على حساب حقوق مصر الأساسية لشعب مصر، خاصة الحقوق المائية لأنها مسألة حياتية بالنسبة للمصريين، كما حرص الرئيس السيسى على إقحام الولايات المتحدة، والرئيس ترامب شخصياً فى قضية السد، لتمارس ضغطها على أديس أبابا لمنعها من تهديد الحقوق المائية لمصر فى مياه النيل، لكن الطرف الإثيوبى لم يقابل المرونة المصرية بالمثل. فبعد ماراثون من المفاوضات حول الجدول الزمنى المناسب لملء خزان مياه سد النهضة «البحيرة خلف السد»، وذلك برعاية الولايات المتحدة ومشاركة صندوق النقد الدولى، إلا أن الوفد الإثيوبى إمعاناً فى سياسته المرسومة مسبقاً لكسب الوقت، لم يحضر التوقيع على ما سبق الاتفاق لعيه.

وعلى الصعيد الاقتصادى، فقد حرص الرئيس السيسى على توفير بدائل لمياه النيل التى قد تنقص إذا ما استمرت إثيوبيا فى تعنتها وأكملت بناء السد، ضاربة عرض الحائط بكل الاعتراضات على ذلك، مما قد يتسبب فى نقص مياه النيل الأزرق التى تصل إلى مصر، وفى إطار هذه البدائل تم إنشاء عدة محطات ضخمة لتحلية مياه البحر، فضلاً عن زيادة الجهود لاستكشاف واستغلال المياه الجوفية، فضلاً عن ترشيد استهلاك المياه العذبة.

أما على الصعيد العسكري - وهو ما لم تلوح به القيادة المصرية حتى الآن من قريب ولا بعيد - إلا أنه فى مجال الأمن القومى لابد من فرض أسوأ الاحتمالات، ووضع السيناريوهات الواجبة التدخل لمواجهتها، وتوقع النتائج التى يمكن أن تصل إليها الأمور، ومن هنا كان اجتماع الرئيس السيسى مع قيادات القوات المسلحة الشهر الماضى، وهو اجتماع يحمل دلالات كثيرة أمام موقف لا يمكن أن يكون مجالاً للتراجع أو قبول الأمر الواقع، فقد كان ولا يزال النيل، أهم قضايا الأمن القومى المصري، ومن هنا فإن جميع الاحتمالات مفتوحة، والسيسى فى ذلك يتذكر ويعى جيداً مغزي العبارة المصرية القديمة المنقوشة على جدران مقياس النيل «إذا انخفض منسوب مياه النهر، فليهرع كل جنود الملك، ولا يعودون إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه».

 

خلاصة وتوقعات:

لا أبالغ إذا قلت إننا أمام محنة تاريخية حين نجد أنفسنا - لا قدر الله - وقد تقلص حجم مياه النيل الواردة إلينا، وبما يؤثر سلباً على مجريات الحياة فى مصر، ووجدنا من يفكر في تعطيش وتجويع المصريين، وإثارة الاضطرابات فى حياتهم، فهذا هو الجنون بعينه. وذلك لأن الحياة لا يمكن أن تصبح مجالاً للخداع وانتهاز الفرص والعبث بمقدرات البشر، فلا يمكن أن نقبل أو نتخيل أن يكون هذا السد سبباً فى إيذاء مائة مليون مصرى، فلا يوجد مصري واحد يقبل أن يساومه أحد على قضية ماء عاش عليها أجداده آلاف السنين، لذلك فنحن أمام قضية تتعارض مع كل بديهيات العقل والمنطق، ومن ثم فإن الموقف المصرى المتشدد فى هذه القضية لا مجال للتراجع أو المساومة حوله، لا سيما بعدما ثبت بما لا يدع مجالاً لأى شك أن الاستمرار فى المفاوضات هو أمر عبثى لا طائل من ورائه، لأن هدف إثيوبيا هو إضاعة الوقت فى هذه المفاوضات، حتى يتم فرض الأمر الواقع ببناء السد وملء البحيرة بالمياه، وبعدما ثبت أيضاً من أن السودان اختار فى نهاية المطاف الانضمام إلى إثيوبيا ضارباً عرض الحائط بكل مشاعر الأخوة مع الشعب المصرى، وهو يدرك تماماً أن قضية مياه النيل أخطر بكثير من أن تكون مجالاً للخديعة والعبث من جانب إثيوبيا ومن يساندها فى إفريقيا وخارجها، هذا مع الوضع فى الاعتبار أن المسئولين فى السودان يدركون يقيناً أن السودان هو أول المتضررين من سد النهضة ثم مصر، حيث سيؤدى انهيار السد - وهو أمر شديد التوقع والاحتمال كما ذكرنا آنفاً - إلى اختفاء جميع السدود السودانية ومدينة أم درمان والخرطوم ومنطقة الجزيرة، لذلك فمن المؤكد أن السودان لا يتحسب جيداً لتداعيات موقفه المتمثل فى استرضاء إثيوبيا على حساب مصر.

وهذا الموقف من جانب السودان يؤكد حقيقة أن هناك من يفرضه على السودان من قبل قوى كبرى وإقليمية، أخطرها الولايات المتحدة وإسرائيل، تساعدها فى ذلك قطر وتركيا وهما بمثابة أدوات تسخين وتحضير المنطقة لتقبل الأهداف البعيدة المتوخاه من وراء دعم إثيوبيا، حيث تؤكد التحليلات السياسية والاستراتيجية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعدان إثيوبيا لدور مركزى إقليمى تدور فى فلكه دول مجمع الأنهار، وذلك باستخدامها كقاعدة يسهل من خلالها السيطرة على المنظومة الإقليمية، وبالتالى إحكام القبضة على المنطقة العربية، إذ تحاول إسرائيل من خلال تعاونها مع إثيوبيا تأكيد قناعات قديمة تعتمد على نظرية بن جوريون المساه «حلف الحزام المحيط» والتى قال عنها أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل منذ أكثر من ستة عقود «أية موطئ قدم لإسرائيل على البحر الأحمر يعوضها عن الحصار الإقليمى المفروض عليها وعن طريق ربط المحيطات الشرقية والغربية عبر قطاع ضيق من الأرض، يمكن لإسرائيل أن تصبح الجسر الذى تعبره تجارة الشعوب فى القارات جميعاً، وبذلك يمكن تحرير شعوب آسيا وأوروبا من الاعتماد علي قناة السويس»، تلك هى المسارات القديمة التى أنتجت الأزمة المعاصرة ببعديها، التعنت الإثيوبى والحقوق التاريخية الأصيلة لمصر.

وإذا توقفنا أمام التصريح الأخير لرئيس وزراء إثيوبيا بأن ملء بحيرة سد النهضة سيبدأ فى يوليو القادم فى موسم الأمطار المقبل، رغم تحديات وباء كورونا، فإننا نرى فى هذا التصريح الاستفزازى محاولة إثيوبية لإطلاق «بالون اختبار» لمعرفة حدود الموقف المصرى والقدرة على تنفيذه، وهو أسلوب اختبرته مصر من قبل فى تعاملها مع إسرائيل وتعرف جيداً كيفية التعامل معه.

لذا ثبت بما لا يدع مجالاً لأى شك أن مصر تتعرض حالياً للعديد من المحاولات العدائية من بعض الدول، وإن تعددت أشكالها، إلا أنها فى النهاية تستهدف زعزعة الاستقرار المصرى، والتأثير على اقتصادها وأمنها القومى بشكل متزامن، فبجانب التهديد المائى الذى تشكله إثيوبيا، فهناك أيضاً الموقف السودانى الغامض، والمحاولات التركية للتدخل فى الشأن الليبى بإرسال مجموعات من تنظيمات إرهابية لتؤثر بشكل مباشر على الحدود الغربية المصرية، إضافة إلى محاولات بعض الدول لاستخدام منصات إعلامية واتخاذ مواقف لتصدير أن مصر بها وباء كورونا متفشياً، كل ذلك وغيره يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومى المصرى، فكما نرى أعضاء التنظيم الدولى الإرهابى ومنصاتهم الإعلامية الموجودة فى قطر وتركيا يهللون مما يحدث، ويتفاخرون بالموقف الإثيوبى والتركى والقطرى ضد مصر، مستخدمين أيضاً وسائل التواصل الاجتماعى لنشر الشائعات بشكل موسع من أجل إحداث بلبلة وفقدان للثقة فى الشارع المصرى، وذلك فى محاولة من ضمن محاولاتهم المستمرة الفاشلة لتأليب الرأي العام الداخلى، وهو الأمر الذى يجب أن تواجهه كل فئات الشعب المصري باصطفاف وطنى حقيقى وفاعل خلف الدولة، حيث يكون الجميع فى خندق واحد من أجل التغلب - ليس فقط فى شأن أزمة سد النهضة - ولكن على جميع الأزمات التى تواجهها مصر، وكلها أزمات مصطنعة، ولقد مرت على مصر أزمات أشد منها، واستطاعت القيادة المصرية بفضل الله تعالى أن تعبر بالدولة بنجاح وحكمة وحنكة، وجنبت مصر العديد من الفخاخ التى نصبت لها، ويساعد على تحقيق ذلك تعامل الدولة حالياً مع الشعب بمنتهى الشفافية، وتجنيب الشعب الانجراف خلف الشائعات المغرضة.

ومن المؤكد أن القيادة المصرية التى تتمتع بميزة الصبر الطويل فى تعاملها مع الأزمات التى يتعرض لها مصر، لن تصمت ولن تلين، لأن القضية من بدايتها قضية حياة وأمن قومى وشرف وطنى لا ينبغى أن يمس، لذلك فإن جميع الخيارات مفتوحة أمام القيادة المصرية، وما زال لديها كثيراً من الأوراق، لذلك فهى لن تنخدع فى اللعبة الإثيوبية «خطوة إلى الأمام وخطوتين للخلف» والمتمثلة فى أسلوب تبريد الأزمة وعدم إغلاق باب التفاوض السياسى والفنى، حتى يتم فرض الأمر الواقع باستكمال بناء السد وملء البحيرة.

وفى الختام نحن على ثقة تامة ويقين كامل بنصر الله لكنانته فى الأرض، ولن تضام مصر أبداً ولن تنقص مياه النيل نقطة مياه واحدة، فهذا وعد الله ورسوله، وحاشا لله أن يخلف وعده. كما نثق أيضاً فى القيادة المصرية ومطمئنين إلى وطنيتها، وأنها لن تضيع المصريين، وأنها ليست غافلة عما يجرى، وتتحسب لكل ما هو متوقع وغير متوقع، وتعمل على عدة مسارات، ودائماً ما تختار أفضلها فى كل أزمة، ومنها أزمة سد النهضة، كما تعرف كل الأوراق، ولكن استخدام كل منها فى الوقت والموقف المناسبين، وحتى إذا - لا قدر الله - ضاقت علينا الأرض بما رحبت، فنحن على ثقة من قوله تعالى: «ليس لها من دون الله كاشفة».