د. هانى سرى الدين يكتب : الوفد والمحاماة.. طريق مشترك وغاية واحدة

د. هانى سرى الدين يكتب : الوفد والمحاماة.. طريق مشترك وغاية واحدة
الأربعاء, 15 يوليو 2020 20:27

أليس غريباً أن يكون سعد زغلول زعيم ثورة 1919 الخالدة، ومؤسس حزب الوفد، هو نفسه صاحب مبادرة إصدار قانون إنشاء نقابة المحامين سنة 1912 عندما كان وزيراً للحقانية؟ وقبل ذلك كان محامياً يشار إليه بالبنان، وأعطى للمهنة وقارها واحترامها بعد أن كانت مهنة من لا مهنة له.

ألم تكن فكرة التوكيلات نفسها التى حررتها الأمة لزعيمها للتحدث باسمها أسلوباً معتاداً لدى المحامين؟

هل كانت مصادفة أن يستوعب حزب الوفد القديم والمعاصر أجيالاً متتالية من أهل القانون؟

ألم يكن لافتاً للانتباه أن يكون الزعيم الوفدى العظيم مصطفى النحاس قاضياً ومحامياً نزيهاً له قدراته وإمكاناته المهنية غير المحدودة التى تجلت فى قضية سيف الدين؟

لم يكن الوفد عقيدة وقيماً ومبادئ- بعيداً عن مهنة استرداد الحقوق، والدفاع ضد المظلوم، والانحياز للقانون، لذا فإن أكبر فئة مهنية امتزجت بالوفد كانت فئة المحامين. اختار المحامون الوفد طريقاً لتحقيق آمال الأمة لأنهم درسوا القانون واستوعبوا حجم التشابكات بين فهم القانون نصاً وروحاً ومبادئ الوفد القائمة على احترام الدستور ومبدأ سيادة القانون.

فى الأصل، إن المحاماة كمهنة بما لدى أصحابها من قدرة على الخطابة والنقاش والحوار واستنباط الأحكام هى المهنة الأقرب صلة بالسياسة عموماً، لذا لم يكن غريباً ما ذكرته الدكتورة أمانى الطويل فى دراستها الشائقة «المحامون بين المهنة والسياسة» من أن الفترة من 1923 إلى 1952 شهدت تولى عشرة رؤساء لمجلس النواب كان من بينهم سبعة محامين هم سعد زغلول، مصطفى النحاس، ويصا واصف، أحمد ماهر، عبدالسلام فهمى جمعة، حامد جودة، ومحمد بهى الدين بركات. وتشير الدكتورة أمانى الطويل فى دراستها الصادرة سنة 2007 إلى أن نسبة المحامين فى مجلس النواب تجاوزت الـ30%.

ولاشك فى أننا رأينا فى تاريخ الوفد محامين عباقرة أفذاذاً من أمثال يوسف الجندى، الذى أعلن خلال ثورة 1919 استقلال مدينة زفتى من الاحتلال البريطانى، أو مكرم عبيد الخطيب المفوه ورفيق سعد فى المنفى، وسكرتير الوفد فيما بعد، ومن بعده صبرى أبوعلم وأحمد ماهر عميد كلية الحقوق قبل أن ينفصل عن الوفد، وما تبعهم من أجيال على رأسهم إبراهيم طلعت وغيره.

وظلت نقابة المحامين وفدية الهوى والشخوص بدءاً من نقيب المحامين مرقص حنا، حتى مصطفى البرادعى.

وإذا كانت السنوات التالية لثورة

1952 شهدت إقراراً لنظام الحزب الواحد، فقد سعت السلطة وقتها إلى العمل على الحد من نفوذ المحامين السياسى وخنق المهنة وتحويل كليات الحقوق إلى مجرد جراج.

لكن عودة الوفد إلى الحياة السياسية على يد الزعيم خالد الذكر فؤاد سراج الدين، صاحبه ضم عدداً كبيراً من رجال القانون الكبار والمخضرمين من أمثال الدكاترة وحيد رأفت، عبدالفتاح حسن، إبراهيم فرج، عبدالحميد حشيش، ونعمان جمعة، ثم تعاقب على رئاسة الوفد بعد رحيل «سراج الدين» أربعة رؤساء كان من بينهم ثلاثة رجال قانون كبار وصولاً إلى المستشار بهاء الدين أبوشقة.

وفى تصورى إن تفسير هذا الارتباط والتلاقى بين مهنة المحاماة وحزب الوفد مرجعه إلى أن هناك طريقاً مشتركاً وغاية واحدة تربط الطرفين معاً، هى الانحياز لحكم القانون والسعى الدائم والدؤوب لاستعادة الحقوق. فالمحامى الحر يتطلع دوماً إلى العدالة بمفهومها المهنى فى دفع ظلم أو رد حق، وكذلك الوفدى الذى يرنو لعدالة اجتماعية وسياسية مستندة إلى دولة القانون.

إن طبيعة الدراسات النظرية بكليات الحقوق تؤهل دارسها فى النهاية للعمل السياسى، نتيجة الطبيعة الاجتماعية للعلوم القانونية واتصالها بكل جوانب الحياة. وأتصور ونحن مقبلون على انتخابات برلمانية أن الفترة المقبلة تستلزم غلبة العمل السياسى الإصلاحى وهو ما يستوجب استكمال عملية الإصلاح التشريعى، ففى رأيى أن مجلسى النواب، والشيوخ المقبلين يجب أن يضما فقهاء قانون ومحامين لأنهم العماد الحقيقى للسلطة التشريعية. وأتصور أنه بدون هؤلاء، فإن البرلمان المقبل سيكون عديم الجدوى.

وسلام على الأمة المصرية.