د. هانى سرى الدين يكتب : العدالة الاجتماعية منهج دائم لمواجهة الفقر

د. هانى سرى الدين يكتب : العدالة الاجتماعية منهج دائم لمواجهة الفقر
الأربعاء, 17 يونيو 2020 20:09

ليس الهدف من هذه المقالات المسلسلة التذكرة بالماضى فحسب، ولكن التأكيد أيضاً على أن ثوابت حزب الوفد منذ أكثر من مائة عام لا تزال مستقرة، وراسخة، وصالحة للتطبيق برؤية معاصرة تتفق مع المستجدات المحيطة بنا.

يُردد البعض تصورا خاطئا بشأن حزب الوفد مفاده أنه حزب الطبقة الأرستقراطية أو حزب الباشوات كما يحلو لخصوم الوفد أن يصفوه، كمحاولة للتنفير المتعمد منه، أو الادعاء بأن سياساته وتوجهاته نابعة من فئة بعينها هى فئة أصحاب الأملاك والأراضى لا الشعب بمختلف فئاته. وذلك القول يُناقض القراءة الموضوعية لسير زعماء الوفد، كما يصطدم مباشرة مع احتضان الوفد لقضية العدالة الاجتماعية والتعبير عنها بشكل عملى كواحد من ثوابته.

أما الزعماء، فصحيح أنهم حازوا الباشوية، لكنهم يمثلون فصيلا مصريا عصاميا تعلم ونبغ وحقق ثروات معقولة دون شبهات مكنتهم من الحياة الكريمة، وأما العدالة الاجتماعية فثمرة من ثمرات الوفد التى نمت وترعرعت مع تطوره وتمدده فى قلوب المصريين جميعا منذ اليوم الأول لتأسيس الوفد المصرى.

لقد راعى الوفد منذ الأيام الأولى قيمة العدالة الاجتماعية فاهتم بإنشاء نقابات عمالية تُعبر عن آمال وتطلعات العمال الذين كانوا جزءا أساسيا من ثورة 1919، وفيما بعد صار الوفد بوتقة تطوير وتفعيل لطموحات الطبقات العاملة فى الحصول على أجور مناسبة وظروف عمل ملائمة ولوائح تشغيل عادلة، ما تمت ترجمته فيما بعد إلى تشريعات منصفة للعمال أصدرتها حكومات الوفد فى الفترة من 1936 إلى 1944، والتى تضمنت القانون رقم 64 لسنة 1936 بشان إصابات العمل فى الصناعة والتجارة وهو أول تشريع فى هذا الصدد، والقانون رقم 85 لسنة 1942 بشأن الاعتراف بنقابات العمال، والقانون رقم 86 لسنة 1942 بشأن التأمين الإجبارى على حوادث العمل، ثُم القانون رقم 41 لسنة 1944 الخاص بعقد العمل الفردى.

ورغم هذه التوجهات المبكرة، فإن الوفد باعتباره وكيلا للأمة المصرية رأى ضرورة إعلان المبدأ صراحة والتبشير به فى أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما شهدت مصر نشوء رأسمالية طفيلية عبرت عن أثرىاء الحرب واتسعت الفوارق الطبقية، لذا قدمت جريدة المصرى المعبرة عن الوفد ثلاثة شعارات أساسية هى استقلال وادى النيل، الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. وهنا ولدت الطليعة الوفدية والتى عبر عنها الدكتور محمد مندور وإبراهيم طلعت ومصطفى موسى وغيرهم، مطالبين

بسياسات أكثر استهدافا للعدالة الاجتماعية والحد من التفاوت الاجتماعى والطبقى، وتشكلت تلك الطليعة بالفعل كواحدة من تشكيلات الوفد لتقدم وجها تقدميا، وكان لها نشاط طلابى واسع، فضلا عن النشاط الصحفى والثقافى.

وتبقى العدالة الاجتماعية قيمة راسخة لا تتغير فى النهج العام للوفد أو فى خطابه السياسى، وهى عدالة تتسق مع الدستور المصرى الذى ينص فى مادته الثامنة على «يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعى.. وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعى، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذى ينظمه القانون.»، وتنص المادة التاسعة على «التزام الدولة بمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين بدون تمييز.»، بل إننا نجد المادة 13 تقول نصا «تلتزم الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وتعمل على بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفى العملية الإنتاجية، وتكفل سبل التفاوض الجماعى، وتعمل على حماية العمال من مخاطر العمل وتوافر شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية، ويحظر فصلهم تعسفيًا، وذلك كله على النحو الذى ينظمه القانون».

فالوفد المعاصر يسعى لتفعيل تلك النصوص الدستورية لتتحول إلى واقع لازم لمواجهة التفاوت الطبقى من خلال تشريعات متوازنة رشيدة أجرا كان أم معاشا لتخدم محدودى الدخل بشكل حقيقى وفعال، مع تفعيل ما يخص انفاق الدولة على خدمات الصحة والتعليم بقوة خلال الفترة القادمة.. إن الوفد يوصى بتفعيل الحد الأدنى للدخل، وتطوير نظم التأمين الصحى، ولنا فى كل أمر من هذه الأمور تفصيل ستناوله فيما بعد، فللحديث بقية..

وسلام على الأمة المصرية.