المستشار لبيب حليم لبيب يكتب: تساؤلات حول الضريبة على الوحدات غير المشغولة

المستشار لبيب حليم لبيب يكتب: تساؤلات حول الضريبة على الوحدات غير المشغولة
الأربعاء, 11 سبتمبر 2019 20:41

مصر من أوائل الدول فى التاريخ التى عرفت الديمقراطية

 

تعبر الديمقراطية عن مفهوم تاريخى اتخذ صوراً وتطبيقات متعددة، وتقوم فكرتها الأساسية على حكم الشعب, وممارسته الرقابة على الحكومة، ويتمثل جوهر الديمقراطية فى توفير وسيلة حضارية لإدارة المجتمع بغية تطوير فرص الحياة، ظهرت الديمقراطية مع ازدهار الحضارة الإغريفية، وبعد حوالى ألفى عام ظهرت الديمقراطية المعاصرة!

وتقوم الديمقراطية «على مبادئ الحرية»، وتجسد الحرية قضية إنسانية تعبر عن ملكية الإنسان لفكره وإرادته، وتمنح شعور المواطنة الكاملة وتعنى الديمقراطية بمعناها الإغريقى حكم الشعب. ولا يمكن أن أنكر أن قيماً ومبادئ ديمقراطية عديدة تراكمت على المستوى الكونى منذ بدء الحضارات البشرية الأولى وحتى الحضارة المعاصرة، ويمكن الوقوف عندها سواء فى المعتقدات الدينية أو الأدبيات العلمانية، وهى قيم ومبادئ لا تستطيع ثقافة معينة الادعاء بملكيتها بمعنى أن لكل مجتمع عناصر فى مواريثه التاريخية وثقافته المعاصرة بحيث يمكن أن تستغل كموجودات ديمقراطية.

إن مبادئ مثل الحق والعدل والتعاون والإخاء والمساواة أمام القانون وما أشبه هى قيم ديمقراطية ذات سريان عالمى، وهذا يدعو إلى معرفة الحدود الواجب توافرها فى نظام سياسى حتى يعصف بالديمقراطية. وبغض النظر عن الأشكال الرسمية للتطبيقات الديمقراطية هناك درجة من الاتفاق على أن حقوق الانسان والتعددية السياسية والتداول السلمى للسلطة تشكل الحد الأدنى لمكونات الديمقراطية فى أى نظام سياسى.

واذا كانت الديمقراطية ظهرت مع ازدهار الحضارة الإغريقية فإن مصر كانت من أولى الأمم التى عرفت الديمقراطية فى التاريخ، ذلك لأن الحضارة المصرية العريقة لم تكن لتنشأ فى ظل الديكتاتورية التى حاول بعض المؤرخين إلصاقها بالفراعنة الحكام، فقد كان تبجيل المصريين القدماء، وعبادتهم للفرعون نوعاً من الإيمان الذى أدركه الإنسان قبل نزول الرسالات السماوية.

من هنا كانت معجزة الأهرامات، فقد كان من المستحيل إقامة هذه الصروح التى تحدت الزمن تحت سياط السادة على ظهور العبيد، فالحضارة تنشأ وتترعرع حيث العلم والإيمان والحب والتفانى، أما إذا سادت العبودية والديكتاتورية فإن أية حضارة إنسانية سرعان ما تختنق وتموت!!

والحضارة المصرية كانت أم الحضارات وقدمت للعالم الدليل على أن علاقة المصريين بالفرعون كانت علاقة حب وتقديس بصفته رمزاً لكل القيم الحضارية التى يعملون من أجلها، ولو كانت علاقتهم به قائمة على مجرد الخوف والإرهاب والتهديد والعقاب، لما استطاعوا امتلاك المقدرة على إبهار العالم بإنجازاتهم الحضارية حتى الآن.

وتحت يدى شخصياً وقائع وأدلة تاريخية تشهد على ريادة مصر فى مجال بناء الديمقراطية، حتى فى أشد عصورها ظلاماً، وقائع لم تطلع عليها الأجيال المتتابعة وخاصة الحديثة منها أحكيها ليعرف عالمنا المعاصر أن مصر كانت أكثر عراقة وأصالة فى مجال ممارسة الديمقراطية من بعض دول العالم التى تنادى بأنها هى التى رسخت مفهوم الديمقراطية فى الفكر الإنسانى، وكأن هذا الفكر لم يعرف الديمقراطية قبل أن يعرفها الغرب!

 

«ويمر الزمن»

وحين مر الزمن بمصر، وانتقلت الخلافة إلى الباب العالى، وأصبحت لقباً من ألقاب السلطان العثمانى اتجهت مصر إلى القبلة الجديدة، وهى أشد ما تكون وفاء واخلاصاً وحباً، لقد وقف هذا الشعب إبان حكم المماليك والدولة التى جلبتهم وأنشأت نظامهم، وقدرت وجودهم وفرضته على التاريخ وهى دولة بنى أيوب، فقد فرض هذا الشعب وجوده على الطغاة فاستنجدوا به فى الحروب التى انتهت بأسر لويس التاسع، هذا الشعب وإبان حكم الأيوبين كان له رأى ووصل انتقاده بالشعر والزجل إلى أسماع الصالح نجم الدين ولى الأمر!!

وانتهى عهد المماليك وحكمهم، وجاء العثمانيون ثم اتجهت إلى مصر أنظار الأوروبيين، وجاء بونابرت ليضع أساس امبراطورية شرقية يكون هو على رأسها، كان بونابرت يعرف أن بمصر رأياً عاماً محترماً وأن من واجبه أن ينزلق إليه ليكون الشعب فى خدمته وليكون أداته الباطشة للقضاء على المماليك، فأرسل إلى الكافة العديد من المنشورات ينكر فيها على المماليك ظلمهم لكنه أرهق الأهالى بالضرائب والمغارم، وتفنن فى ابتزار الأموال ومصادرة الأملاك.

وفى كتاب «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» يحكى لنا مؤرخنا الكبير عبدالرحمن الجبرتى ان «نابليون» فرض ضريبة لم تكن معروفة من قبل فى مصر، وهى الضريبة العقارية ثم يكشف كتابه عن صفحة مشرفة من الديمقراطية المصرية التى تجلت فى مطالبة الشعب الأعزل بعدم فرض ضريبة بدون موافقة ممثل الشعب، وبخضوع الحكام لحكم القانون وبمعاقبة المواطن طبقاً لنصوص القانون والشرع.

حدث هذا فى عام 1795 ميلادية أى فى أواخر القرن الثامن عشر حيث كانت دول كثيرة من التى يطلق عليها دول كبرى أو عظمى اليوم، لا تزال شعوبها تجل القيم الحضارية والحقوق الأساسية للإنسان وهذا يعنى أنه منذ حوالى قرنين من الزمان استطاع الشعب المصرى أن يفرض إرادته على حكامه فى وثيقة أجمع المؤرخون المصريون والأجانب على أنها بحق وثيقة إعلان حقوق الإنسان فى ذلك الزمن المبكر قرر الشعب المصرى ألا تفرض ضريبة الا إذا أقرها مندوبو الشعب، وأن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم وألا تمتد يد ذى سلطان إلى أى فرد من أفراد الامة الا بالحق والشرع.

وذهب الشعب إلى أبعد من ذلك، فأجبر حكامه فى ذلك الوقت على الاعتراف فى هذه الوثيقة بخطئهم، وأنهم تابوا ورجعوا، وقد تم للشعب ما اراد بعد نقاش احتدم بينه وبين حكامه، نقاش لم يملك فيه سوى الإيمان والتصميم والصلابة والإصرار فى حين كان الحاكم مسلحاً بكل أساليب الطغيان والجبروت والسطوة.

كان تسجيل هذه الحقوق فى حد ذاته معنى من أخطر المعانى، فحقوق الشعب حقوق مشروعة طبقاً لسيادة القانون وبالتالى فإن مطالبه لابد أن تؤيد وتنفذ، وبذلك تكون هذه الوثيقة التى أعلنها شعب مصر منذ حوالى قرنين من الزمان أقدم وثيقة لحقوق الإنسان، هذه الوثيقة تكشف لنا عن مدى فهم المصريين منذ القدم للمعانى الحضارية والقيم الإنسانية والمبادئ الديمقراطية فمبدأ عدم فرض الضريبة الا إذا أقرها مندوب الشعب وهو الذى نادى به الشعب فى مصر سنة 1795 وأرغم حكامه على التسليم به، هو أروع دليل على ما لشعب مصر من وعى ديمقراطى أصيل منذ القدم، وعى ليس مفتعلاً ولا مدسوساً، وإنما هو وعى من صميم البيئة المصرية التى ورثت على مر الاجيال والقرون تقاليد حضارة مجيدة، كانت كلها للعلم والبناء والعمران.

إن العدالة الاجتماعية التى لم يعرفها العالم الا حديثاً، قررها الشعب المصرى فى حواره المباشر مع حكامه حين اشتكى مثلو الشعب من فداحة الضرائب، فرد الدفتردار بأن النفقات باهظة فكان رد الشعب: وما الباعث على الاكثار من النفقات والأمير يكون أميراً بالعطاء لا بالأخذ.

تلك كانت أول صيحة فى العصر الحديث تفرض على الحاكم أن يرفع الأعباء عن كاهل رعيته فلا يكلفها من النفقات الباهظة ما لا تطيق وأن الحاكم لا يحوز على تأييد شعبه إلا إذا كانت سياسته هى العطاء، أى توفير العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب بإعطائهم حقوقهم ومنحهم فرصاً متكافئة فى الحياة ونصيباً عادلاً فى أمواله وميزانيته، إن الثورة الفرنسية نفسها لم تكن لتملك مثل هذا الوعى الديمقراطى الأصيل.

 

الدساتير المصرية

ومنذ ذلك الوقت دأبت كافة الدساتير المصرية على النص على أن إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاءها لا يكون الا بقانون وانه لا يجوز تكليف أى إنسان بأداء غير ذلك من الضرائب أو الرسوم الا فى حدود القانون. ولما صدر دستور سنة 2014 نص صراحة على التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعى بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين.

وأكد هذا المعنى فى المادة 27 حين نص على أن النظام الاقتصادى يهدف إلى تحقيق الرخاء فى البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقى للاقتصاد القومى ورفع مستوى المعيشة وأوجب المشرع الدستورى أن يلتزم النظام الاقتصادی بالنظام الضريبى العادل وكفالة الأنواع المختلفة للملكية.

كما أوجب المشرع على الدولة حماية الملكية بأنواعها الثلاثة: العامة والخاصة والتعاونية، وجعل للملكية العامة حرمة لا يجوز المساس بها، ونص على أن الملكية الخاصة مصونة ولا تنزع الا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً.

وكشف المشرع عن هدف النظام الضريبى فأشار فى المادة 38 إلى ان هدفه تنمية الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وأوجب فى فرض الضرائب أن تكون متعددة المصادر وتكون على دخول الافراد تصاعدية وفقاً لقدراتهم التكليفية، واوجب المشرع على الدولة الارتقاء بالنظام الضريبى وتبنى النظم الحديثة التى تحقق الكفاءة واليسر فى تحصيل الضرائب ونص على أن أداء الضرائب واجب وان التهرب الضريبى جريمة، ونص فى المادة 40 على أن المصادرة العامة للأموال محظورة.

ومؤدى ما تقدم أن الضريبة تعتبر أحد عناصر القانون المالى وأن أهميتها فى تنمية موارد الدولة لا نزاع فيها، والمصلحة التى تحميها مالية فى طبيعتها وان المشرع احاطها بقواعد تفصيلية غايتها ضمان تحصيلها ومجابهة التحايل عليها، ومحاولة التخلص منها وذلك تأميناً لانتظام ودقة جبايتها.

وقد كفل الدستور إرساء بنيان النظام الضريبى على قاعدة العدالة الاجتماعية واناط بالبرلمان وحده أن يقبض بيده على زمام هذا النظام وان يتولى بنفسه تنظيم أوضاع الضريبة بقانون يصدر منه متضمناً تحديد وعائها وأسس تقديرها وبيان مبلغها وقواعد ربطها وتحصيلها وهذه العناصر جميعاً هى التى تشمل النظم الضريبة فى مصر، فقانون الضريبة وإن توخى أصلاً حماية المصلحة الضريبية للدولة، باعتبار أن الحصول على غلتها يعتبر هدفاً مقصوداً ابتداء من فرضها، إلا أن مصلحتها هذه ينبغى موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مقيداً لقانون الضريبة، حتى لا يكون دين الضريبة مبلوراً شهوة الجباية بنهمها وانفلاتها، ولا عقاب من خلال جزاء يباعد بينها وبين الأغراض المالية المقصودة أصلاً منها، ولا غلوا مجاوزاً الحدود المنطقية اللازمة لضبطها ولا انحرافاً عن حقيقة أهدافها.

والضريبة على هذا النحو فريضة مالية تقتضيها الدولة من المكلفين بها وفق القواعد التى يقررها المشرع فى شأنها، لكن يظل هناك التزام دستورى أن تفرض الضريبة بقدر، وفى حدود لا تصادر فرص رأس المال فى النمو، وبشرط ألا ترهق المكلفين بها، فتصدهم عن مباشرة نشاطهم المشروع، ومن ثم تتحدد موازين الضريبة التى يقتضيها الدستور على ضوء ضرورتها، وحيدة مضمونها، وعدالتها من منظور اجتماعى يقابل بين عبئها، وقدرة الملتزمين أصلاً بها على تحملها.

وسواء تعلق الأمر بالضريبة العامة أو بالضريبة العقارية فإن قيداً دستورياً مهماً يحيط بها، هو أن يكون قدر إسهام المواطنين فى التحمل بعبئها متوازناً، ومنصفاً، فلا يشق فرضها على بعضهم بما يجاوز مقدرتهم على إيفائها، أو بما يتمخض عن مصادرة للأموال محلها، هذا القيد هو قيد العدالة الاجتماعية كأساس لتنظيم الضريبة، فإذا كان الدستور قد نص على أن الوفاء بالضريبة واجب وطني إلا أن شرط التقيد بالضريبة والنزول على حكمها، هو أن يكون فرضها واقعاً فى الحدود التى يتطلبها الدستور، وفى إطار العدالة الاجتماعية ترتبط دستورية الضريبة.

واستناداً إلى ما تقدم فيعتبر ملتزماً أصلاً بالضريبة من تتوافر بالنسبة إليه الواقعة التى أنشأتها، والتى يتمثل عنصراها فى المال المتخذ وعاء لها، ثم وجود علاقة بين هذا المال وشخص معين ليكون اجتماع هذين العنصرين معاً، مظهراً للالتزام بالضريبة، ولا يكون الشخص مسئولاً عن الضريبة إلا إذا كان وفاؤه بها تابعاً للالتزام الأصل بأدائها، يبقى بوجوده، ويزول بانقضائه، وشرط ذلك أن تتوافر علاقة عضوية بين المسئول عن الضريبة من جهة، وبين المال المتخذ وعاء لها من جهة أخرى، فإذا انتفت هذه العلاقة فليس ثمة مسئول عن الضريبة.

وعلى هذا الأساس فإن الضريبة التى يكون أداؤها واجباً وفقاً للقانون هى التى تتوافر لها مقالبها الشكلية ويقوم تنظيمها على أسس موضوعية، وبشرط أن تكون العدالة الاجتماعية إطارا لها، وليس للمشرع أن ينتقض الشرائط التى يتطلبها الدستور لاقتضاء الضريبة فإن هو فعل كان فرضها على المخاطبين بها تحميلاً لأموالهم بغير حق بعبئها، بما يرتد سلباً عليهم بقدر مبلغها وينال من الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة كان اقتضاؤها مخالفاً للدستور.

والأصل الذى لا يقبل استثناء أن الدخل هو المصدر الطبيعى للضريبة وشرط مبدئي لعدالتها، وأن كل ضريبة يفرضها المشرع على رأس المال لا يغل دخلاً، وبطريقة دورية متجددة ولفترة غير محددة مع زيادة تحكمية فى قيمته التى تمثل وعاء الضريبة ينطوى على عدوان على الملكية الخاصة، ويتناقض مفهوم العدالة الاجتماعية بالمخالفة للدستور.

ولا شك أن دستورية الضريبة لا ترتبط بعظم حصيلتها، ولا تنفيها ضآلتها، ولا يحول دونها أن يكون للضريبة فضلاً عن مقاصدها الأصلية آثار عرضية من شأنها فرض أعباء متفاوتة على صور من النشاط التى يأتيها المكلفون بها، والتى تقع الضريبة عليها بما ينهيها أو يرهقها.

فإذا كان وعاء الضريبة هو المال المحمل بعبئها، فيتعين أن يكون وجود هذا المال محققاً، وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان ثابتاً بعيداً عن شبهة الاحتمال، ذلك أن مقدار الضريبة أو مبلغها لا يتحدد على وجه اليقين إلا إذا ارتبط بوعائها، وكان محمولاً عليه، فإذا فرض المشرع ضريبة على دخل معين تعين أن يكون مبلغ هذه الضريبة متأتياً من هذا الدخل دون سواه، وناجماً عن وجوده - حقيقة لا حكماً - ومنسوباً إلى مقداره واقعاً لا مجازاً، فلا يجوز للضريبة أن تدمر وعاءها من خلال فداحة عبئها.

ولجهة الرقابة على دستورية القوانين الضرائبية، فهى فى مجال تحققها من دستورية هذه الضريبة فإنها تباشر رقابتها على الواقعة التى أنشأتها، وتستظهر بالتالى حدود الصلة بين المكلفين بها والمال المحمل بعبئها، ونطاق مقدرتهم التكليفية، وأن تكون صور الدخل على اختلافها وعاء أساسيا لها كافلاً عدالتها وموضوعيتها فلا تنال الضريبة من رؤوس الأموال ذاتها بما يؤول إلى تآكلها، أو يحول دون تراكمها.

 

الإيراد

وإذا كان الدستور هو الذى ينشئ السلطات العامة فى الدولة، وهو الذى يحدد اختصاصاتها، وبين حقوق الأفراد وحرياتهم وضماناتها ومن ثم فإن السلطة التشريعية ملتزمة باحترام أحكام الدستور، ومقيدة بقواعده حال قيامها باختصاصها الأصيل فى سن القوانين.

وإذا اطلعنا على المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 196 لسنة 2008 نجدها تنص على أن يستبدل بنصوص المواد 37 و39 و45 و46 من قانون الضريبة على الدخل المواد الآتية:

مادة 37: تشمل الإيرادات الخاضعة للضريبة إيرادات العقارات المبنية المؤجرة وفقاً لأحكام القانون المدنى وإيرادات العقارات المفروشة.

مادة 39: يحدد الإيراد الخاضع للضريبة المحقق من تأجير العقارات المبنية على أساس الأجرة الفعلية ومفاد ذلك أن المشرع اعتد فى مواد إصدار القانون «بالأجرة الفعلية» المحقق من تأجير العقارات المبنية ثم خالف هذا المبدأ حين نص فى المادة 13 من القانون على أن تشكل فى كل محافظة لجان تسمى لجان الحصر والتقدير تختص بحصر وتقدير القيمة الإيجارية للعقارات المبنية، ويعمل بذلك التقدير لمدة خمس سنوات، ويعاد ذلك التقدير فور انتهائها، ولا يجوز أن يترتب على المادة التقدير زيادة القيمة الإيجارية فى أغراض السكن على 30٪ وفى غير أغراض السكن عن 45٪، حين نص فى المادة الثامنة على أن تفرض ضريبة سنوية على العقارات المبنية مشغولة أو غير مشغولة بالسكان.

وإذا كانت المادة 558 من القانون المدنى عرفت الإيجار بأنه عقد يلتزم فيه المؤجر أن يمكن المستأجر من الانتفاع بشىء معين مدة معينة لقاء أجر معلوم، ونصت المادة 561 على أنه يجوز أن تكون الأجرة نقوداً كما يجوز أن تكون أى تقدمة أخرى، فإذا لم يتفق المتعاقدان على مقدار الأجرة أو على كيفية تقديرها أو إذا تعذر إثبات مقدار الأجرة وجب اعتبارها أجرة المثل، ومن ثم فإنه يجب الاعتداد بالأجرة الفعلية الثابتة بعقد الإيجار، وبالتالى فإنه لا يجوز لمصلحة الضرائب العقارية أن تكلف لجان التقدير بتقدير القيمة الإيجارية بل هى ملزمة بالتعديل فى ربط الضريبة على الأجرة الفعلية التى يتقاضاها المؤجر من المستأجر والثابتة بعقد الإيجار.

أضف إلى ما تقدم أن الضريبة العقارية لا تفرض إلا على إيراد أدرته هذه العقارات ومن ثم فإن إخضاع الوحدات غير المشغولة بالسكان للضريبة العقارية إنما يكشف بجد عن مخالفة صارخة للدستور، ولا يغير من ذلك أن يقال أن فلسفة قانون الضريبة العقارية تقوم على تحول تلك الضريبة من ضريبة على إيرادات العقار إلى ضريبة على امتلاك الثروة العقارية!

فالأصل فى الضريبة أنها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً، وقد حرص المشرع على النص فى الدستور على صون الملكية الخاصة، فكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفى الحدود والقيود التى أوردها، فإنه لا يجوز أن تفرض الضريبة ويحدد وعاءها بما يؤدى إلى زوال رأس المال المفروضة عليه كلية أو الانتقاص منه بدرجة جسيمة، ومن أجل ذلك كان الدخل هو الذى يشكل على اختلاف مصادرة الوعاء الأساسى للضريبة، بينما يشكل رأس المال وعاء تكميلياً للضرائب لا يلجأ إليه إلا استثناء ولمرة واحدة، أما فرض ضريبة على رأس مال لا يدر دخلاً وبطريقة دورية متجددة، ولفترة غير محددة مع زيادة تحكمية مفترضة فى قيمة الضريبة السنوية المستحقة عليه فإنه ينطوى على عدوان على الملكية بالمخالفة للدستور، ويناقض أيضاً مفهوم العدالة الاجتماعية الذى نص عليه الدستور من قيام النظام الضريبى على أساس وهو ما يرجح حتماً القضاء بعدم دستوريته إن آجلاً أو عاجلاً!

وإذا أضفنا أيضاً إلى ما تقدم أن النظام الضريبى فى مصر يقوم على أساس الضريبة الموحدة، ومقتضى هذا النظام أن دخل الفرد مهما تنوعت مصادره فإنه يخضع لضريبة واحدة، وعندما يحدث أن يفرض على المكلف ضريبة أو ضريبتين متشابهتين على نفس المادة الخاضعة للضريبة، وعن نفس الفترة الضريبية فإننا نكون بصدد ظاهرة الازدواج الضريبى وهى ظاهرة لا يقرها المشرع ويأباها الدستور والقانون.

وتتوافر هذه الحالة بأن يكون فرض الضرائب من اختصاص سلطتين، فتقوم أكثر من سلطة بفرض نفس الضريبة على المكلف بخصوص نفس المادة الخاضعة للضريبة، وخلال نفس الفترة الضرائبية والملاحظ أن قانون الضريبة على الدخل أخضع إيرادات العقارات المبنية المؤجرة وفقاً لأحكام القانون المدنى للضريبة على الدخل وأن يحدد الإيراد الخاضع لهذه الضريبة والمحقق من تأجير هذه العقارات على أساس الأجرة الفعلية التى يتقاضاها المؤجر.

ثم نجد المشرع فى قانون الضريبة على العقارات المبنية يخضع المؤجر المخاطب بقانون الضريبة على الدخل لأحكامه، ولا يعتد بالأجرة الفعلية التى اعتد بها المشرع فى قانون الضريبة على الدخل إنما جعل تحديد هذه الأجرة خاضعا لسلطانه ولإرادة رئيس وأعضاء لجان التقدير الذين ينفذون أوامره متجاهلاً فى ذلك الأجرة الفعلية المتفق عليها فى عقد الإيجار، ومن ثم فإننا نكون أمام حالة ازدواج ضريبى، وبصدد تقدير قيمة إيجارية بطريقة تحكمية لا تجد لها سنداً لا من القانون ولا من الدستور.

فهل آن الأوان ليعيد البرلمان النظر فى هذا القانون تحقيقاً للعدالة لا أكثر ولا أقل!